الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يقال (لا في الدار رجل) بالفتح فـ (ما) أوسع استعمالا في هذه الناحية وذلك لأن (لا) تركبت مع منفيها فأصبحتا كالكلمة الواحدة، ولذلك لا يصح الفصل بينهما، فإن فصلت بينهما وجب أهمالها وتكرارها، وتخلف التنصيص على الجنس، وذلك كقوله تعالى:{لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} [الصافات: 47].
وقد تقول: أليس قوله تعالى (لا فيها غول) نصًا في نفي الجنس؟
والجواب أن نفي الجنس ههنا متعين، لأن المقام يدل عليه، ولكن يصح أن يراد في تعبير آخر مثله نفي الواحد، ونفي الجنس، كأن تقول (لا فيها رجل ولا امرأة) بخلاف ما لو جاء بعدها مفتوحًا أو منصوبًا، فإنه لا يصح إرادة الواحد البتة، وفي غير القرآن يمكن أن يراد بالتعبير (لا فيها غول) نفي الجنس والوحدة، ولكن هنا دل المقام على أن ذلك لنفي الجنس.
وانت إذا أردت نفي الغول الواحد تعين أن تقول ذلك بالرفع.
إن المقصود بقولنا أن (لا) الناصبة تنفي الجنس، إنها لا تحتمل الوحدة البتة، وأما المشبهة بليس فإنها قد تنفي الجنس وقد يتعين في بعض التعبيرات ذلك، إذا كان المقام يقتضيه، ولكن يصح أن يراد في التعبير نفسه نفي الوحدة في مقام آخر.
تقديم خبرها على اسمها:
ذكرنا إنه لا يصح أن يتقدم خبر (لا) على اسمها مع بقائها نصا، في نفي الجنس، فلا تقول:(لا في الصف طالب) وإنما تقول إذا أردت التنصيص على الجنس مع التقديم (ما في الصف من طالب).
فإن قدمت خبر (لا) على اسمها وب الاهمال والتكرار كقولك (لا في الصف طالب ولا طالبة) ثم إن المعنى يختلف.
فإنك تقول مثلا (لا عاصم لك) والمعنى نفي العاصم له مطلقا من دون أن تتعرض لغيره فإن قدمت الخبر وقلت (لا لك عاصم ولا ملجأ) كان المعنى نفي العاصم له
وإثباته لغيره، أي ليس لك عاصم وإنما هو لغيرك، جاء في (الكشاف) في قوله تعالى:{لا ريب فيه} : " فإن قلت: فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في قوله (لا فيها غول)؟ قلت: لأن القصد في إيلاء الريب حرف النفي نفي الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق، لا باطل وكذب كما كان المشركون يدعونه، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد وهو أن كتابًا آخر فيه الريب لا فيه كما قصد في قوله (لا فيها غول) تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا، بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي كأنه قيل: ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة"(1).
وجاء في (البرهان): " إذا قلنا: (لا عيب في الدار) كان معناه نفي العيب في الدار، وإذا قلنا (لا في الدار عيب) كان معناه أنها تفضل على غيرها بعدم العيب"(2).
وتقول: (لا ضعف فيك) والمعنى أنك نفيت عنه الضعف ولم تثبته لغيره. فإن قلت: (لا فيك ضعف ولا خور) كان المعنى أنك نفيت عنه الضعف، وأثبته لشخص آخر معرضا بذلك الشخص.
فإن أردت التنصيص على الجنس مع التقديم جئت بما ومن كقوله تعالى {يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم} [غافر: 33]، فإنه نفي العاصم لهم وأثبته لغيرهم ممن آمن بالرسل، قال تعالى:{استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله مالكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير} [الشورى: 47]، فأنت ترى أنه نفي أولاً بـ (لا) نفيا عامًا (لا مرد له من الله)، ثم قدم الخبر، ونفي بما (مالكم من ملجأ يومئذ ومالكم من نكير) وذلك أنه أراد نفي الملجأ لهم وإثباته لغيرهم، أي ليس لكم الملجأ وإنما لغيركم فقدم الجار والمجرور للتخصيص، وذلك كما تقول:(ما مررت بمحمد) و (ما محمد مررت) فأنت في الأولى نفيت المرور بمحمد، ولم تثبته لغيره، وفي الثانية نفيت المرور بمحمد وأثبته لغيره أي أنني لم أمر بمحمد ولكني مررت بغيره ولا يقال ذلك بـ (لا) مع إرادة التنصيص على الجنس.
(1) الكشاف 1/ 87 - 88
(2)
البرهان 3/ 237