الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على صدق موسى، إذ قد توعّدهم بوقوع كلّ واحدة منها تفصيلا.
أما فرعون وقومه فظلّوا على عنادهم وكبريائهم فاستكبروا عن عبادة الله، ولم يتّعظوا، وكانوا قوما مجرمين في حقّ أنفسهم وغيرهم، مصرّين على الجرم والذّنب.
فقه الحياة أو الأحكام:
ترشد الآيات في الجملة إلى قانون السّببيّة: وهو ربط الأسباب بالمسبّبات والنتائج على حسب مشيئته تعالى، وإلى أن ما يتعرّض له الناس من آفات زراعية ومصائب فهو بسبب أعمالهم.
وأما تفصيلا فدلّت الآيات على أنه تعالى إنما أنزل عليهم هذه المضار، لأجل أن يتركوا العناد والتّمرد، ويرجعوا إلى الانقياد والعبودية لله، لأن أحوال الشدّة ترقّق القلب، وترغّب فيما عند الله، كما قال تعالى:{وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ، ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ} [الإسراء 67/ 17]، وقال:{وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت 51/ 41].
وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي ليتّعظوا وترقّ قلوبهم، يدلّ على أنه تعالى فعل ذلك إرادة منه أن يتذكّروا، لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.
وأول آية على فرعون وقومه من آيات العقاب: السّنين أي الجدوب، يقال: أصابتهم سنة أي جدب،
وفي الحديث الثابت: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنّي يوسف» . يروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام، وقيل:
شهر، وقيل: أربعون يوما.
والثانية: نقص محصول الثّمار وغلاته نقصا شديدا مريعا، لا يكفي أحدا.
وهذان عقابان، كلّ منهما أخفّ من أنواع العقاب الأخرى، بدءا بالتّدرج في العذاب لعلّهم ينزجروا، ولكن القوم عند نزول تلك المحن عليهم لم يتّعظوا ولم يرعووا، وإنما أقدموا على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم، فقال تعالى:{فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا: لَنا هذِهِ} الآية.
فهم ينسبون الخير من الخصب والثّمار وسعة الرّزق والعافية والسّلامة والمواشي إلى أنفسهم، مدّعين أنهم جديرون بذلك، مستحقّون للإكرام والإنعام، لتفوّقهم وذكائهم، وعملهم ومعرفتهم. أمّا الشّر من الجدب والقحط والمرض والضّر والبلاء فهو بسبب موسى وقومه وشؤمهم.
والحقّ أن ما لحقهم من القحط والشدائد إنما هو من عند الله عز وجل بذنوبهم، لا من عند موسى وقومه، ولكنّهم قوم يجهلون هذا المعنى، فطائرهم عند الله، أي ما قدّر لهم وعليهم.
أمّا التّطيّر والتّشاؤم فجاء الإسلام بالنّهي عنه عند سماع صوت طائر ما كان، وعلى أي حال كان، لأن الواحد من أهل الجاهلية كان كثيرا إذا أراد الحاجة أتى الطّير في وكرها فنفّرها، فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته، وهذا هو السّائح عندهم. وإن أخذت ذات الشمال رجع، وهذا هو البارح عندهم،
فنهي النّبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا بقوله فيما رواه أبو داود والحاكم عن أم كرز: «أقرّوا الطّير على مكناتها» أي بيضها أو على تمكنها فلا تنفّروها. وقال عكرمة: كنت عند ابن عباس، فمرّ طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شرّ.
وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد ومسلم عن جابر: «لا طيرة ولا هام» .
قال العلماء: وأما أقوال الطّير فلا تعلّق لها بما يجعل دلالة عليه، ولا لها علم
بكائن، فضلا عن مستقبل فتخبر به، ولا في الناس من يعلم منطق الطّير، إلا ما كان الله تعالى خصّ به سليمان صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك، فالتحق الطّير بجملة الباطل
(1)
.
وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الطّيرة شرك -ثلاثا-وما منّا إلا
(2)
، ولكن الله يذهبه بالتّوكل».
واشتدّ تمادى قوم فرعون في عنادهم، فقالوا لموسى: مهما تأتنا من آية لتصرفنا عما نحن عليه، فلن نصدق بك. ففي الآية الأولى:{فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ} أسندوا حوادث هذا العالم، لا إلى قضاء الله تعالى وقدره، ثم وقعوا بجهالة وضلالة أخرى في الآية الثانية:{وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ} وهي أنهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السّحر، وجعلوا جملة الآيات الدّالة على صدق موسى مثل انقلاب العصا حيّة من باب السّحر منهم، وقالوا لموسى: إنّا لا نقبل شيئا منها البتة.
قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا لموسى: مهما أتيتنا بآية من ربك، فهي عندنا من باب السّحر، ونحن لا نؤمن بها البتة، وكان موسى عليه السلام رجلا حديدا، فعند ذلك دعا عليهم، فاستجاب الله له، فأرسل عليهم الطّوفان الدّائم ليلا ونهارا، سبتا إلى سبت، ثم ذكر بقية الآيات الخمسة، وهي: الجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
أمّا الطّوفان: فهو المطر الشّديد حتى عاموا فيه، وأمّا الجراد فأكل النّبات، وأما القمّل فلم يبق في أرضهم عودا أخضر. إلا أكلته، وأما الضّفادع فخرج من
(1)
تفسير القرطبي: 226/ 7.
(2)
قال ابن الأثير: هكذا جاء في الحديث مقطوعا، ولم يذكر المستثنى، أي إلا وقد يعتريه التّطيّر، وتسبق إلى قلبه الكراهة، فحذف اختصارا واعتمادا على فهم السّامع. وقوله:«ولكن الله يذهبه بالتّوكل» : معناه أنه إذا خطر له عارض التّطيّر، فتوكل على الله وسلّم إليه، ولم يعمل بذلك الخاطر، غفره الله له ولم يؤاخذه به.
البحر مثل الليل الدّامس ووقع في الثّياب والأطعمة، فكان الرّجل منهم يسقط وعلى رأسه ذراع من الضّفادع، وأما الدّم فجرت أنهارهم دما، فلم يقدروا على الماء العذب. وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطّيّب.
فاشتكوا إلى موسى وفرعون، فقال فرعون لموسى:{لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ.} . إلى آخر الآية الآتي بيانها.
وتلك الآيات البيّنات لا يخفي على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره. ومع ذلك استكبروا عن عباده الله وعن الإيمان به وكانوا قوما مجرمين أي مصرّين على الجرم والذّنب.
واختلف العلماء في قتل الجراد إذا حلّ بأرض فأفسد، فقيل: لا يقتل، وقال أكثر الفقهاء: يقتل.
احتجّ الأوّلون: بأنه خلق عظيم من خلق الله، يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم، أي لا تبعة عليه،
وبما روى الطبراني والبيهقي عن أبي زهير، وهو ضعيف:«لا تقتلوا الجراد فإنه من جند الله الأعظم» .
واحتجّ الجمهور: بأن في ترك الجراد فساد الأموال، وقد رخّص النّبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتال المسلم إذا أراد أخذ ماله، فالجراد إذا أرادت فساد الأموال، كانت أولى أن يجوز قتلها.
وروى ابن ماجه عن جابر وأنس بن مالك أنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذ دعا على الجراد قال: «اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء» ، قال رجل:
يا رسول الله، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ قال: «إن الجراد نثرة
(1)
الحوت في البحر».
(1)
النّثرة: شبه العطسة.