الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا داعي لأن تخرج كل التعبيرات الواردة في اللغة على هذا النمط من التأليف، بل ينبغي الاعتراف بأن بعض التعبيرات تكون على غير هذا النمط، وإن كان الأصل في تأليف الجملة العربية أن يكون على النمط الذي ذكروه.
وقد ذهب الخليل وسيبويه إلى أنه لا خبر لـ (ألا) التي تفيد التمني نحو قولهو " ألا ماء ماء باردًا" انظر الكتاب 1/ 359، الأشموني 2/ 15، الهمع 1/ 147" وذهب الأخفش والكوفيون إلى أنه لا خبر لنحو قولنا (الإنسان وعمله - انظر الأشموني 1/ 217).
ومعنى ذلك أن بعض التعبيرات يتألف من إسم وحرف، وبعضها يتألف من اسم ومعطوف، وهذا خروج على الطريقة العامة التي يقول بها النحاة.
صورة تأليف الجملة:
يظهر تأليف الجملة العربية بصورتين تبعًا للمسند: فعل مع اسم، واسم مع اسم. وبالتعبير الإصطلاحي فعل وفاعل أو نائبه، ومبتدأ وخبر نحو: أقبل سعيد، وسعيد مقبل، وكل التعبيرات الأخرى إنما هي صور أخرى لهذين الأصلين.
والصورة الأساسية للجمل التي مسندها فعل، أن يتقدم الفعل على المسند إليه كما في جملة " أقبل سعيد " ولا يتقدم الفاعل (1) على الفعل أو بتعبير أدق
لا يتقدم المسند إليه على الفعل إلا لغرض يقتضيه المقام.
والصورة الأساسية للجمل التي مسندها اسم، أن يتقدم المسند إليه على المسند، أو بتعبير آخر، أن يتقدم المبتدأ على الخبر، ولا يقدم الخبر إلا لسبب يقتضيه المقام، أو طبيعة الكلام.
(1) نقول هذا تجوزا وإلا فهو مبتدأ عند الجمهور.
والفرق بين هاتين الصورتين - أعني الجملة التي مسندها فعل والجملة التي مسندها اسم - أن الجملة التي مسندها فعل، إنما يدل على الثبوت. تقول مثلا: يجتهد زيد وزيد مجتهد، ويحفظ زيد وزيد حافظ، ويطلع سعيد وسعيد مطلع، ويتعلم سعيد وسعيد متعلم، ويجود مصعب ومصعب جواد ونحو ذلك. فأنت ترى في هذه الأمثلة جميعها أن الفعل يدل على التجدد والحدوث، والاسم يدل على الثبوت. تقول لصديقك: أتظن أنك تنجح في هذا العام؟ فيقول لك (أنا ناجح) أي لوثوقه بنفسه ادعى أن الأمر منته وثابت، ولو لم يكن هذا الأمر قد تم فعلا. فالفعل يدل على التجدد والحدوث، والاسم يدل على الثبوت، فإذا أردت الدلالة على الحدوث جئت بجملة مسندها فعل تقدم الفعل أو تأخر. وإذا أردت الدلالة على الثبوت جئت بجملة مسندها اسم.
فالجملتان يجتهد سعيد وسعيد يجتهد كلتاهما تدلان على الحدوث (1)، وإنما قدم المسند إليه لغرض من أغراض التقديم.
ثم إن الأصل أن يتقدم الفعل على المسند إليه - كما ذكرنا - فإذا جاء الفعل متقدما لم يسأل عن سبب تقدمه، لأنه هو الصورة الأساسية، فإن تقدم المسند إليه سألنا عن سبب تقدمه.
وإذا جاء المسند إليه في الجملة التي مسندها إسم متقدما، لم نسأل عن سبب تقدمه لأنه هو الصورة الأساسية لهذا التعبير، فإن تقدم المسند سألنا عن سبب تقدمه، فالتأليف الطبيعي للجملة العربية هو نحو هذا.
يقبل سعيد.
سعيد مقبل.
فإن تقدم سعيد في الجملة الأولى، أو تقدم مقبل في الجملة الثانية نظرنا في سبب ذلك
(1) انظر: حاشية يس على التصريح (1/ 173)، حاشية الصبان (1/ 210).