الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ودل ذلك على أن هارون كان دون موسى في شدة العزيمة وقوة الإرادة وأخذ الأمور بالحزم.
وأرشد اعتذار هارون أنه بريء من جريمة اتخاذ العجل إلها، وأنه لم يقصر في نصحهم والإنكار عليهم، وقد غفر الله له. وهذا مخالف لما في التوراة أن هارون هو الذي صنع العجل لهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تختلف أحوال الناس وطبائعهم في سياسة الآخرين والاحتكاك بهم، فمنهم الحاد الطبع، السريع الانفعال كموسى عليه السلام، الذي غضب للحق، وهو محق فيما فعل، ومتوقع منه كل ما فعل، ومنهم الهادي الطبع، اللين العريكة، الحليم مثل هارون عليه السلام الذي لم يأل جهده في الإنكار على قومه، ولكنهم لم يرعووا لنصحه وهمّوا بقتله.
ولم يغضب موسى لخبر ربه غضبا مماثلا لما شاهده من الواقع المر؛ لأنه ليس الخبر كالعيان، والشاهد يتألم ويتأثر عادة أكثر مما يتأثر به الغائب؛ لأن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب.
وكل هذه أحوال نفسية فطرية، لا سلطان للإنسان عليها، ومن المعروف أن الأمور الجبليّة من غضب وسرور ونحوهما لسنا مكلفين بها.
أما إلقاء موسى الألواح فكان بسبب دهشته واستفزازه ومن غير شعور منه تأثرا بما رأى، ففعل ما فعل، ولم يدر ما صنع. ولم يتعمد كسر الألواح، بل كان في غيبة وانفعال شديد، حتى لو كان بين يديه بحر من نار لخاضه.
وأما أخذه برأس أخيه يجره إليه من شعره ولحيته فلا يتنافى مع عصمة الأنبياء؛ لأنه لم يفعل ذلك على سبيل الإهانة والإذلال والاستخفاف، وإنما على
سبيل الإكرام والتعظيم، كما تفعل العرب عادة من قبض الرجل على لحية أخيه إكراما وتعظيما. ولكن هارون كره ذلك لئلا يظن بنو إسرائيل أنه إهانة.
وكان هارون أكبر من موسى عليهما السلام بثلاث سنين، وأحب إلى بني إسرائيل من موسى؛ لأنه كان ليّن الغضب. ثم إن موسى فعل ذلك بأخيه؛ لظنه أو توهمه أن هارون مائل مع بني إسرائيل فيما فعلوه من أمر العجل، ومثل هذا الميل لا يجوز على الأنبياء.
وزال الإشكال باعتذار هارون أن عبدة العجل استضعفوه، وقاربوا يقتلونه، فقبل موسى عذره ودعا له ولأخيه بالمغفرة وطلب الرحمة، المغفرة له على ما كان من الغضب الذي ألقيت من أجله الألواح، والمغفرة لأخيه لما ظنه أنه مقصّر في الإنكار عليهم، وإن لم يقع منه تقصير، أي اغفر لي طرح الألواح، ولأخي إن قصر.
قال الحسن البصري: عبد كلهم العجل غير هارون، إذ لو كان ثمّ مؤمن غير موسى وهارون، لما اقتصر على قوله:{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي} ، ولدعا لذلك المؤمن أيضا.
وإنما أقام هارون ولم يتبع أخاه موسى إلى الطور، خوفا على نفسه من القتل، فدلت الآية على أن من خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر له أن يسكت.
قال ابن العربي: هذا دليل على أن الغضب لا يغير الأحكام، كما زعم بعض الناس، فإن موسى عليه السلام لم يغيّر غضبه شيئا من أفعاله، بل اطّردت على مجراها من إلقاء لوح، وعتاب أخ، وصكّ ملك
(1)
. قال المهدوي: لأن غضبه كان لله عز وجل، وسكوته عن بني إسرائيل خوفا أن يتحاربوا ويتفرقوا.
(1)
أحكام القرآن: 783/ 2.