الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثا: وقوع كثير منهم في المعاصي والفسوق والكفر لعدم تفريقهم بين هذه المعاني بل جوز بعضهم عبادة الأصنام بناء على ذلك.
رابعا: إن عدم التفريق ممتنع عقلا وشرعا فإن لم يفرق بين الأمر المحبوب والمبغوض شرعا فإنه لا بد أن يفرق بينهما بالفرق الطبيعي فيحب ما يهوى ويكره ما لا يهوى.
والحق في الفناء أن يقال: إن الفناء بثلاثة أنواع:.
أولا: الفناء بالشاهد عن المشهود وبالذكر عن المذكور، وهو الفناء في توحيد الربوبية هو بعض التوحيد المطلوب بشرط الفرق بين ما يشاهد والمشاهد والذكر والمذكور وهو ليس من لزوم الطريق إلى الله.
ثانيا: الفناء بعبادته عن عبادة غيره وطاعته عن طاعة غيره وامتثال أمره واجتناب نهيه وهو توحيد الألوهية وهو أعظم الفناء وأجله وأوجبه.
ثالثا: الفناء عن وجود السوي وهو فناء أهل وحدة الوجود وأهل الحلول والاتحاد وهو باطل عقلا وشرعا.
عاشرا: القول بسقوط التكاليف
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (وقد قال بعض الناس أنه تجوهر، وهذا قول قوم داموا على الرياضة مدة فقالوا لا نبالي بما عملنا بعد ذلك، وإنما الأمر والنهي رسم للعوام ولو تجوهروا مثلنا لسقط عنهم، وحاصل القيود ترجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد فيها ضبط العوام، ولسنا من العوام فندخل في التكاليف؛ لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة، فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، بل هم أكفر أهل الأرض فإن اليهود
والنصارى آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، وهؤلاء كفروا بالجميع فهم خارجون عن التزام شيء من الحق) (1).
وقد قال ابن عربي:
العبد رب والرب عبد
…
يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب
…
أو قلت رب أنى يكلف (2)
فلما صار عنده عين وجود الرب هو عين وجود العبد صار كل واحد عنده هو عين الآخر، وإذا كان الرب لا تكليف عليه، والرب هو العبد فالعبد أيضا لا تكليف عليه.
ومن الصوفية من يسقط عن نفسه بعض التكاليف دون البعض الآخر فيزعم مثلا أن الصلاة سقطت عنه لأنه وصل إلى المقصود الذي من أجله شرعت الصلاة، وبالتالي فهي لا تجب عليه بعد الوصول، وبعضهم يزعم أن الصلاة سقطت عنه وقت المشاهدة وبعضهم يزعم سقوط الحج عنه، ومنهم من يزعم أنه استغنى بالتوبة والحضور عن سائر العبادات والطاعات ومنهم من يستحل المحرمات كالفطر في رمضان من غير عذر ويستحل شرب الخمر ويزعم أنها لا تحرم إلا على العوام دون الخواص وذلك لزكاة نفوسهم وصلاح أعمالهم.
هذا وقد أجمعت الأمة على كفر من جحد واجبا من الواجبات الظاهرة المتواترة أو جحد تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبز واللحم والنكاح (3).
(1) انظر مختصر الفتاوى المصرية (245).
(2)
انظر مختصر الفتاوى المصرية (245).
(3)
انظر مختصر الفتاوى المصرية (246).
(وقد قيل لبعض الصوفية قم إلى الصلاة فقال:
يطالب بالأوراد من كان غافلا
…
كيف بقلب كل أوقاته ورد (1)
قال ابن القيم رحمه الله (وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة والتي هي أماني النفس وخداع الشيطان؛ وكأن قائلهم إنما عنى نفسه وذوي مذهبه بقوله:
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم
…
وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم
…
وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا (2)
وبعد فأين هؤلاء من قوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (3) أي الموت. ومن قوله عن صفوة عباده {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (4) وقوله سبحانه: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} (5){إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} (6).
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبد ربه حتى تفطرت قدماه فيقال له: ارفق بنفسك فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا (7)» . بل أين هؤلاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحوالهم في التعبد كما قال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} (8) وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (9) وقال آمرا عباده بعبادته: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} (10).
(1) انظر ابن القيم عصره ومنهجه ص (419).
(2)
انظر مدارج السالكين (3/ 118، 119).
(3)
سورة الحجر الآية 99
(4)
سورة الأنعام الآية 52
(5)
سورة الليل الآية 19
(6)
سورة الليل الآية 20
(7)
صحيح البخاري الجمعة (1130)، صحيح مسلم صفة القيامة والجنة والنار (2819)، سنن الترمذي الصلاة (412)، سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (1644)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1419)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 251).
(8)
سورة الفتح الآية 29
(9)
سورة العنكبوت الآية 69
(10)
سورة النساء الآية 36