الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في التنبيه واللوم فإنه خطاب للمؤمنين قال تعالى: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون يأيها الذين أمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} [آل عمران: 117 - 118]، فأنت أن الموقف مختلف عما في الآيتين السابقتين وهو ليس موقف تقريع ولوم كما كان.
وقد لا يحتاج الموقف إلى التنبيه فلا يذكره وذلك نحو قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام مخاطبا ربه: {وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على اثري وعجلت إليك ربي لترضى} [طه: 83 - 84]، فلم يأت بالتنبيه لأنهم غير مشاهدين.
فأنت ترى أن التنبيه يؤتى به في المكان المناسب بالقدر الذي يحتاج إليه، فقد يقدم او يؤخر، او يكرر، أو لا يذكر البتة، بحسب الحاجة إلى ذلك.
كاف الخطاب
تلحق اسم الإشارة كاف تسمى كاف الخطاب وفيها وجهان (1):
مطابقة الكاف للمخاطب إفرادا، وتثنية وجمعا، تذكيرا وتأنيثا، فتقول: ذلك بفتح الكاف إذا كنت مخاطبا ذكرا وذلك بكسر الكاف لخطاب الأنثى، وذلكما وذلكم وذلكن وهكذا. قال تعالى:{ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} [الإسراء: 39]، وقال:{كذلك قال ربك} [مريم: 21]، قال:{ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} [الأعراف: 22]، وقال:{وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [الأعراف: 141] وقال: {فذلكن الذي لمتنني فيه} [يوسف: 32].
والوجه الثاني إفراد الخطاب وتذكيره على كل حال فتقول: ذلك بفتح الكاف للمفرد والمثنى والجمع للمذكر والمؤنث، وقد استعملها القرآن الكريم أيضا فقال تعالى:
(1) التصريح 1/ 128
{فما جزاء من يفعل ذلك منكم} [البقرة: 85]، وقال:{كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} [البقرة: 219]، وقال مخاطبًا نساء النبي {وكان ذلك على الله يسيرًا} [الأحزاب: 30].
ومع أن الوجهين جائزان على سبيل السعة والكثرة، فالمتكلم البليغ لابد أن يرجح أحدهما على الآخر في موطن من مواطن الاستعمال لسبب يقتضيه المقام، فيستعمل الأفراد في موطن، والمطابقة في موطن آخر، بل أننا نرى في القرآن الكريم المطابقة والأفراد في الآية الواحدة أحيانا فقد قال تعالى:{ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر} [البقرة: 232]، فقد قال (ذلك) ثم قال (ذلكم).
وقد ذكر بعض النحاة إن " لأفراد الكاف إذا خوطب به جماعة تأويلين: أحدهما أن يقبل بالخطاب على واحد من الجماعة لجلالته والمراد له ولهم، والثاني أن يخاطب الكل ويقدر اسم مفرد من أسماء الجموع يقع على الجماعة تقديره: ذلك يوعظ يا فريق ويا جمع"(1).
وهناك أكثر من سبب بلاغي يدعو إلى المطابقة، أو إلى الأفراد، ومن هذه المواطن.
1 -
ما ذكرناه آنفا من أنه قد يقصد أحد من الجماعة بالخطاب لجلالته والمراد له ولهم ويحتمل أن منه قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143]، وقوله:{فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} [البقرة: 191]، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه رأس الأمة وعليه يتنزل الوحي، والأمة مقصودة بالخطاب أيضًا.
2 -
قد يراد بالمفرد مخاطب غير معين، وهذا كثير في اللغة فإنك قد تقول كلاما ولا تخاطب به معينًا، وإنما تقصد به كل سامع وذلك نحو قوله:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
…
ألفيت كل تميمة لا تنفع
(1) الهمع 1/ 76 - 77
فهنا المخاطب غير معين ومن ذلك قوله تعالى: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد} [ق: 19 - 20]، جاء في (البحر المحيط) في قوله تعالى:{ذلك يوعظ به من كان منك يؤمن بالله واليوم الآخر} : " خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وقيل لكل سامع". (1)
2 -
وقيل قد يراد بإفراد الكاف البعد فقط دون الخطاب، وذلك أن الأصل في الكاف أن يؤتى بها للخطاب والبعد، وقد تعرى من قصد الخطاب، فيراد بها البعد وحده.
وللكاف في ذلك نظائر نحو (إذا) فهي تكون ظرفية شرطية وقد تعري من الشرط فتكون ظرفية فقط. ونحو (ما) المصدرية الظرفية وقد تعرى عن الظرفية فتكون مصدرية فقط.
فإذا جئت بالكاف مطابقًا أريد الخطاب قطعا إضافة إلى البعد جاء في (درة التنزيل) أن الكاف " لما قصد بها معنيان: الخطاب والتبعيد جاز أن يعري من أحدما وهو الخطاب ويقتصر على معنى التبعيد على حسب قصد القاصد. وإذا جاءت مثناة اللفظ أو مجموعة على حسب حال المخاطبين فهي على المعنيين". (2)
والذي يبدو لي أن القول بانها ليست الخطاب واحد معين بل هي لكل سامع أولى من نزع معنى الخطاب عنها، لأنك أبقيت لها معناها الأول ولم تفسد المعنى. وما دام المعنى يحتمل ذلك كان بقاؤها على أصلها أولى والله أعلم.
4 -
وقد يؤتى بالكاف مطابقًا إذا كان الأمر يعم الجميع على قدر واحد كما في قوله تعالى: {ذلكما مما علمني ربي} [يوسف: 37]، فالخطاب للفتيين السجينين مع يوسف عليه السلام، وقوله {فذلكن الذي لمتنني فيه} [يوسف: 32]، والخطاب موجه من امرأة العزيز للنسوة اللاتي نلن منها، وهو خطاب على قدم المساواة للجميع.
(1) البحر المحيط 2/ 210
(2)
درة التنزيل 50
5 -
وقد جاءت الكاف مطابقة للجمع في القرآن الكريم إذا كان السياق يقتضي الإطالة والتوسع في الكلام وذلك نحو قوله تعالى: {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبًا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} [الأنعام: 99]، بخلاف قوله تعالى:{وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [النحل: 12]، فجاء بالخطاب في الآية الأولى على صورة الجمع، لأن الموقف موقف إطالة وتوسع في الكلام بخلاف آية النحل.
ونحوه قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسك في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [التوبة: 41]، بخلاف قوله تعالى:{يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59].
فجمع في آية التوبة وأفرد في آية النساء ويوضح السياقان الفرق بينهما، فإن الكلام في سورة التوبة على الجهاد وهو يبدأ بقوله تعالى:{يأيها الذين أمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثقالتم إلى الأرض .. 38 .. 39 .. إلى الآية 49} بخلاف آية النساء فالمقام مقام إطالة وتوسع في التوبة فجاء بـ (ذلكم) فيها بخلاف آية النساء.
وهناك سبب آخر لأفراد الخطاب في آية النساء، وهو أنه التفت إلى خطاب المفرد بعد هذه الآية فقال:{ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [النساء: 60]، بخلاف آية التوبة فإن الكلام فيها كله إلى المخاطبين ولم يلتفت إلى المخاطب المفرد.
6 -
وقد استعمل القرآن الكريم مطابقة الجمع للزيادة في التوكيد، فإنه إذا كان موقفان وكان أحدهما أكد من الآخر جاء في الموطن المؤكد بمطابقة الجمع دون الآخر، وذلك نحو قوله تعالى:{ذلكم توعظون به} [المجادلة: 3]، وقوله: {ذلك يوعظ به من كان منكم
يؤمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 232]، فجاء في الآية الأولى بالجمع، وفي آية البقرة بالأفراد مع أن الخطاب للجميع في الآيتين وسبب ذلك - والله أعلم - أن الوعظ في آية المجادلة أشد وآكد، وهو في حكم الظهار وسبب نزول هذه الآيات حادثة الظهار التي وقعت لخولة بنت ثعلبة قال تعالى:{قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللآئي ولدنهن وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور والذين يظهارون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكفرين عذاب أليم} [المجادلة: 1 - 4]، وآية البقرة في الطلاق قال تعالى:{وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منك يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكي لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 232].
وإذا قرات السياقين رأيت أن التشديد كبير في سياق الظهار من مثل قوله: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} والطلب من قائله تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، بخلاف الطلاق، ولذا أكد الواعظ فيه وشدد على منعه، فقال في الظهار {ذلكم توعظون به} وقال في الطلاق {ذلك يوعظ به} .
ومن ذلك قوله تعالى {ذلكم أزكي لكم وأطهر} ، [البقرة: 232]، وقوله:{ذلكم خير لكم وأطهر} [المجادلة: 12]، فجمع في آية البقرة وأفرد في سورة المجادلة وذلك لأن مقام التزكية في سورة البقرة آكد وأشد ويوضح ذلك السياقان.
فإن الكلام في البقرة على ضمان حقوق المرأة وكبح جماح الرجل في العدوان عليها وهضم حقوقها، وهي أمور قلبية ويظهر ذلك في قوله تعالى:{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله} [البقرة: 288]، وقوله:{ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} [البقرة: 299]، وقوله: {ولا تمسكوهن ضرارا
لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه، ولا تتخذوا آيات الله هزوا} [البقرة: 231]، وقوله:{فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة: 232].
وغير ذلك من الأمور القلبية التي مبعثها شدة الغضب، وحدته والرغبة في الانتقام، فأكد تزكية القلوب وطهارتها فقال:{ذلكم أزكى لكم وأطهر} في حين قال في سورة المجادلة: {يأيها الذين أمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم} [المجادلة: 12].
والفرق واضح بين المقامين، فإن الآيات الأولى في أمر إنساني عام، وحكم خالد باق في تطهير القلوب وزكاتها مما يشتعل فيها من نار الغضب، والحقد، والرغبة في الانتقام في حين أن المقام في آية المجادلة يتعلق بدفع صدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد نسخ هذا الحكم وشيكًا. فالفرق كبير بين المقامين والحكمين.
فأنت ترى إنه لما كان (الوعظ) في آيات المجادلة أشد، وآكد، وأكدهـ، وجاء به بصورة الجمع بخلاف الوعظ في آية البقرة، ولما كانت الزكاة وتطهير القلوب في آية البقرة أشد وأكد جاء به بصورة الجمع بخلاف آية المجادلة، وهذا أمر دقيق جليل.
7 -
وقد استعمل القرآن الكريم الخطاب بالجمع، وبالأفراد للتمييز بين مجموعتين، فقد تكون مجموعة أكبر من مجموعة فيستعمل لخطاب الجمع الكثير بصورة الجمع، وللقليل بصورة الأفراد، وذلك نحو ما مر في قوله تعالى:{ذلكم أزكي لكم وأطهر} [البقرة: 232]، وقوله:{ذلك خير لكم وأطهر} [المجادلة: 12]، فإن الآية الأولى لخطاب المؤمنين عامة وتكليفهم إلى قيام الساعة، وأما الآية الأخرى فلخطاب الصحابة وحدهم، ولا يشمل غيرهم من المسلمين ثم أنه حكم ما لبث أن نسخ، فجاء لما هو عام شامل بصيغة الجمع، ولما هو خاص بصيغة الأفراد.
ونحوه قوله تعالى: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنةالله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكان وأضل عن سواء السبيل} [المائدة: 60]، وقوله:{قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} [الحج: 72]