الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن القيم: "ولقائل أن يقول: التخلص إنما يكون باللام المجردة، وإما إذا اقترن بالفعل قرينة تخلصه للاستقبال لم تكن للحال وهذا كسوف كما في قوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى: 5]، فلولا هذه القرائن لتخلص للحال"(1).
والذي يبدو لي أنها على الحال كثيرا، وقد تخرج إلى غيره بدلالة القرائن وذلك نحو قوله تعالى {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة} [النحل: 124]، وفي غير المضارع قوله:{وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} [الكهف: 8].
وجاء في (الكتاب): " وقد يستقيم في الكلام (إن زيدا ليضرب وليذهب) ولم يقع ضرب والأكثر على ألسنتهم كما خبرتك في اليمين، فمن ثم ألزموا النون في اليمين لئلا يلتبس بما هو واقع قال الله عز وجل إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة"(2).
إن واللام:
وقد يقول قائل أن كلا من إن واللام يفيد التوكيد فهل ثمة فرق بينهما؟
وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن النحاة اختلفوا في ذلك فقد ذهب بعض النحاة أنه لا فرق بينهما في المعنى، قال الرضي:" وكان حقها - أي اللام - أن تدخل في أول الكلام ولكن لما كان معناها هو معنى (إن) سواء، أعني التأكيد والتحقيق، وكلاهما حرف ابتداء كرهوا اجتماعهما فأخروا اللام وصدروا (إن) لكونها عاملة"(3).
وقال الكسائي: إنْ اللام لتوكيد الخبر، وإنّ لتوكيد الاسم (4) والبصريون على إنها لتوكيد الجملة بأسرها (5).
(1) بدائع الفوائد 4/ 192
(2)
سيبويه 1/ 456
(3)
الرضي على الكافية 2/ 393
(4)
الهمع 1/ 140، البرهان 2/ 409، الاتقان 2/ 65، معترك الاقران 1/ 336 - 337
(5)
الهمع 1/ 140، وانظر ابن يعيش 9/ 25، المغني 1/ 328
ولست أدري أيعني الكسائي أن هذا الفرق إنما يكون عند اجتماعهما، أو يكون ذلك مطلقا؟ كما لست أدري من أين له هذا الفرق واللام قد تدخل على المبتدأ نحو (لمحمد حاضر) وعلى اسم إن وخبرها نحو {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأعراف: 167]، و {إن لنا لأجرا} [الأعراف: 113]، فمن أين له أن اللام تؤكد الخبر بخلاف إن؟
وذهب بعض النحاة إلى أن التأكيد بـ (إن) أقوى من التأكيد باللام (1)، والظاهر أن بينهما خلافا في الاستعمال، ولا يصح أن نبدل أحداهما بالأخرى على وجه الدوام.
1 -
فقد ذكرنا إنّ (إنّ) قد تأتي لربط الكلام بعضه ببعض، ولا يحسن الكلام بدونها وذلك كقوله تعالى:{فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 109]، وقوله:{فانتظروا إني معكم من المنتظرين} [الأعراف: 71]، وقوله {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها} [الكهف: 29]، فلا يحسن في مثل هذه المواطن حذف إن، كما لا يحسن إبدال اللام بها إذ لا يسد اللام مسد إن في مثل هذه المواطن.
2 -
وقد ذكرنا أيضا إن (إن) تفيد التعليل كما في قوله تعالى: {وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم} [التوبة: 103]، وقوله:{ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} [البقرة: 168]، وقوله:{ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32].
ولا يحسن في مثل هذه المواطن إبدال اللام بها.
3 -
إن (إن) مختصة بتوكيد الجمل الإسمية، ولا تدخل على الأفعال بخلاف اللام فإنها تدخل على الجمل الإسمية، والفعلية، كقولك (ليقوم زيد) و {ولنعم دار المتقين} [النحل: 30].
(1) البرهان 2/ 405، الاتقان 1/ 156، الأشباه والنظائر 2/ 65
4 -
الذي يبدو لي أن الأصل في اللام، أن يؤتي بها في مواطن الرد والإنكار وفي مواطن الجواب، أو ما ينزل منزلة ذلك، كقوله تعالى على لسان أخوة يوسف {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين} [يوسف: 8]، منكرين على أبيهم هذا الأمر، بخلاف (إن) فإنها لعموم التوكيد. فإنك تأتي باللام إذا كنت رادا على المخاطب كلامه أو تصوره، أو منكرًا عليه وذلك كأن يقول قائل:(رأيت سعيدا أكرم الخلق) فيرد عليه آخر قائلا: (لمحمد أكرم منه). ويقول قائل: (إن خالدا سيهين إبراهيم) فتقول: (لإبراهيم أعز من ذلك) قال تعالى: {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة: 107]، فهذا رد شهادة الشاهدين الأولين.
وقال: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45]، فأنت ترى إنه علل ذلك بقوله (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) ثم رد على من يتصور أن هذا هو كل المقصود بقوله (ولذكر الله أكبر).
ونحو ذلك قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} [البقرة: 221]، فإنه بعد أن نهى عن نكاح المشركات، قد يظن ظان أن جمال المرأة وما إلى ذلك مما يعجب الرجال سوى الإيمان، داع إلى تفضيلها فرد ذلك بقوله (ولأمة مؤمنة .. ) وكذلك بعد أن نهى عن أنكاح المشركين، قد يظن أن سمت الرجل ومكانته وغير ذلك مما هو مرغوب فيه سوى الإيمان، مما يدعو إلى تفضيله فرد هذا الظن بقوله:{ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} .
والذي يدل على ذلك ويوضح الفرق بينهما أن كل ما ورد في القرآن الكريم من مبتدأ دخلت عليه لام الابتداء، أو القسم مما كان خبره مفردا، أعني ليس جملة، جيء بخبره اسم تفضيل ولم يرد غير ذلك وقد ورد ذلك في (23)، ثلاثة وعشرين موطنا قال تعالى:{ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} [البقرة: 221].
ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم. [البقرة: 221].
{فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهاتهما} [المائدة: 107]، {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157].
{وللدار الأخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} [الأنعام: 32].
{لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} [التوبة: 108].
{لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57].
{لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} [الحشر: 13].
{ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45]، إلى غير ذلك من المواطن.
ووجه الاستدلال في هذا أننا نرى فرقا بين قولنا (محمد كريم) و (محمد أكرم ممن ذكرت) فإن العبارة الثانية إنما هي رد للأولى، وجواب عليها بخلاف (إن) التي قد تخرج عن هذا الأصل ولذلك جاء خبرها في القرآن عامًا قال تعالى:{إن الله واسع عليم} [البقرة: 115]، وقال:{إنه لكم عدو مبين} [البقرة: 168].
ولسنا نعني بقولنا هذا أن اللام لا تجاب، إلا باسم التفضيل كما لا نعنى أن (إن) لا تكون للجواب والرد ولكنا نقول: أن الأصل في اللام أن تكون للرد والإنكار وما ورد من الشواهد القرآنية الكثيرة يؤيد ذلك بخلاف (أن) فإنها قد تكون لمجرد التوكيد. جاء في (البرهان): "قال - يعني عبد القاهر الجرجاني -: " وأكثر مواقع (إن) بحكم الاستقراء هو الجواب، لكن بشرط أن يكون للسائل فيه ظن بخلاف ما أنت تجيبه به، فأما أن تجعل مرد الجواب أصلا فيها، فلا لأنه يؤدي إلى قولك:(صالح) في جواب: كيف زيد؟ حتى تقول: أنه صالح ولا قائل به".
بخلاف اللام فإنه لا يلحظ فيها غير أصل الجواب" (1).
(1) البرهان 2/ 405 - 406، وانظر دلائل الإعجاز 251