الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإخبار بالمصدر عن اسم الذات
المصدر هو الحدث المجرد فلا يخبر به عن اسم الذات فلا يصح أن تقول زيد انطلاق ومحمد ركض وخالد بكاء لأن زيدًا ليس انطلاقا، ومحمدًا ليس ركضا، وخالدا ليس بكاء، ولكن قد ورد في اللغة أخبار من هذا القبيل قال تعالى في ابن نوح:{إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} [هود: 46]، فقال عنه أنه عمل، فأخبر بالمصدر، عن الذات كما أخبر بالذات عن المصدر، في قوله تعالى:{ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 177]، وقالوا: رجل صوم، ورجل فطر، وإنما أنت سير، وقالت الخنساء تصف ناقتها:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
…
فإنما هي إقبال وإدبار
فأخبرت عن الناقة بقولها (هي إقبال وإدبار) والإقبال والإدبار، لا يكونان خبرا عن الناقة وإنما هي مقبلة مدبرة، فما معنى هذا الإخبار وما الغرض منه؟
الغرض من هذا الإخبار هو المبالغة بجعل العين هو الحدث نفسه، أي أن ابنك يا نوح تحول إلى عمل غير صالح، ولم يبق فيه عنصر من عناصر الذات، والناقة تحولت إلى حدث مجرد من الذات فليس فيها ما يثقلها من عنصر الذات، وإنما هي تحولت إلى إقبال وإدبار، ومثل هذا الوصف بالمصدر نحو (أقبل رجلٌ عدلٌ).
جاء في (الخصائص): "إذا وصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل وذلك لكثرة تعاطيه له واعتياده إياه، ويدل على أن هذا معنى لهم ومتصور في نفوسهم قوله:
ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل
…
وضنت علينا والضنين من البخل
أي كأنه مخلوق من البخل لكثرة ما يأتي به منه، ومنه قول الآخر:
وهن من الأخلاق والولعان.
وقوله:
وهن من الأخلاق بعدك والمطل
وأصل هذا الباب عندي قول الله عز وجل: {خلق الإنسان من عجلٍ} [الأنبياء: 37]، .. وقولك رجل دنف، أقوى معنى لما ذكرناه من كونه كأنه مخلوق من ذلك الفعل: وهذا معنى لا تجده ولا تتمكن منه مع الصفة الصريحة". (1)
وقال: "فإذا قيل (رجل عدل)، فكأنه وصف بجميع الجنس مبالغة كما تقول: استولى على الفضل، وحاز جميع الرياسة والنبل ولم يترك لأحد نصيبًا في الكرم والجود، ونحو ذلك، فوصف بالجنس أجمع تمكينًا لهذا الموضع وتوكيدًا.
وقد ظهر منهم ما يؤيد هذا المعنى، ويشهد به، وذلك نحو قوله ..
ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل
…
وضنت علينا والضنين من البخل.
فهذا كقولك: هو مجبول من الكرم، ومطين من الخير، وهي مخلوقة من البخل .. وأقوى التأويلين في قولها (فإنما هي إقبال وإدبار) أن يكون من هذا، أي كأنها مخلوقة من الإقبال والإدبار، لا على أن يكون من باب حذف المضاف أي ذات إقبال وذات إدبار. ويكفيك من هذا كله قول الله عز وجل {خلق الإنسان من عجل} وذلك لكثرة فعله إياه واعتياده له" (2).
وقال: " قول الله سبحانه {إن أصبح ماؤكم غورًا} [الملك: 30]، أي غائرا ونحو قولها:
فإنما هي إقبال وإدبار.
وما كان مثله من قبل أن من وصف بالمصدر فقال: هذا رجل زور، وصوم، ونحو ذلك، فإنما ساغ ذلك له لأنه أراد المبالغة وأن يجعله هو نفس الحدث لكثرة ذلك منه" (3).
(1) الخصائص 3/ 259 - 260
(2)
الخصائص 3/ 202 - 203
(3)
الخصائص 3/ 189
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): "أو لكون واحد من المبتدأ والخبر معنى والآخر عينًا، ولزوم ذلك المعنى لتلك العين حتى صار كأنه هي، كقول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
…
فإنما هي إقبال وإدبار
وقوله تعالى (ولكن البر من آمن)، وإن قدرنا المضاف في مثله في المبتدأ أي (لكن ذا البر من آمن)، وحالها إقبال أو في الخبر نحو: بر من آمن وذات إقبال أو جعلنا المصدر بمعنى الصفة نحو (ولكن البار) وهي مقبلة جاز لكنه يخلو من معنى المبالغة" (1).
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: {إنه عمل غير صالح} [هود: 46]، " وجعلت ذاته عملا غير صالح، مبالغة في ذمة كقوله (فإنما هي إقبال وإدبار) "(2).
وجاء فيه في قوله تعالى: {وجاءو على قميصه بدم كذب} [يوسف: 18]، :"ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه، وكما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته ونحوه: فهن به جود وأنتم بخل"(3).
وتقول: زيد سيرا، وزيد قيامًا، بالنصب وليس في هذا مبالغة، وإنما هو إخبار طبيعي وتقدير الكلام: زيد يسير سيرا، ويقوم قياما فإن قلت:(زيدٌ سيرٌ) بالرفع كان مما نحن فيه وكان من المبالغة، فكأن زيدا هو السير، أي تحول إلى حدث مجرد.
جاء في (الكتاب): "وذلك قولك (ما أنت إلا سيرا) و (ما أنت إلا الضرب الضربَ)، و (ما أنت إلا قتلا قتلا)، و (ما أنت إلا سير البريد سير البريد)، فكأ، هـ قال في هذا كله: ما أنت إلا تفعل فعلا، وما أنت إلا تفعل الفعل، ولكنهم حذفوا الفعل لما ذكرت لك .. وأعلم إن السير إذا كنت مخبرًا عنه في هذا الباب، فإنما تخبر بسير متصل بعضه ببعض في أي الأحوال كان، وأما قولك:(إنما أنت سيرٌ)، فإنما جعلته خبرًا لأنت ولم تضمر فعلا ..
(1) الرضي على الكافية 1/ 103
(2)
الكشاف 3/ 101
(3)
الكشاف 2/ 127، وانظر 1/ 270، التفسير الكبير 3/ 167
ومن ذلك قولك: (ما أنت إلا شرب الإبل) و (ما أنت إلا ضرب الناس) و (ما أنت إلا ضربا الناس)، وأما شرب الإبل فلا ينون، لأنه لم يشبهه بشرب الإبل ولأن الشرب ليس بفعل يقع منك على الإبل ..
وإن شئت رفعت هذا كله، فجعلت الآخر هو الأول، فجاز على سعة الكلام، من ذلك قول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
…
فإنما هي إقبال وإدبار.
فجعلها الإقبال والإدبار، فجاز على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم وليلك قائم" (1).
وجاء نحو هذا في (المقتضب) قال: "زيد سيرا، وزيد أبدًا، قيامًا، وإنما جاز في الإضمار لأن المخاطب يعلم أن هذا لا يكون إلا بالفعل، وأن المصدر إنما يدل على فعله، فكأنك قلت: زيد يسير سيرا، وما أنت إلا تقوم قيامًا، وإن شئت قلت: زيد سير يا فتى، فهذا يجوز على وجهين:
أحدهما: أن يكون زيد صاحب سير، فأقمت المضاف إليه مقام المضاف، لما يدل عليه كما قال الله عز وجل {وسئل القرية التي كنا فيها} [يوسف: 82]، إنما هو أهل القرية كما قال الشاعر:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
…
فإنما هي إقبال وإدبار
أي ذات إقبال وإدبار.
ويكون على أنه جعلها الإقبال والإدبار لكثرة ذلك منها" (2).
والراجح أن هذا الضرب فيما أرى ليس من باب حذف المضاف، ولا من باب تأويل المصدر بالوصف، وإنما هو ضرب آخر من الكلام وافتنان فيه بقصد المبالغة.
(1) سيبويه 1/ 168 - 169
(2)
المقتضب 3/ 230