الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نتائجه أن يفرق بين الحق والباطل والصادق والكاذب وغيرها وهي بحسب الإيمان قوة وضعفا فكلما قوي الإيمان قويت وكلما ضعف ضعفت فمن كان أقوى إيمانا كان أقوى فراسة.
النوع الثاني: الفراسة الرياضية:
وهي تكون بالمران والتكرار وتحمل المشاق من الجوع والسهر والتخلي وسببها أن النفس إذا تجردت مما يثقلها صار لها كشف بحسب ذلك التجرد وهذا النوع لا يختص بأهل الإيمان بل هو حاصل للمؤمن والكافر فهي مشتركة بين الناس وقوتها تبعا لسببها.
ولا دلالة فيها على إيمان ولا ولاية ولا يستفاد منها الكشف عن الحق ولا عن طريق مستقيم فهي تحصل للولاة والأطباء وأرباب الحرف بحسب معرفتهم بوظائفهم وتمكنهم منها.
النوع الثالث: الفراسة الخلقية
وهي الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن لما بينهما من ارتباط اقتضته حكمة الله كأن يستدل بزرقة العينين على الدهاء والخبث وبسعة الصدر على سعة الخلق والحلم ونحو ذلك وهي أيضا كسابقتها لا يستدل بها على إيمان ولا كفر ولا ولاية ولا عداوة.
ويرى صاحب المنازل أن الفراسة: استئناس الغيب ويقصد بها قياس الشاهد على الغائب وهو أمر مشترك بين المؤمن والكافر وغيرهما ومثالها الاستدلال على نزول المطر بشدة البرق والرعد واستدلال الطبيب على المرض بظواهر على المريض ونحو ذلك وهي عنده على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: فراسة طارئة نادرة وهي التي تقع على لسان شخص مرة واحدة في العمر مثلا وهي عنده فراسة الغافلين الذين لم يأنسوا بذكر الله وقربه فهي كرمية من غير رام.
الدرجة الثانية: فراسة تجنى من غرس إيماني وهي تبعا لصدق الحال فكلما كان الحال أصدق كانت هذه الفراسة أقوى وهي عنده تختص بأهل الإيمان وهم فيها متفاوتون.
النوع الثالث: فراسة سرية وهي التي يخبر فيها المختار المصطفى صاحب الولاية عن الأمور المغيبة تارة تصريحا وتارة تلويحا إما سترا لحاله أو صيانة لما أخبر به من الابتذال ووصوله إلى غير أهله وإما لغير ذلك من الأسباب وهي أعلى الأنواع عند صاحب منازل السائرين مع أن هذه الدعوى غير مقبولة لأن الخبر عن الغيب قد يكون ساحرا أو كاهنا أو عرافا أو منجما وكل هؤلاء أحوالهم من الشرع مذمومة. قال صلى الله عليه وسلم: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم (1)» .
هذا وقد غلا الصوفية في الفراسة حتى جعلوها مصدرا من المصادر الأساسية للمعرفة حتى حكموها في أمور الديانة مع أن صاحب الفراسة إن كانت إيمانية لا يعرف صدقها إلا بوقوعها وجزمه بمجرد الواردات يحتاج إلى عرضه على الشرع ليحكم عليه بالنفي أو الإثبات والحق أو الباطل وغاية الأمر إن لم يدل الدليل على أنه باطل أو حق أن تكون الفراسة من المرجحات، ولذا لم يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بفراسة في مال أو عرض أو نفس أو نسب أو عقل بل بالبينات والشهود وغاية الفراسة أن تكون أمارة ظنية لا تصل إلى مقام الدليل من حيث دلالته على إثبات الحكم فلا تصلح للاستقلال بالحكم في أمر شرعي أو قدري بل لا بد من عرض ما دلت عليه على نصوص الكتاب والسنة وما دل عليه معقولهما.
مما يدل على أن الفراسة ترجع أسبابها إلى أمرين: (2).
(1) سنن الترمذي الطهارة (135)، سنن أبو داود الطب (3904)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (639)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 476)، سنن الدارمي الطهارة (1136).
(2)
انظر مدارج السالكين (2/ 489).