الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في نحو قولك (سعيد حاضر لكن أخاه غائب) و (الشمس مشرقة لكن الجو بارد) وهي كذلك في كل ما خالف ما بعدها حكم ما قبلها.
أما إذا لم يخالف ما بعد حكم، حكم ما قبلها فتكون للتوكيد نحو (ما زيد نائم لكنه مستيقظ) وكذلك نحو (لو جاءني علي لأكرمته، لكنه لم يجيء).
واختلف في كونها مركبة أو مفردة، فهي عند البصريين مفردة غير مركبة، وقال الكوفيون: هي مركبة من لا وإن المكسورة، والكاف الزائدة بينهما لا للتشبيه، وحذفت الهمزة تخفيفا بعد نقل حركتها إلى الكاف، وأصلها لا
كان
(1).
وقال برجشتراسر إن "لكن مركبة من لا وكن المقابلة لـ ken العبرية و ken" الآرمية التي معناها هكذا معني (لاكن) ليس كذا" (2).
وهذا الكلام في لكن الساكنة كما هو واضح فإذا كانت (لكنْ) مركبة فلكن مثلها ولا تختلف عنها إلا بتثقيل النون وهما بمعنى واحد.
كأن:
للتشبيه وهي مؤلفة على رأي النحويين من كاف التشبيه، وأن قال سيبويه:" سألت الخليل عن (كأن) فزعم أنها (أن) لحقتها الكاف للتشبيه ولكنها صارت مع (أن) بمنزلة كلمة واحدة وهي نحو كأي رجلا ونحو له كذا وكذا درهما"(3).
وقال ابن يعيش: "وأما كأن فحرف معناه التشبيه، وهو مركب من كاف التشبيه وأن، فأصل قولك:(كأن زيدًا الأسد) أن زيدًا كالأسد، فالكاف هنا تشبيه صريح، وهي في موضع الخبر تتعلق بمحذوف تقديره، أن زيدًا كائن كالأسد، ثم أرداوا الاهتمام بالتشبيه
(1) التصريح 1/ 212، حاشية يس 1/ 212، الرضي على الكافية 2/ 399، الهمع 1/ 133
(2)
التطور النحوي 119
(3)
سيبويه 1/ 474، وانظر ابن الناظم 65، الصبان 1/ 270، الأشموني 1/ 271 - 272، المغني 1/ 191
الذي عقدوا عليه الجملة فأزلوا الكاف من وسط الجملة وقدموها إلى أولها لأفراط عنايتهم بالتشبيه، فلما أدخلوها على أن وجب فتحها لأن المكسورة لا تقع عليها حروف الجر ولا تكون إلا أولا، وبقي معنى التشبيه الذي كان فيها متأخرة فصار اللفظ: كأن زيدًا أسد إلا أن الكاف لا تتعلق الآن بفعل، ولا معنى فعل، لأنها أزيلت عن الموضع الذي كان يمكن أن تتعلق فيه بمحذوف، وقدمت إلى أول الجملة، فزال ما كان لها من التعلق بخبر أن المحذوف ..
فإن قيل: فما الفرق بين الأصل والفرع في كأن؟
قيل: التشبيه في الفرع أقعد منه في الأصل، وذلك إذا قلت: زيد كالأسد بنيت كلامك على اليقين ثم طرأ التشبيه بعد فسرى من الآخر إلى الأول وليس كذلك في الفرع الذي هو قولك (كأن زيدا أسد) لأنك بنيت كلامك من أوله على التشبيه" (1).
وجاء في (التصريح): "وهو للتشبيه المؤكد بفتح الكاف .. نحو كأن زيدًا أسد، أو حمار مما الخبر فيه أرفع من الاسم أو أخفض منه، ففيه تشبيه مؤكد بكأن، لأنه مركب من الكاف المفيدة للتشبيه وأن المفيدة للتوكيد والأصل: إن زيدًا كالأسد، أو كالحمار فقدمت الكاف على (أن) ليدل أول الكلام على التشبيه من أول وهلة، وفتحت همزة أن وصاروا كلمة واحدة ولهذا لا تتعلق الكاف بشيء"(2).
والتشبيه بكأن أبلغ من التشبيه بالكاف جاء في (دلائل الإعجاز):
"أن تقصد تشبيه الرجل بالأسد فتقول: (زيد كالأسد)، ثم تريد هذا المعنى بعينه فتقول: كأن زيدا الأسد، فتفيد تشبيهه أيضا بالأسد، إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادة لم تكن في الأول، وهي أن تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد ولا يقصر عنه، حين يتوهم أنه أسد في صورة آدمي"(3).
(1) ابن يعيش 8/ 91 - 92، وانظر الرضي على الكافية 2/ 398
(2)
التصريح 1/ 212، الاتقان 1/ 168
(3)
دلائل الإعجاز 199
وجاء في (البرهان): "وقال الإمام في نهاية الإيجاز: اشترك الكاف وكأن في الدلالة على التشبيه وكأن أبلغ. وبذلك جزم حازم في (منهج البلغاء) وقال: وهي إنما تستعمل حيث يقوي الشبه حتى يكاد الرائي يشك في أن المشبه هو المشبه به، أو غيره ولذلك قالت بلقيس: (كأنه هو) (1) ".
وربما كان أصل (كأن) ما ذكره النحاة ولكن التعبيرين أعني الأصل والفرع لا يزالان مستعملين. فنحن لا نزال نقول: (كأنه الأسد)، و (أنه كالأسد)، وهذا التعبيران غير متماثلين في الاستعمال ولا في المعنى. ومن أوجه الخلاف بينهما على سبيل المثال:
1 -
إن (كأن) يمكن أن تقع خبرا لأن فتقول (أنها كأنها البدر) و (أن محمدًا كأنه بحر) وليس هذا التعبير بمعنى: أنها أنها كالبدر ولا: أن محمدًا أنه كبحر.
فالفرع يختلف اختلافا بينا عن الأصل.
2 -
إن التشبيه بكأن يمكن أن يقع على الفعل نحو (كأنك تسعى إلى مأدبة) وكقوله تعالى: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} [الأحقاف: 35]. ومثل هذا التعبير لا يمكن أن يؤدي بإن والكاف فلا تقول:
إنك كتسعى إلى مأدبة: وكذلك الآية.
3 -
ومن أوجه الفرق بين التعبيرين إن المشبه به الداخلة عليه الكاف قلما يكون نكرة فلا يحسن أن يقال: أنه كأسد أو كبدر بل هو، أما أن يعرف أو يخصص فيقال: أنه كالبدر أو كبدر التمام أو كبدر مكتمل ونحو ذاك.
وأما خبر (كأن) فلا يقبح كونه نكرة تقول: كأنها قمر. قال النابغة:
كأنك شمس والملوك كواكب
…
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
4 -
تقع اللام في خبر (إن) مثل: (إنه لكالبحر) ولا تقع في خبر كأنّ.
(1) البرهان 2/ 407 408، الاتقان 1/ 168
5 -
هناك تعبيرات خاصة بكأن لا يصح استعمال إن والكاف فيها، نحو قولهم (كأنك بالشتاء مقبل) و (كأنك بالثلج وقد ذاب).
فأنت ترى إنه لا يصح استعمال أن والكاف في نحو هذا.
6 -
هناك تعبيرات تستعمل فيها (كأن) ولو استعملنا بدلها أن والكاف لتغير معنى الكلام أو لتقطعت أواصره، وذلك كقوله تعالى:{وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظله} [الأعراف: 171]، فأنت ترى إننا لو أعدنا هذا التعبير إلى الأصل الذي يدعيه النحاة وقلنا:(وإذ نتقنا الجبل فوقهم أنه كظله) لانفصل الكلام بعضه من بعض، ولتقطعت وشائجه بخلاف التعبير الأول إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف بينهما.
ويمكن أن يقال أن الفرع لا ينبغي أن يشابه الأصل في كل شيء.
وعند البصريين إن (كأن) لا تكون لغير التشبيه (1).
وقال الزجاج: "هي للتشبيه إذا كان خبرها جامدًا نحو (كأن زيدًا أسد) وللشك إذا كان صفة مشتقة نحو (كأنك قائم) لأن الخبر هو الاسم، والشيء لا يشبه بنفسه، والأولى أن يقال: هي للتشبيه أيضا والمعنى: كأنك شخص قائم حتى يتغاير الاسم والخبر حقيقة فيصح تشبيه أحدهما بالآخر إلا أنه لما حذف الموصوف وأقيم الوصف مقامه وجعل الاس بسبب التشبيه كأنه الخبر بعينه صار الضمير في الخبر يعود إلى الاسم لا إلى الموصوف المقدر فلهذا تقول: كأني أمشى وكأنك تمشي، والأصل، كأني رجل يمشي وكأنك رجل يمشي"(2).
وقيد البطليوسي: "كونها للتشبيه بما إذا كان خبرها اسما أرفع من اسمها أو أحط وليس صفة من صفاته نحو، كأن زيدًا ملك وكأن زيدًا حمار. فإن كان خبرها فعلا أو ظرفا أو جارا ومجرورا أو صفة من صفات اسمها كانت للظن نحو كأن زيدًا قام
(1) الهمع 1/ 133
(2)
الرضي على الكافية 2/ 283
أو عندك أو في الدار لأن زيدا نفس القائم ونفس المستقر والشيء لا يشبه بنفسه" (1).
والصواب أنها للتشبيه أيضا إما على تقدير محذوف كما ذكر الرضي وإما على تشبيه شيء في حالة بنفسه في حالة أخرى. جاء في (الهمع): "وزعم الكوفيون والزجاجي أنها إذا كان خبرها اسما جامدًا كانت للتشبيه نحو (كأن زيدا أسد)، وإذا كان مشتقا كانت للشك بمنزلة ظننت وتوهمت نحو (كأن زيدا قائم) لأن الشيء لا يشبه بنفسه، وأجيب بأن الشيء يشبه في حالة ما به في حالة أخرى، فكأنك شبهت زيدًا وهو غير قائم به قائما، أو التقدير كأن هيئة قائم، ووافق الكوفيون على ذلك ابن الطراوة وابن السيد"(2).
وأرى أن هذا أرجح مما ذهب إليه الرضي لعدم التقدير والتغيير فعندما تقول: كأنك تمشي فأنت شبهت المخاطب في حالة غير المشي به في حالة المشي، أي شبهت زيدًا وهو في حالة به في حالة أخرى.
وهي ليست في نحو ذلك للظن فهناك فرق بين الظن والتشبيه فإن الظان وقع في نفسه هذا الأمر وتصوره على ما ذكر والمشبه يعلم حقيقة الأمر، فعندما تقول (كأن زيدًا يمشى) أنت تعلم أنه لا يمشي وإنما هو مشبه لشخص يمشي، وأن حالته تشبه حالة شخص يمشي بخلاف قولك:(ظننت زيدًا يمشي) فإن المتكلم ظن ذلك واعتقده في قلبه وتصوره حقيقة وليس كذلك المشبه وإلا لم يقل: كأن.
وقيل هي للتقريب في نحو قولك: كأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل وكأنك بالليل قد أقبل، وكأنك بالفرج آت (3).
وأبو علي الفارسي يرى في مثله أن الكاف حرف خطاب، والباء زائدة في اسم كأن فيكون المعنى، كأن الدنيا لم تكن فيبقي كأن للتشبيه، وقال ابن عمرون: " المتصل بكأن
(1) الصبان 1/ 272، حاشية الخضري 1/ 128، التصريح 1/ 212، المغنى 1/ 192
(2)
الرضي على الكافية 2/ 383
(3)
الهمع 1/ 123، المغنى 1/ 192، حاشية الخضري 1/ 128 - 129
اسمها والظرف خبرها والجملة بعده حال بدليل قولهم: كأنك بالشمس وقد طلعت" (1).
قال الرضي: " والأولى أن تقول ببقاء كأن على معنى التشبيه وأن لا تحكم بزيادة شيء وتقول: التقدير كأنك تبصر بالدنيا أي تشاهدها من قوله تعالى: {فبصرت به عن جنب} [القصص: 11]، والجملة بعد المجرور بالباء حال أي كأنك تبصر الدنيا وتشاهدها غير كائنة، ألا ترى إلى قولهم: كأني بالليل وقد أقبل وكأني بزيد وهو ملك. والباء لا تدخل الجمل إلا إذا كانت أخبارًا لهذه الحروف"(2).
ورأي الرضي فيما أرى أرجح مما ذهب إليه أبو علي لأنك تقول: (كأني بك تقول الشعر)، وليس ههنا حرف خطاب، ويضعفه زيادة الاسم، وأرجح مما ذهب إليه ابن عمرون فإن المعنى بعيد على تقديره.
ولم أر رأيا مقبولا موافقا للمعنى في قولهم (كأنك بالشتاء مقبل) مما كان فيه الخبر اسما. والذي أراه في نحو ذلك أن الأصل " كأنك بالشتاء وهو مقبل " على تقدير: كأنك تبصر بالشتاء وهو مقبل، وجملة (هو مقبل) حالية فحذف منها المبتدأ وواو الحال، وبقي الخبر فصار على ما ذكر. وهو الموافق للمعنى.
ونظير هذا الحذف وأن لم يكن من هذا الباب قيل في قولهم (أنت أعلم ومالك) فإن أولى ما قيل فيه أن الأصل: (أنت أعلم بمالك فأنت ومالك) فحذف ما حذف، حتى صار كما ترى.
وقيل هي للتحقيق في نحو قوله:
فأصبح بطن مكة مقشعرًا
…
كأن الأرض ليس بها هشام
أي أن الأرض ليس بها هشام لأنه قد مات ورثاه بذلك.
(1) المغني 1/ 193، الرضي على الكافية 2/ 383
(2)
الرضي على الكافية 2/ 383
وخرجه ابن مالك على أن الكاف للتعليل كاللام أي لأن الأرض (1).
وجاء في (التصريح) أنها تفيد التشبيه "فإن الأرض ليس بها هشام حقيقة بل هو فيها مدفون"(2).
وذكر السيوطي أن هذا من باب تجاهل العارف كقوله:
أيا شجر الخابور مالك مورقًا
…
كأنك لم تجزع على ابن طريف (3)
وهو أرجح مما ذهبوا إليه وفيه أبقاء كأن على معناها.
قيل: وقد تكون للجحد قال الكسائي: "قد تكون كأن بمعنى الجحد كقولك:
(كأنك أميرنا فتأمرنا) معناه لست أميرنا، قال: وكأن أخرى بمعنى التمني كقولك (كأنك بي قد قلت الشعر فأجيده) معناه ليتني قد قلت الشعر فأجيده، ولذلك نصب فأجيده" (4).
والصواب أنها لا تكون للنفي بل هي على معناها فقوله: كأنك أميرنا فتأمرنا معناه أنت متشبه بالأمير فتفعل ذلك ومعنى النفي متأت من التشبيه، فأنت حين تشبه شيئًا بشيء تنفي أن يكون الأول الثاني والألم تشبهه به. فقولك:(كأنها بدر) معناه أنها ليست بدرًا وإنما هي شبيهة بالبدر.
وكذلك هي لا تكون للتمني وما ذكره الكسائي في قوله (كأنك بي قد قلت الشعر فأجيده) هو من باب ما خرجه الرضي، أي كأنك تبصر بي قد قلت الشعر.
وقيل تأتي بمعنى العلم نحو قولك (كأن الله يفعل ما يشاء)(5).
(1) الهمع 1/ 133، وانظر المغنى 1/ 192
(2)
التصريح 1/ 212
(3)
الهمع 1/ 133، وانظر حاشية الثمني على المغنى 2/ 21
(4)
لسان العرب (اذن) 16/ 173، وانظر التصريح 1/ 212
(5)
لسان العرب (اذن) 16/ 173