الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعدوا به من العرب الإسماعيليين في يثرب، وأملا في مؤازرتهم ومناصرتهم، فأقاموا على الطريق بين يثرب وفلسطين.
8 -
حلم موسى على قومه بني إسرائيل، فبالرغم من غضب الله عليهم بسبب عبادة العجل، وطلب شيوخهم الذين جاؤوا للتوبة رؤية الله تعالى جهلا وتعنتا، فإن موسى تضرع إلى ربه طالبا العفو عن زلات سفهائهم، وقال:
التفسير والبيان:
يذكر الله تعالى أنه بعث بعد الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام، موسى، بالآيات أي الحجج والدلائل البينة والمعجزات الدالة على صدقه ورسالته، إلى فرعون: وهو ملك مصر في زمن موسى، وملئه أي قومه، فجحدوا وكفروا بها، ظلما منهم وعنادا، فانظر أيها الرسول (أي محمد) كيف كان مصير المفسدين في الأرض بالظلم واستعباد البشر، وهم فرعون وملؤه الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، أي انظر يا محمد كيف فعلنا بهم، وأغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء الله: موسى وقومه المؤمنين به.
ونظير الآية قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِها، وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ، ظُلْماً وَعُلُوًّا، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل 14/ 27].
وقال: {إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ} ولم يقل: وقومه؛ لأن الذين استعبدهم فرعون وعاضدوه هم أتباع الحكم والسلطان، وليس سائر الشعب المصري، وإنما كان الشعب تبعا للحكام، فلو آمن فرعون لتبعه الشعب كله.
وقوله: {فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} فيه تشويق واجتذاب الأنظار إلى ما سيذكره تعالى من المصير المشؤوم لفرعون وملئه، ونجاة موسى وبني إسرائيل.
ثم بدأ الله تعالى بعد هذا التشويق ببيان فصول القصة، وأول فصل منها:
إخباره تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وتغلبه عليه بالحجة والمنطق، وإظهاره الآيات البيّنات في مجلس فرعون وقومه قبط مصر.
وقال موسى: يا فرعون أي يا ملك مصر، إني رسول من رب العالمين، أي مالك كل شيء وخالقه ومدبره، وجدير بي
(1)
ألا أقول على الله إلا الحق، فإن الرسول لا يكذب على الله الذي بيده ملكوت كل شيء، لذا فإني لا أخبر عن الله إلا بما هو حق وصدق؛ لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه.
وهاتان الجملتان تتضمنان عقيدة التوحيد: وهي أن للعوالم كلها إنسها وجنّها ربا واحد، وعقيدة النوبة والرسالة المؤيدة منه تعالى بالعصمة في التبليغ.
ومن المؤيدات قوله: قد جئتكم ببرهان وحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلا وشاهدا على صدقي فيما أخبرتكم عنه.
وقوله: {مِنْ رَبِّكُمْ} إشارة إلى أن جميع الناس مربوبون لله ومخلوقون به، وأن فرعون ليس ربا ولا إلها، وإلى أن البينة ليست من صنع موسى.
ثم رتب على إثباته نبوته بالبينة الواضحة طلب موسى من فرعون إطلاق سراح بني إسرائيل من أسره واستعباده وقهره، وتركهم حتى يذهبوا معه راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم، ليتفرغوا إلى عبادة ربهم وربه؛ فإنهم من سلالة
(1)
الباء وعلى يتعاقبان، فعلى في قوله تعالى:«حَقِيقٌ عَلى» بمعنى الباء، يقال: رميت بالقوس وعلى القوس، وجاء على حال حسنة وبحال حسنة.
نبي كريم: إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.
وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي وانقرضت الأسباط، تغلب فرعون على نسل بني إسرائيل واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى عليه السلام، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر، واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام.
قال فرعون مجيبا موسى: إن كنت مؤيدا بآية من عند ربك، فأظهرها لنراها، إن كنت صادقا فيما ادعيت.
فأجابه موسى على الفور إلى ما طلبه بالفعل لا بالقول: فألقى عصاه من يمينه على الأرض أمام فرعون فإذا هي ثعبان (ذكر الحيات) مبين، أي ظاهر واضح حقيقي يتحرك ويسير من مكان إلى مكان.
وأخرج يده من جيب قميصه بعد ما أدخلها فيه، فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كالشمس المضيئة، كما قال تعالى:{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [النمل 12/ 27].
وهذا هو الفصل الثاني من القصة.
ولا داعي للاسترسال في أوصاف الثعبان والعصا واليد، بأكثر مما دلت عليه الآيات القرآنية؛ إذ ليس لها سند يوثق به، وإنما هي من الروايات الإسرائيلية التي دسها بعض الدخلاء غير المتورعين ولا المدققين، مثل كعب الأحبار الإسرائيلي، ووهب بن منبّه الفارسي الأصل.
ومن المعلوم أن إثارة الفتن السياسية في صدر الإسلام يعود أمرها إلى جماعة السابئيين (أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي) وجماعات الفرس الذين دخلوا في الإسلام لهدمه من الداخل، وقد قتل عمر على يد أبي لؤلؤة الفارسي المرسل من جماعة سرية في فارس، وقتل عثمان بدسائس عبد الله بن سبأ.
ثم جاء الفصل الثالث من القصة ومضمونه مقالة ملأ فرعون: قال السادة من قوم فرعون الموافقون له وأهل مشورته: {إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ} أي خبير بفنون السحر وأنواعه، وله خطره إذ قد يستميل الناس بسحره، فيكون ذلك سببا لغلبته علينا، ونزع ملكنا، وإخراجنا من أرضنا بسحره، وذلك كله مصرح به في آية أخرى خاطبوا بها موسى وأخاه هارون:{قالُوا: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ، وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ} [يونس 78/ 10] وهو في الواقع صدى لما قاله فرعون وحكاه الله عنه بقوله: {قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ، فَماذا تَأْمُرُونَ} [الشعراء 34/ 26 - 35].
ثم وقع ما خافوا منه، كما قال تعالى:{وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص 6/ 28].
وتابع الملأ كلامهم وإبداء رأيهم: قال الملأ لفرعون بعد أن استشارهم بقوله السابق: {فَماذا تَأْمُرُونَ؟} : أخّر الفصل في أمره وأمر أخيه، وأرسل في الأقاليم ومدائن ملكك فئة من جندك حاشرين، أي جامعين لك السحرة من سائر البلاد. وإنما قال: في المدائن لأن السحر ينشط في المدن الجامعة المأهولة بكثرة الناس.
وكان السحر في زمانهم غالبا كثيرا، فتوهموا أن ما جاء به موسى عليه السلام من قبيل شعوذة الساحرين، فجمعوا له السحرة، ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات، كما أخبر تعالى فرعون حيث قال:{قالَ: أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ، مَكاناً سُوىً. قالَ: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ، وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى، فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ، فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى} [طه 57/ 20 - 60].
{يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ} أي إن ترسلهم يأتوك بكل ساحر ماهر بفنون السحر. وواضح أن الهدف الإتيان بالمهرة لتحقيق الغلبة والتفوق. قال الزمخشري: وكانت هذه مؤامرة مع القبط.
ثم جاء الفصل الرابع وهو دور السحرة.
وجاء السحرة من كل مكان، وقالوا لفرعون: هل لنا أجر لقاء الغلبة على موسى؟ فقال فرعون: نعم لكم أجر عظيم، وتصبحون من المقرّبين إلى في المركز والمجلس، وهذا إغراء في الجمع بين المركز المالي والأدبي.
قال السحرة لموسى في اليوم المخصص: {إِمّا أَنْ تُلْقِيَ} بسحرك أولا، وإما أن نلقي ما عندنا؟ وفي هذا التخيير اعتزاز شديد بأنفسهم، وثقة بخبرتهم، وعدم مبالاة بعمله.
فأجاب موسى جواب الذكي الخبير؛ لأن المتأخر في العمل يكون أدرى بما تقتضيه الحال، وهو واثق أيضا بشأنه وغلبته عليهم:{أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ} ، وهذا إذن بتقديم الفعل، لا أمر يقرهم به على فعل السحر، وهو بقوله المذكور يريد أن يري الناس صنيعهم ويتأملوه، ويستفرغ ما عندهم من طاقات، فإذا فرغوا من زيفهم وشعوذتهم، جاءهم الحق الواضح، فيكون أوقع في النفوس. لذا قال تعالى:{فَلَمّا أَلْقَوْا، سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ، وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف 116/ 7] أي خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه، له حقيقة واقعية، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، كما قال تعالى:{قالَ: بَلْ أَلْقُوا، فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى. فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى. قُلْنا:}
{لا تَخَفْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى. وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا، إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ، وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى} [طه 66/ 20 - 69].
وتتجلى ثقة موسى بنفسه وبأن ما لديه معجزة إلهية ليست من جنس