الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أن القرآن بصائر للناس وآيات بيّنات للمؤمنين، وهدى ورحمة لهم، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاما له واحتراما، وتوصّلا لنيل الرّحمة به، والفوز بالمنافع الكثيرة التي يشتمل عليها، لا كما كان يفعل كفار قريش في قولهم:{لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} .
التفسير والبيان:
إذا قرئ القرآن الكريم فأصغوا إليه أسماعكم، لتفهموا آياته وتتعظوا بمواعظه، وأنصتوا له عن الكلام مع السّكون والخشوع، لتعقلوه وتتدبروه، ولتتوصلوا بذلك إلى رحمة الله بسبب تفهّمه والاتّعاظ بمواعظه، فإنه لا يفعل ذلك إلا المخلصون الذين استنارت قلوبهم بنور الإيمان.
والآية تدلّ على وجوب الاستماع والإنصات للقرآن، سواء أكانت التّلاوة في الصلاة أم في خارجها، وهي عامّة في جميع الأوضاع وكل الأحوال، ويتأكّد ذلك في الصّلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة،
كما رواه مسلم في صحيحة من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا» رواه أيضا أصحاب السّنن عن أبي هريرة.
وهذا هو المروي عن الحسن البصري، لكن الجمهور خصّوا وجوب الاستماع والإنصات بقراءة الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم في عهده، وبقراءة الصّلاة والخطبة من بعده يوم الجمعة؛ لأن إيجاب الاستماع والإنصات في غير الصّلاة والخطبة فيه حرج عظيم؛ إذ يقتضي ترك الأعمال.
وأما ترك الاستماع والإنصات للقرآن المتلو في المحافل، فمكروه كراهة
شديدة، وعلى المؤمن أن يحرص على استماع القرآن عند قراءته، كما يحرص على تلاوته والتّأدّب في مجلس التّلاوة.
وتستحب القراءة بالتّرتيل والنّغم الدّالة على التّأثّر والخشوع من غير تكلّف ولا تصنّع ولا تمطيط ولا تطويل في المدود،
فقد روى الشّيخان عن أبي هريرة مرفوعا: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيّ حسن الصوت، يتغنى بالقرآن» .
وثواب الاستماع كثواب التّلاوة،
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة» .
ثم أمر الله تعالى بذكره أول النّهار وآخره كثيرا، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله تعالى:{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق 39/ 50].
ومعنى الآية: اذكر ربك في نفسك سرّا، بذكر أسمائه وصفاته وشكره واستغفاره، اذكره بقلبك:{أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرّعد 28/ 13]، واذكره ضارعا متذلّلا خائفا راجيا ثوابه وفضله، واذكره بلسانك ذكرا متوسّطا بين الإسرار والجهر:{وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها، وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء 110/ 17]، والخطاب قيل: للنّبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: لمستمع القرآن، والأولى أن يكون عامّا.
وينبغي أن يكون ذكر اللسان مقرونا باستحضار القلب وملاحظة المعاني، فذكر اللسان وحده لا نفع فيه ولا ثواب عليه، فالواجب الجمع بين ذكر القلب وذكر اللسان، وأن يكون الذّكر رغبة ورهبة.
وأنسب الأوقات للذّكر: وقت الصّباح والمساء وهو وقت الغدو والآصال؛