الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإلا فاضربوا بقولي عرض الحائط) وبناء على ذلك فليس لأحد من الخلق طاعة مطلقة على عباد الله إلا أن يوافق قوله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبدو أن الصوفية تأثروا كثيرا بالشيعة في قضية الإمامة بحيث جعلوا شيوخهم كالأئمة عند الشيعة في تلقي أقوالهم بالقبول وعدم المناقشة أو الاعتراض على شيء منها لا سيما إذا قرن ذلك بإصرارهم على إرجاع نسب شيوخ طرقهم إلى فاطمة الزهراء وسلسلة تصوفهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه مما يدل دلالة قاطعة على ما قدمناه من تأثرهم بعقيدة الإمامة عند الشيعة، هذا ونحن عندما نقول هذا فإنا ننزه شيوخ السلف من المنسوبين إلى التصوف أن يكونوا كذلك لما تواتر عنهم وعلم بطريق النقل الصحيح من معتقد سلفي وعمل سني لا أثر للبدعة فيه مع عدم تنزيهنا لأحد من البشر من الخطأ؛ إذ كل بني آدم خطاء.
ومما تقدم علم أن الانتساب إلى هذه الطرق بدعة في الدين فيحرم الانتساب إليها، ويجب الانتساب إلى الأمة المحمدية وأخص من هذا الانتساب إلى السلف الصالح الذين هم على ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الموسومين بلقب الفرقة الناجية التي تمثل الأمة المحمدية في صفاء عقيدتها ونقائها وصلاح أعمالها المتضمن المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم في كل قول أو فعل أو اعتقاد.
المجمل لاعتقاد الصوفية الطرقية:
وقد أوجز ابن تيمية رحمه الله اعتقاد هذا النوع من الصوفية فيما يلي:
أولا: التوحيد عندهم:
الفناء في توحيد الربوبية بحيث لا يشهدون إلا الخالق وهم في ذلك على طريقتين: (1).
(1) انظر مدارح السالكين (20/ 447).
الأولى: أن وجود الحق هو عين وجود المخلوق وهو مذهب الحلولية والاتحادية منهم.
الثاني: وهو أخف وهو أنه لا أثنينية في الوجود بل لا بد أن يتصور العارف عدم وجود ذاته وهؤلاء يفرقون بين الخالق والمخلوق لكنهم يجعلون تصور الوجود للمخلوق حال وجود الخالق أثنينية في الوجود تنافي التوحيد للخالق جل وعلا وهذا مذهب صاحب منازل السائرين أبي إسماعيل الهروي ومما أورده من الشعر:
ما وحد الواحد من واحد
…
إذ كل من وحده جاحد
فالتوحيد عنده نوعان:
النوع الأول: غير موجود وغير ممكن وهو توحيد العبد لربه.
النوع الثاني: توحيد صحيح وهو توحيد الله لنفسه (1).
ويرى بعض الصوفية أن التوحيد ثلاثة أنواع:
النوع الأول: توحيد العامة وهو توحيد الألوهية.
قال ابن تيمية عن هذا النوع من التوحيد (فهو التوحيد الذي جاء به الرسل من أولهم إلى آخرهم ونزلت به الكتب كلها وبه أمر الله الأولين والآخرين) فهو في الحقيقة توحيد خاصة الخاصة (2).
النوع الثاني: توحيد الخاصة وهو ما يحصل بالمشاهدة والمكاشفة
ويعرفونه بأنه (إسقاط الأسباب الظاهرة والصعود عن منازعات العقول والتعلق بالشواهد وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا ولا في التوكل سببا ولا في النجاة وسيلة)(3) وهو الفناء.
(1) انظر مدارج السالكين (3/ 449).
(2)
انظر مدارج السالكين (3/ 482، 484).
(3)
انظر مدارج السالكين (3/ 397 - 501).
وقد رد ابن تيمية هذا النوع بعدة أدلة من الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل والحس أما الكتاب فقوله سبحانه: {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} (1) وقوله: {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} (2) وقال: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} (3) وقال: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (4) فرتب أحكامه الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب المتنوعة.
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له (5)» وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: «أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقي بها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله (6)» ومن الأثر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي عبيدة عندما قال له: (أتفر من قدر الله) يعني الطاعون- قال عمر (أفر من قدر الله إلى قدر الله) والعقل قاض بأنه لا ولد إلا بنكاح ولا مال إلا بطلب والحس يدل على ذلك فمن ترك شيئا من هذه الأسباب لا يحصل له المسبب عنها؛ لكن الواجب عدم الاعتماد على السبب والتوكل عليه لكن يكون الاعتماد والتوكل على الله مع تعاطي ما جعله الله سببا
فإن الأسباب مؤثرات ناقصة والمؤثر التام هو إرادة الله الكونية القدرية ومشيئته النافذة فإن المراد لا يتأخر عنهما أبدا (7).
النوع الثالث: توحيد خاصة الخاصة وهو توحيد الله لنفسه بنفسه كما في قوله {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} (8) وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
(1) سورة الأعراف الآية 57
(2)
سورة النحل الآية 65
(3)
سورة المائدة الآية 16
(4)
سورة المائدة الآية 105
(5)
صحيح البخاري تفسير القرآن (4949)، صحيح مسلم القدر (2647)، سنن الترمذي القدر (2136)، سنن أبو داود السنة (4694)، سنن ابن ماجه المقدمة (78)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 157).
(6)
سنن الترمذي الطب (2065)، سنن ابن ماجه الطب (3437).
(7)
انظر مدارج السالكين (3/ 397 - 501).
(8)
سورة آل عمران الآية 18
قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (1) وقوله: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} (2) وهو كلامه وخبره عن نفسه بنفسه فهو صفته القائمة به.
وهذا وإن كان حقا إلا أن دعوى أن التوحيد لا يكون إلا توحيده بنفسه غير صحيح؛ إذ لو كان ذلك صحيحا لما جاز للأنبياء والرسل وأخصهم محمد صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وأمرهم الناس به، بل كيف يتصور أن أعلم الناس بربه هو أجهلهم به وأعجزهم عن توحيده كما أنه لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم إثبات توحيد لا يمكن النطق به ولا كان للأمر بالنطق بالشهادة والدعوة إلى مدلولها معنى (3).
وبذا يعلم ما في هذا التقسيم من مخالفة الكتاب والسنة وما عليه سلف الأئمة مما يدل على فساده وعدم استقامته لا سيما وأنه لا يشتمل إلا على شهود الربوبية والتي يستوي الخلق بالنسبة إليها نظرا لأن المخلوقات بالنسبة للخلق والرزق والملك متساوون فلا فرق فيه بين طاعة ولا معصية ولا معروف ولا منكر ولا كافر ولا مؤمن ولا موحد ولا مشرك ولا مطيع ولا عاص ولا فاسق ولا كافر، وإنما يكون الفرق بالإيمان بمدلول توحيد الألوهية قال ابن تيمية:(فمن زعم أن المشاهدة لتوحيد الربوبية يدخل في مقام الجمع والفناء فلا يشهد فرقا فإنه غالط بل لا بد من الفرق فإنه ضروري)(4).
(1) سورة الأنبياء الآية 25
(2)
سورة الحشر الآية 22
(3)
انظر مدارج السالكين (3/ 511 وما بعدها).
(4)
مجموع الفتاوى (10/ 242).