الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات اللغوية:
{وَاتْلُ} اقرأ {نَبَأَ} خبر مهم {فَانْسَلَخَ مِنْها} خرج من الآيات بكفره، كما تخرج الحية من جلدها، وهو بلعم بن باعوراء من علماء بني إسرائيل، الذي دعا على موسى مقابل هدية من اليهود. وعبر بالانسلاخ للدلالة على كمال مباينته للآيات، بعد أن كان بينهما كمال الاتصال، كما قال أبو السعود.
{فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ} أدركه ولحقه فصار قرينه {الْغاوِينَ} الراسخين في الغواية والضلالة، بعد أن كان من المهتدين {وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها} لو شئنا لرفعناه إلى منازل العلماء، بأن نوفقه للعمل {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} ركن إلى الدنيا ومال إليها {وَاتَّبَعَ هَواهُ} في دعائه إليها، فأصبح من الحقيرين {فَمَثَلُهُ} صفته {إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ} تشد عليه بالطرد والزجر {يَلْهَثْ} للهث: التنفس الشديد مع إخراج اللسان. والقصد: التشبيه في الخسة والحقارة.
{ذلِكَ} المثل {مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا} بعد أخذ الميثاق عليهم وعلى الناس {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ} على اليهود {ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ} أي بئس وقبح، والمثل: الصفة {يَظْلِمُونَ} بالتكذيب.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أخذ الميثاق على الناس قاطبة، وإقرارهم بأن الله ربهم، ضرب المثل للمكذبين بآياته المنزلة على رسوله، ومضمون هذا المثل أن العالم بآيات الله غير العامل بها كالحية تنسلخ من جلدها وتتركه على الأرض.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهم الله: نزلت هذه الآية في بلعم بن باعوراء.
التفسير والبيان:
واقرأ أيها الرسول على اليهود خبر الذي علمناه آياتنا، ولكنه لم يعمل بها، وتركها وراءه، وتجرد منها إلى الأبد، فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له، وتمكن من الوسوسة له، فأصغى إليه، فصار من الظالمين الكافرين، لميله إلى الدنيا واتباع الهوى والشيطان.
وهو عالم من علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين، وروي عن ابن عباس أنه رجل من اليمن، اسمه بلعم بن باعوراء، أوتي علم بعض كتب الله، فانسلخ منها، وكفر بآيات الله، ونبذها وراء ظهره.
وذلك أن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا كفارا، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام وقومه، وكان مجاب الدعوة، وعنده اسم الله الأعظم، فامتنع منه، فما زالوا يطلبونه منه، حتى دعا عليه، فاستجيب له، ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه
(1)
. وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى عليه السلام إلى ملك مدين، يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه، وترك دين موسى عليه السلام
(2)
.
{وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ} بالآيات، وجعلنا له منزلة عظيمة من منازل العلماء الأبرار، بأن نوفقه للهداية والعمل بالآيات.
ولكنه ركن إلى الدنيا ومال إليها ورغب فيها واهتم بلذائذها، واتبع هواه، فلم يوجه همّه إلى نعيم الآخرة، ولم يهتد بآياتنا، ولم ترق نفسه إلى سلّم الكمال الروحي، ولم يحترم نعمة الله عليه باستعمالها في مرضاته.
وأصبح مثله أو صفته في الذلة والحقارة، والخسة والدناءة كمثل الكلب أو صفته في أخس أحوالها وأذلها، وهي حال دوام اللهث به، سواء حمل عليه أي شد عليه وطرد، أو ترك دون طرد.
وهذه الصفة هي أقبح حالات الكلب وأخسها، وقد شبّه بها حال عجيبة غريبة، هي حال ذلك الذي تجرد من معرفة آيات الله تعالى.
(1)
تفسير الرازي: 54/ 15.
(2)
تفسير ابن كثير: 264/ 2.