الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأصابع، والمراد الأطراف. والمعنى أن الله أمرهم أن يضربوا المقاتل وغير المقاتل، ويجمعوا عليهم النوعين معا.
ثم بيّن الله تعالى سبب تأييده ونصره المؤمنين، فقال:{ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا..} . أي أن ذلك المذكور من النصر والتأييد للنبي والمؤمنين بسبب أن المشركين شاقوا الله ورسوله، أي عادوهما وخالفوهما، فساروا في شق أو جانب وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق آخر.
{وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ} ، أي ومن يخالف أمر الله ورسوله ويعاديهما فإن له عدا الهزيمة والخزي في الدنيا العذاب الشديد في الآخرة.
ذلكم العقاب الذي عجلته لكم أيها الكافرون المشاقون الله ورسوله في الدنيا من خزي وذل وهزيمة ونكال وما تبع ذلك من قتل وأسر، فذوقوه عاجلا، ولكم في الآخرة عذاب جهنم إن أصررتم على الكفر.
وعبر بالذوق الذي هو تعرف طعم اليسير لمعرفة حال الكثير عن تعجيل ما حصل لهم من الآلام في الدنيا، فكان المعجل كالذوق القليل بالنسبة إلى الأمر العظيم المعدّ لهم في الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أمور ثلاثة: تعداد النعم، تعليم كيفية القتل، عقاب مشاقة الله والرسول أي معاداتهما.
أما النعم المذكورة التي أراد الله التذكير بها في معركة بدر فهي سبع:
الأولى-النصر عند الاستغاثة، وذلك بإمدادهم بأعيان الملائكة للمساعدة في القتال. ولا تعارض في تعداد الملائكة بين هذه السورة التي ذكر فيها ألف من الملائكة، وسورة آل عمران التي ذكر فيها ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف؛ لأنه تعالى
جعل الإمداد متتابعا بقوله {مُرْدِفِينَ} فأمدهم أولا بألف ثم بثلاثة آلاف، ثم بخمسة حينما تذرعوا بالصبر والتقوى.
الثانية-إلقاء النعاس أي النوم عليهم ليلة اليوم الذي حدث فيه القتال.
الثالثة-إنزال المطر من السماء لتحقيق الطهارة الحسية بالنظافة والوضوء والغسل من الجنابة، والطهارة المعنوية بإذهاب وساوس الشيطان.
الرابعة-الربط على القلوب أي تقويتها وإزالة الخوف والفزع عنهم، وإفراغ الصبر عليهم وشد أزرهم لمجالدة الأعداء وقتالهم.
الخامسة-تثبيت الأقدام على الرمال التي تلبدت بالمطر. ودل هذا بدلالة المفهوم على أن حال الأعداء كانت بخلاف ذلك.
السادسة-الإيحاء إلى الملائكة {أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} ، فانصروهم وثبتوهم.
السابعة-إلقاء الرعب والخوف في قلوب الكافرين. وهذا من النعم الجليلة التي أنعم الله بها على المؤمنين.
وأما تعليم كيفية القتل: فهو أنه تعالى أمر المؤمنين بقتل الكفار في المقاتل بضرب الهامات والرؤوس التي هي محمولة فوق الأعناق، وبضربهم في غير المقاتل بتقطيع الأيدي والأرجل ذات البنان؛ لأن الأصابع هي الآلات في أخذ السيوف والرماح وسائر الأسلحة، فإذا قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة.
وأما عقاب مشاقة الله والرسول فهو الخزي والنكال والهزيمة في الدنيا، والعذاب الشديد في نار جهنم في القيامة. والمقصود من إيراد هذا العقاب الزجر عن الكفر والتهديد عليه وتوبيخ الكافرين، فالعقاب على ذلك نوعان: عاجل في الدنيا، ومؤجل في الآخرة.
وأما فضل أهل بدر فليس لذواتهم وإنما لأفعالهم،
قال مالك: بلغني أن
جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أهل بدر فيكم؟ قال: خيارنا، فقال: إنهم كذلك فينا. وذلك لجهادهم، وأفضل الجهاد يوم بدر؛ لأن بناء الإسلام كان عليه.
وأوجب الإسلام دفن جثث القتلى ولو كانوا من الأعداء،
فقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدفن قتلى المشركين السبعين في بدر في القليب وهي البئر العادية القديمة الكائنة في البراري.
روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك قتلى بدر ثلاثا، ثم قام عليهم فناداهم فقال:«يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا» فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يسمعون وأني يجيبون وقد جيّفوا
(1)
؟ قال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا» .
ثم أمر بهم، فسحبوا فألقوا في القليب، قليب بدر.
قال القرطبي: وفي هذا ما يدل على أن الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه: إنه ليسمع قرع نعالهم» الحديث، أخرجه الصحيح
(2)
.
(1)
جيفوا: أنتنوا، فصاروا جيفا. وقول عمر:«يسمعون» استبعاد على ما جرت به العادة، فأجابه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم يسمعون كسمع الأحياء.
(2)
تفسير القرطبي: 377/ 7.