الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حذف نون كان المجزومة
يقول النحاة أن نون كان قد تحذف تخفيفا لكثرة الاستعمال، بشرط أن يكون الفعل مجزومًا بالسكون وألا يليه حرف ساكن. قال ابن عقيل: "حذفوا النون بعد ذلك لكثرة الاستعمال فقالوا (لم يك) وهو حذف جائز لا لازم، ومذهب سيبويه ومن تابعه أن هذه النون لا تحذف عند ملاقاة ساكن فلا نقول: لم يك الرجل قائمًا وأجاز ذلك يونس ..
وأما إذا لاقت متحركًا فلا يخلو إما أن يكون ذلك المتحرك ضميرًا متصلا، أو لا فإن كان ضميرًا متصلا لم تحذف النون اتفاقًا" (1).
وهذا الكلام صحيح غير أن البليغ لا يحذف لمجرد التخفيف، وإنما لغرض بلاغي يقتضيه المقام، نعم قد يضطر إلى ذلك في شعر أو نحوه، ولكن في اختيار الكلام لا يفعل ذلك لمجرد التخفيف.
لقد حذفت النون من كان المجزومة سبع عشرة مرة في القرآن الكريم، ولم تحذف مع إمكان الحذف في سبعة وخمسين موطنًا، وما ذلك إلا لسبب بلاغي يقتضيه المقام قال تعالى:{ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون} [النحل: 127].
وقال: {ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون} [النمل: 70]، فمرة حذف ومرة أبقى.
وقال: {فلا تك في مرية منه إنه الحق} [هود: 17].
وقال: {ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه} [السجدة: 23].
فمرة حذف ومرة أبقى.
وقال: {يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة} [لقمان: 16].
(1) ابن عقيل 1/ 118، وانظر التصريح 1/ 196، الهمع 1/ 122، الرضي على الكافية 2/ 333، ابن الناظم 59
فمرة حذف ومرة أبقى، وهكذا. وهذا لا يكون إلا لسبب.
جاء في (البرهان): "ويلحق بهذا القسم النون الذي هو لام فعل فيحذف تنبيها على صغر مبدأ الشيء وحقارته، وأن منه ينشأ ويزيد إلى ما لا يحيط بعلمه غير الله مثل (ألم يك نطفة) [القيامة: 37]، حذفت النون تنبيها على مبتدأ الإنسان وصغر قدره بحسب ما يدرك هو من نفسه، ثم يترقى في أطوار التكوين {فإذا هو خصيم مبين} [يس: 77]، فهو حين كان نطفة ناقص الكون ..
وكذلك: {وإن تك حسنة يضاعفها} [النساء: 40]، حذفت النون تنبيها على أنها وإن كانت صغيرة المقدار حقيرة في الاعتبار فإن إليه ترتيبها وتضاعيفها، ومثله {إن تك مثقال حبة من خردل} [لقمان: 16]، وكذلك:{أولم تك تأتيكم رسلكم} [غافر: 50]، جاءتهم الرسل من أقرب شيء في البيان الذي أقل من مبدأ فيه، وهو الحس إلى العقل إلى الذكر، ورقوهم من أخفض رتبة وهي الجهل، إلى أرفع درجة في العلم وهي اليقين وهذا بخلاف قوله تعالى:{ألم تكن آياتي تتلى عليكم} [المؤمنون: 105]، فإن كون تلاوة الآيات قد أكمل كونه وتم، وكذلك:{ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} [النساء: 97]، هذا قد تم تكوينه .. وكذلك:{فلم يك ينفعهم إيمانهم} [غافر: 85]، انتفى عن إيمانهم مبدأ الانتفاع وأقله ما انتفى أصله (1) ".
إن أغراض الحذف متعددة يقتضيها المقام ومن ذلك على سبيل المثال:
1 -
الإسراع: فإن المقام قد يقتضي الاسراع، ولا يقتضي الإطالة في الكلام شأن التحذير والإغراء، فكما لا تقول لمن كانت العقرب بقربه وهو عنها غافل: احذر العقرب أو عليك أن تحذر العقرب وإنما تسرع في تبليغه فتذكر المحذر منه بأسرع بيان قائلا: العقرب العقرب، وكذلك ههنا قد يقتضي المقام الإيجاز في الحديث، فتوجز في كل شيء حتى في حذف النون، فتقول لابنك الذي أدركه السفر العاجل مثلا: لا تك غافل أو ما أشبه ذلك.
(1) البرهان 1/ 407 - 404
2 -
قد يكون الحذف إشارة إلى أن المتكلم لا يقوى على إتمام الكلام لما فيه من الضعف أو لرغبة عن الحديث، فيوجز في كلامه ما أمكنه ذلك، ولعل من ذلك قوله تعالى على لسان أهل النار:{لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 43 - 44].
3 -
النهي عن الشيء بقوة بحيث تطلب منه ألا يحصل من الفعل شيء كقوله تعالى: {ولا تك في ضيق مما يمكرون} [النحل: 127].
قال تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 126 - 128].
وقال في سورة النمل: {وقال الذين كفروا أءذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون} [النمل: 67 - 70].
فقال في الأولى (ولا تك في ضيق) وفي الثانية (ولا تكن) وذلك إن السياق مختلف في السورتين، فالآيات الأولى نزلت حين مثل المشركون بالمسلمين يوم أحد " بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيراهم فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به فرآه مبقور البطن، فقال: أما والله أحلف به لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك، فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده"(1). وأوصاه بالصبر ثم نهاه أن يكون في ضيق من مكرهم فقال له: (ولا تك في ضيق مما يمكرون) أي لا يكن في صدرك أضيق مهما قل. وهو تطمين من الله لرسوله وتطييب له مناسب لضخامة الأمر وبالغ الحزن، أو هو من باب تخفيف الأمر وتهوينه على المخاطب، فخفف الفعل بالحذف إشارة إلى تخفيف الأمر وتهوينه على النفس.
(1) الكشاف 2/ 222، تفسير ابن كثير 2/ 592
أما الآيات الثانية فهي في سياق المحاجة في المعاد، وهو مما لا يحتاج إلى مثل هذا التصبير.
وقال في سورة هود: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [هود: 17].
وقال في السجدة: {ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدي لبني إسرائيل وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا} [السجدة: 23 - 24].
فقال في الأولى: (فلا تك في مرية) وقال في الثانية (فلا تكن) وأنت ترى أن السياق مختلف في الآيتين، فالأولى تثبت للرسول بقوة ونهيه عن الريب والمرية، فقد بدأ الكلام بقوله أنه كان على بينه من ربه، ثم يتلوه شاهد منه، ثم قبله كتاب موسى وختمه بقوله: أنه الحق من ربك فناسب ذلك أن يقال (فلا تك في مرية منه) بخلاف الآية الأخرى فإنها ليس فيها مثل هذه الدواعي كما هو ظاهر.
4 -
وقد يكون الحذف للوغول في نفي حصول الشيء فإنك تحذف للتنبيه على أن فعل الوجود لم يتم فكيف بالشيء نفسه؟ وذلك نحو قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين} [النحل: 120]، أي البتة. وقوله:{أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} [مريم: 67]، وقد تقول: ألم يرد قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} [الإنسان: 1]، فلم يحذف، فما الفرق بين الموضعين
ولو رجعت إلى السياق لتبين لك الفرق واضحًا بين المقامين، فالآية الأولى في مقام التذكير بقدرة الله تعالى قال تعالى:{ويقول الإنسان أءذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} [مريم: 66 - 67].
فالإنسان يعجب من الأحياء بعد الموت فيذكره ربه بقدرته وأنه خلقه من قبل، ولم يك شيئا، فالنشأة الأولى أصعب في حساب العقل، فناسب ذلك حذف النون فحذفها تنبيها على مقدار قدرة الخالق، وكيف أنشأ الإنسان من العدم، وليس المقام كذلك في سورة الإنسان.
ومن هذا الباب قوله تعالى: {ولم أك بغيا} [مريم: 20] فهذا أبعد في نفي البغي من (لم أكن)، أي أن هذا لم يكن أصلا وليس له وجود فحذف الآخر يوحي، بأن فعل الوجود لم يتم فكيف بالشيء نفسه؟ وقد يكون الحذف ههنا للإسراع، إضافة إلى ذلك، فهذا القول على لسان مريم للملك الذي تمثل لها بشرًا سويا، فهي لا تريد أن تتبسط في الكلام مع رجل غرب في خلوة كهذه، وهو المناسب لمقام الحياء ههنا، وهذا الحذف يؤدي الغرضين معًا. ونحوه قوله تعالى:{لم يك من المصلين ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 43 - 44]، أي البتة لا في قليل ولا في كثير فحذف آخر الفعل تنبيها على ذلك، وقد يكون الحذف ههنا أيضا للعزوف عن الحديث أو لأن المتكلم لا يقوى على الكلام لما فيه من الضعف والإرهاق.
5 -
قد يكون الحذف للتنبيه على مبدأ الشيء وحقارته - كما جاء في (البرهان) - وأنه في طور التكوين لم يكتمل بعد كما أن الفعل لم يكتمل قال تعالى: {ألم يك نطفة من مني يمنى} [القيامة: 37].
ومن هذا الباب قوله تعالى: {يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} [لقمان: 16]، فمرة جاء بالفعل بلا نون ومرة جاء بالنون وقد يبدو أن كلا الأمرين واحد، والحقيقة ليست كذلك فقد قال (إنها إن تك مثقال حبة من خردل) ولم يعين مكانها ثم عين مكانها فيما بعد، فقال (فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض)، فالأولى أبعد في الوجود أي هباءة تائهة لا مكان لها فحذف النون.
إلى غير ذلك من الأغراض.