الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بل إن شيوخ الصوفية أنفسهم صرحوا بوجوب اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما.
يقول ابن القيم رحمه الله: (وقد صرح أهل الاستقامة وأئمة الطريق بكفر هؤلاء فأخرجوهم من الإسلام وقالوا لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال ذرة أي ما دام قادرا عليه)(1) ومن ذلك قول الجنيد بن محمد: (علمنا هذا مشتبك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إبراهيم بن محمد النصرابادي: (أصل هذا المذهب ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع والتمسك بالأئمة والاقتداء بالسلف وترك ما أحدثه المتأخرون والمقام على سلك الأولين).
وسئل إسماعيل بن نجيد ما الذي لا بد للعبد منه فقال: (ملازمة العبودية والسنة ودوام المراقبة، وسئل عن التصوف فقال: هو الصبر تحت الأمر والنهى). وقال أحمد بن أبي الحواري: من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله، وقال عبد الله الخياط:(الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على ما يقع في قلوبهم فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فردهم من القلب إلى الدين والشريعة)(2)
(1) مدارج السالكين (3/ 118، 119) - انظر العبودية لابن تيمية ص (65) وما بعدها.
(2)
مدارج السالكين (3/ 118، 119) انظر العبودية لابن تيمية ص (65) وما بعدها.
الحادي عشر: التفرقة بين الحقيقة والشريعة
.
فالشريعة عندهم هي مراعاة الأمر والنهي فيما يظهر من أحوال العباد وأما الحقيقة فهي شهود الحقيقة الكونية في القلب، ومما يدل على ذلك قولهم (الشريعة فيها طاعة ومعصية، والحقيقة فيها طاعة ومعصية، والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية)(1).
(1) العبودية (143)
ومنهم من يدعي أن الحاجة للنبي صلى الله عليه وسلم هو في علم الظاهر دون الباطن أو في علم الشريعة دون الحقيقة (1) وهم يصفون أنفسهم بأنهم ذووا الحقائق ويصفون العلماء بذوي الشرائع أو بأنهم أصحاب الباطن والعلماء أصحاب الظاهر. وبناء على ذلك فطريقهم هو الأفضل والأكمل من طريق الفقهاء والعلماء، وإن مما علم من الدين بالضرورة أن حقيقة ما في قلوب العباد لا يعلمه إلا الله وادعاء الكمال فيه تزكية قد نهى الله عنها بقوله:{فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (2).
كما أن الأعمال الظاهرة مطلوبة شرعا كالأعمال الباطنة سواء بسواء
فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة (السلف الصالح) قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الارتباط بقوله:«إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب (3)» وقال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق (4)» . ولا يدخل العبد في الإسلام إلا بالنطق بالشهادتين مع الإيمان بالقلب ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله (5)» . ولما قتل أسامة بن زيد رجلا بعدما نطق بالشهادة قال له صلى الله عليه وسلم: «أشققت عن قلبه (6)» وقال صلى الله عليه وسلم عن الصلاة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (7)» وقال عن تصديق الكاهن: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم (8)» كلها أعمال ظاهرة مما يدل على أن العلم بما جاء به الرسول أمر قد علم وجوبه بالضرورة من دين الإسلام كما قال سبحانه:
(1) الفرقان لابن تيمية ص (73، 74) - انظر مدارج السالكين (2/ 372).
(2)
سورة النجم الآية 32
(3)
صحيح البخاري الإيمان (52)، صحيح مسلم المساقاة (1599)، سنن الترمذي البيوع (1205)، سنن النسائي البيوع (4453)، سنن أبو داود البيوع (3329)، سنن ابن ماجه الفتن (3984)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 270)، سنن الدارمي البيوع (2531).
(4)
صحيح البخاري الإيمان (9)، صحيح مسلم كتاب الإيمان (35)، سنن الترمذي الإيمان (2614)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5005)، سنن أبو داود السنة (4676)، سنن ابن ماجه المقدمة (57)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 379).
(5)
صحيح البخاري الزكاة (1458)، صحيح مسلم الإيمان (19)، سنن الترمذي الزكاة (625)، سنن النسائي الزكاة (2435)، سنن أبو داود الزكاة (1584)، سنن ابن ماجه الزكاة (1783)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 233)، سنن الدارمي الزكاة (1614).
(6)
سنن ابن ماجه المقدمة (199)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 182).
(7)
سنن الترمذي الإيمان (2621)، سنن النسائي الصلاة (463)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1079)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 346).
(8)
سنن الترمذي الطهارة (135)، سنن أبو داود الطب (3904)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (639)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 476)، سنن الدارمي الطهارة (1136).
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (1) وقال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (2) وقال جل شأنه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (3).
قال ابن تيمية: (فلفظ الشرع والشريعة إذا أريد به الكتاب والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا غيرهم أن يخرج عنه ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقا إلى الله غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا فلم يتبعه باطنا وظاهرا فهو كافر)(4).
وليس في قصة موسى مع الخضر ما يدل على جواز الخروج عن شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لوجوه: (5).
أولا: أن موسى لم يكن مبعوثا للخضر ولا كان على الخضر اتباعه.
ثانيا: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفا لشريعة موسى وإنما أنكره موسى لعدم علمه بالأسباب فلما علمها وافق الخضر على ذلك (6).
ثالثا: أنه لو صح كون الخضر تابعا لموسى وأن الخضر خالفه لكان ذلك خاصا بشريعة موسى دون شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
رابعا: أنه لو قيل بناء على ذلك أن شرع من قبلنا شرع لنا قلنا هذا إذا وافق شرعنا وهو لم يوافق فلا يكون شرعا لنا.
خامسا: أنه لو جاز ذلك في شريعة موسى مع أن بعدها رسالات لم يجز ذلك في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خاتم النبيين؛ ولذا إذا أنزل الله عيسى فإنه يحكم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لا على شريعته السابقة.
(1) سورة الحشر الآية 7
(2)
سورة المائدة الآية 92
(3)
سورة النور الآية 63
(4)
انظر الفرقان لابن تيمية ص (110، 111).
(5)
انظر الفرقان لابن تيمية ص (110، 111).
(6)
انظر الفرقان لابن تيمية ص (110، 111).