الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال تعالى: {وإذا الرسل اقتت} [المرسلات: 11]، وقال:{قالت الأعراب أمنا} [الحجرات: 14]، فتاء التأنيث تستعمل للمفرد والمثني والجمع بنوعيه المذكر والمؤنث في حين لا تستعمل نون النسوة إلا الجماعة الاناث.
ولو كانت النون جمعا لتاء التأنيث، لجمعنا قولنا (حضرت الأم) بقولنا (حضرت الامهات) وهذا باطل غير صحيح.
فدل ذلك على رجحان رأي النحاة في هذا القول والله أعلم.
ضمير الفصل
ضمير الفصل يقع بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله مبتدأ وخبر، واشترط الجمهور أن يكون الأول معرفة، وأما الثاني فمعرفة، أو كالمعرفة، في إنه لا يقبل (أل) نحو (زيد هو المنطلق) وقوله:{وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا} [المزمل: 20]. (1)
ولو جوده في الكلام أغراض وفوائد أهمها:
1 -
الإعلام بأن ما بعده خبر لا تابع: قال ابن هشام: " ولهذا سمي فصلا لأنه فصل بين الخبر والتابع، وعمادا لأنه يعتمد عليه معنى الكلام وأكثر النحويين يقتصر على هذه الفائدة"(2) وقال سيبويه في (باب ما يكون فيه هو، وأنت، وأنا، ونحن، وإخواتهن فصلا): " اعلم إنهن لا يكن فصلا، إلا في الفعل، ولا تكون كذلك إلا في كل فعل الاسم بعده بمنزلته، في حال الابتداء، واحتياجه إلى ما بعده كاحتياجه إليه في الابتداء، فجاز هذا في هذه الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء، واعلاما بأنه فصل
(1) مغني اللبيب 2/ 494 - 495، وانظر كتاب سيبويه 1/ 355
(2)
المغني 2/ 496، وانظر التفسير الكبير للرازي 2/ 34، المفصل 2/ 26، الكشاف 1/ 112، الاتقان 1/ 188
الاسم، وإنه فيما ينتظر المحدث عنه، ويتوقعه منه، مما لابد له من أن يذكره للمحدث، لأنك إذا ابتدأت فقد وجب عليك مذكور بعد المبتدأ لابد منه وإلا فسد الكلام ولم يسغ لك، فكأنه ذكر (هو) ليستدل المحدث أن ما بعد الاسم ما يخرجه مما وجب عليه، وأن ما بعد الاسم ليس منه، هذا تفسير الخليل". (1)
وهذا القول كسابقه أي الاعلام بأن ما بعده خبر لا تابع، فضمير الفصل قد يفيد أن ما يعده خبر لا تابع، ولولا هو لاحتمل أن يكون تابعًا، وأن يكون خبرًا، ومن ذلك قوله تعالى:{إن هذا لهو القصص الحق} [آل عمران: 62]، فوجود الضمير عين أن يكون (القصص) هو الخبر، ولولا الضمير لاحتمل أن يكون (الحق) هو الخبر، والقصص بدلا منه، فيكون المعنى: إن هذا القصص هو الحق، ولا تظنن أن (إن) هي التي عينت الخبر برفعه، فذلك صحيح في هذه الجملة ولكن لو حذفنا (أن) ماتعين الخبر إلا بالضمير.
ومن ذلك قوله تعالى: {ذلك هو الضلال البعيد} [الحج: 12] فوجود الضمير عين أن يكون (الضلال) هو الخبر، ولولا (هو) لاحتمل أن يكون البعيد هو الخبر، والضلال تابعًا، فيكون المعنى: ذلك هو الضلال هو البعيد. ونحوه قوله {ذلك هو الخسران المبين} [الحج: 11] ومنه {ذلك هو الفضل الكبير} [فاطر: 32]، وقوله:{إن هذا لهو البلاء المبين} [الصافات: 106]، وقوله:{وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111]، ويحتمل أن يكون منه قوله:{والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254]، فلو حذف لاحتمل أن يكون (الظالمون) نعتا، والخبر محذوفا.
2 -
الاختصاص والقصر: قد يأتي ضمير الفصل للدلالة على القصر، وإذا ذهب ذهب معنى القصر، جاء في (الإيضاح): " وأما توسط الفصل بينه وبين المسند إليه فلتخصصه به كقولك: زيد هو المنطلق، أو هو أفضل من عمرو، أو هو خير منه، أو هو يذهب (2).
(1) سيبويه 1/ 394
(2)
الإيضاح 1/ 25، وانظر المغني 2/ 496، شرح المختصر على تلخيص المفتاح 41، حاشية الجرجاني على الكشاف 1/ 112 =
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5].
" و (هم) فصل وفائدته الدلالة على أن الوارد بعده خبر، لا صفةـ، والتوكيد، وإيجاب إن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره (1) " أي للقصر، وجاء في (معترك الأقران في إعجاز القرآن):" وممن ذكر أنه للحصر، البيانيون في بحث المسند إليه، واستدل له السهيلي بأنه أتي به في كل موضع إدعى فيه نسبة ذلك المعنى إلى غير الله، ولم يؤت به حيث لم يدع وذلك في قوله: {وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا، وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى. من نطفة إذا تمنى، وأن عليه النشأة الأخرى، وأنه هو أغنى وأقنى، وأنه هو رب الشعرى، وأنه أهلك عادا الأولى} [النجم: 43 - 50]، (2) فلم يؤت به في {وأنه خلق الزوجين} [النجم: 45]، {وأن عليه النشأة الأخرى} [النجم: 47]، {وأنه أهلك عادا الأولى} [النجم: 50]، لأن ذلك لم يدع لغير الله، وأتى به في الباقي لادعائه لغيره"(3).
وجاء في (التفسير الكبير) في إفادة ضمير الفصل الحصر " لو قلت: الإنسان ضاحك فهذا لا يفيد ان الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان أما لو قلت: الإنسان هو الضاحك فهذا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان". (4)
وأرى أن هذا ليس دليلا، فقد يقال أن التخصيص جاء من التعريف، لا من ضمير الفصل وإنما جاء الضمير لتوكيد التخصيص الموجود.
ومن دلالته على القصر بنفسه قوله تعالى: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار} [آل عمران: 10]، فضمير الفصل هنا يفيد قصرًا حقيقيًا، فالقول:{وأولئك هم وقود النار} قد يفيد مجرد الأخبار كما تقول (هذا صديقك) ووضع ضمير الفصل عين القصر الذي كان محتملا قبل دخوله.
(1) الكشاف 1/ 112
(2)
ويلاحظ أن هذا ليس من ضمائر الفصل عند الجمهور وإنما هو توكيد أو مبتدأ
(3)
معترك الاقران 1/ 186
(4)
التفسير الكبير 2/ 34
ومنه قوله تعالى {والذين كفروا بآيتنا هم أصحاب المشئمة} [البلد: 19]، فقد أفاد الضمير القصر ولو حذف لكان القصر محتملا.
وإذا أخذنا بالرأي القائل أن ضمير الفصل قد يقع بين المبتدأ وخبره الفعلي (1)، كان منه قوله تعالى {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده. ويأخذ بالصدقات} [التوبة: 104] فالضمير (هو) أفاد معنى القصر، ولو حذف لكان القصر محتملا لا معينا، فإن قلت (أن الله يقبل التوبة) كان أخبارا بأن الله يقبل التوبة دون إفادة القصر.
ونحوه قوله: {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة} [السجدة: 25]، وقوله {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10]، وقوله {إنه هو يبديء ويعيد} [البروج: 13]، ونحوها فوجد الضمير ها هنا أفاد معنى القصر ولو حذف لكان محتملا.
3 -
التوكيد: ولهذا سماه بعض الكوفيين دعامة، لأنه يدعم به الكلام، أي يقوي ويؤكد (2)، جاء في (الكشاف) في قوله تعالى {وأولئك هـ المفلحون} [البقرة: 5].
(وهم) فصل وفائدته الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره. (3)
قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم} [التوبة: 100].
وقال: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم} . [التوبة: 72].
(1) هو رأي الجرجاني وجماعة - المغني 2/ 494 - 495، وفيه: وقد يستدل لقول الجرجاني بقوله تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي) فعطف (يهدي) على (الحق) الواقع خبرًا بعد الفصل أهـ.
(2)
المغني 2/ 496
(3)
الكشاف 1/ 112
فانظر إلى الفرق بين الآيتين، فقد جاء بإحداهما بضمير الفصل دون الأخرى، وذلك أنه لما عدل عن قوله (رضي الله عنهم ورضوا عنه) إلى قوله (ورضوان من الله أكبر) فجاء بالجملة الإسمية الدالة على الثبوت، والتي هي أقوى من الفعلية ثم أخبر بأن رضوان الله أكبر من الجنات. وملذاتها، ناسب عظم ذلك المجيء بضمير الفصل فقال (ذلك هو الفوز العظيم).
وقال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير} [البقرة: 120]
فأنت ترى أنه في الآيتين الأوليين قدم (هدى الله) وجاء بضمير الفصل، وفي الثالثة قدم (الهدى). ولم يأت بضمير الفصل.
ولعل السبب أن الآيتين الأوليين في الأديان، فالآية الأولى في اليهودية والنصرانية والثانية في الشرك فناسب الرد بتقديم (هدي الله) وهو (الإسلام) هنا فكأنه قال لهم: أن هدي الله، أي الإسلام، هو الهدى الكامل، الصحيح التام لهدايتكم، وما أنتم عليه، فناسب تقديمه، وحصر الهداية عليه، والمجيء بضمير الفصل توكيدا لهذا المعنى، وناسب هذا التوكيد والقصر زيادة (من) في الآية الأولى، وزيادة اللام في (لنسلم) في الثانية لتوكيد هذا المعنى. جاء في الكشاف في تفسير آية البقرة: يعني أن هدي الله الذي هو الإسلام، هو الهدى بالحق والذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله
ليس وراءه هدى، وما تدعون إلى أتباعه ما هو بهدى، إنما هو هوى ألا ترى إلى قوله تعالى:{ولئن أتبعت أهواءهم} أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع" (1).
أما الآية الثالثة فهي ليست في الموازنة بين أهل الأديان، وإنما هي رد على تصرف سيء ومكر، إذ قالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بما أنزل على محمد وجه النهار واكفروا آخره، وقولوا نحن آمنا به ظنا بأنه حق، ولكن استبان لنا أنه باطل، فرجعنا عنه إلى ديننا الذي هو الحق لعلهم يرجعون عن دينهم، فنزلت الآية ردا على مكرهم وكيدهم وإدعائهم الهدى، فقال تعالى:{قل إن الهدى هدى الله} أي أن الهدى أن يهديكم الله إلى الدين الصحيح، وإلى الحق وليس الهدى أن تعلموا مثل هذا المكر والتبييت، الهدى أن يشرح الله صدوركم لقبول الحق، ويفتح قلوبكم للخير، وليس الهدى ما تبيتون وما تنوون، فناسب هذا أن يقول:{قل إن الهدى هدى الله} وهو رد على تصرفهم وزعمهم، وتبيان للهدى الصحيح جاء في (الكشاف) في هذه الآية:
" معناه أن الهدى هدي الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدك وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين (2).
وقال تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير} [الحج: 62].
وقال: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير} [لقمان: 30].
فأنت تلاحظ تشابه الآيتين إلا في وجود ضمير الفصل في آية الحج (وهو الباطل) وخلوها منه في آية لقمان (الباطل)، وسياق الآيتين يوضح ذلك، فآية الحج واقعة في سياق الصراع بعد ذكر الأمم السالفة وتكذيبهم لرسلهم بقوله تعالى: {والذين سعوا في
(1) الكشاف 1/ 236، وانظر الكشاف 1/ 512
(2)
الكشاف 1/ 329
آيتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم} [الحج: 51]، فهنا سعي لإطفاء نور الله، وقتل كلمة الحق، ثم يسترسل إلى أن يقول:{والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين} [الحج: 58]، وهذا من نتائج الصراع، الهجرة من الأرض إلى أرض أخرى، والقتل والموت إلى أن ينتهي إلى الآية.
فهنا أنصار الباطل ساعون لإطفاء نور الله معاجزون معاندون، ولا تجد مثل هذا في سورة لقمان، وإنما هو عرض لأصحاب الباطل من وجه آخر، ليس فيه هذا الصراع قال تعالى:{وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعون إلى عذاب السعير} [لقمان: 21]{ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ولين سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [لقمان: 23 - 25].
فأنت ترى أن السياق مع أهل الباطل هنا يختلف، فهم في الصورة الأولى ساعون معاجزون معاندون مصارعون نتيجته هجرة المؤمنين، أو قتلهم، أو موتهم، فاحتاج الأمر إلى توكيد أن ما هم عليه هو الباطل لزيادة تثبيت المؤمنين. وفي الآية الثانية جدال ليس فيه صدام فلما كان الموقف مختلفا، اختلف التوكيد في الآيتين حسب ما اقتضاه السياق.
وقال تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} [التوبة: 40].
فانظر كيف قال سبحانه {جعل كلمة الذين كفروا السفلى} ثم استأنف كلاما جديدا فقال {وكلمة الله هي العليا} فجاء بضمير الفصل مع الاستئناف، ولم يعطفها على كلمة الكفر، أي أن كلمة الله هي العليا بدون جعل جاعل، شأنها الارتفاع والعلو، وهي المرتفعة دوما بذاتها.
وهو - أي ضمير الفصل - يفيد توكيد معاني القصر المتعددة التي يدخل عليها فهو يفيد:
أ - توكيد القصر الحقيقي: فقد يكون الكلام دالا على القصر من دون ضمير الفصل فيأتي ضمير الفصل مؤكدا هذا المعنى قال تعالى: {إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 37]، فلو حذف الضمير لبقي معنى القصر، ولكنه جاء بالضمير توكيدا لهذا المعني، ومن ذلك قوله تعالى:{الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} [البقرة: 121]، وقوله:{ومن يتول الله ورسوله والذين أمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة: 56]، وقوله:{فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} [المائدة: 117]، وقوله:{إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} [النحل: 125] وقوله: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} [المؤمنون: 102]، {إن ربك هو القوي العزيز} [هود: 66].
ب - توكيد القصر الذي على جهة المبالغة: وذلك كأن تقول: زيد الشاعر فتقصر الشعر عليه مبالغة، كأن ما عداه ليس بشاعر، ثم تؤكد هذا المعنى فتقول:(زيد هو الشاعر) ـ، قال تعالى في المنافقين:{ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12]، وقال فيهم أيضا:{إلا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} ، [البقرة: 13]، ومن المعلوم أن هناك مفسدين آخرين، وهناك سفهاء آخرين، قال تعالى:{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} [النساء: 5]، ولكنه قصر الأفساد والسفه عليهم مبالغة على معنى أنهم أولى من يسمى هذا الاسم، أو على أنهم كاملون في هاتين الصفتين.
وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، هذا القصر على جهة المبالغة قال تعالى:{إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} [النساء: 150 - 151]، فقصر الكفر على الأولين مبالغة.
وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45]، وهذا القصر على جهة المبالغة أيضا كقوله تعالى:{ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} [الممتحنة: 9]، وقوله:{يا أيها الذين أمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خير منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} [الحجرات: 11]، وقال تعالى:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] وقال: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال اقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فأشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} [آل عمران: 81 - 82]، وقال:{إن المنافقين هم الفاسقون} [التوبة: 67].
وقال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا، وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4].
ولا يمكن أن يكون هذا كله قصرا حقيقيا: فهو قصر على جهة المبالغة أو على معنى الكمال في الصفة.
ج - توكيد معنى المقايسة: وذلك كقولك الشاعر هو البحتري، لم ترد أن تقصر الشعر عليه، ولكن كأنك قلت هل سمعت بالشاعر وخبرت معرفته؟ فإن كنت قد عرفته حقا فهو البحتري، وتؤكد هذا المعنى فتقول: الاشعر هو البحتري قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك
هم المهتدون} [البقرة: 155 - 157]، فكأنه قال: هل سمعت بالمهتدين وخبرت حقيقتهم؟ أنهم هؤلاء.
ونحوه قوله تعالى: {إنما يفتري الكذب الذي لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} [النحل: 105]، فالكاذبون كثيرون، ولكن هؤلاء أولى من يسمى بهذا الاسم فكأنه يقول: هل عرفت حقيقتهم؟ فهم هؤلاء.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5]، ومعنى التعريف في (المفلحون) الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة، كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو؟ فقيل: التائب أي والذي أخبرت بتوبته.
أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين، وتحققوا ما هم، وتصوروا بصورتهم الحقيقية فهم لا يعدون تلك الحقيقة كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الأقدام؟ إن زيدا هو هو. (1)
د - توكيد معنى الكمال: جاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى: {إنك أنت السميع العليم} [آل عمران: 35]، " فإن قيل: قوله: {إنك أنت السميع العليم} يفيد الحصر وليس الأمر، كذلك فإن غيره قد يكون سميعا قلنا: إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة، كأنه هو المختص بها دون غيره. (2)
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى {وأولئك هم الكاذبون} [النحل: 105]، أي أولئك هم الكاذبون على الحقيقة، الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو أولئك هم الذين عادتهم الكذب، لا يبالون به في كل شيء، لا تحجبهم عنه مروءة ولا دين. (3)
وهذا النوع في الحقيقة من باب القصر الادعائي.
(1) الكشاف 1/ 112 - 114
(2)
التفسير الكبير 4/ 65
(3)
الكشاف 2/ 218