الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير والبيان:
يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، إذا اقتربتم من عدوكم ودنوتم منهم حال كونهم جيشا زاحفين نحوكم لقتالكم، فلا تفرّوا منهم، مهما كثر عددهم، وأنتم قلة، ولكن اثبتوا لهم وقاتلوهم، فالله معكم عليهم.
وهذا الانهزام أمامهم محرم إلا في حالتين:
إحداهما-أن يكون المقاتل متحرفا لقتال، أي مظهرا أنه منهزم، ثم ينعطف عليه، ويكر عليه ليقتله. وهو أحد مكايد الحرب وخدعها.
والثانية-أن يكون متحيزا إلى فئة أي منضما إلى جماعة أخرى من المسلمين لمقاتلة العدو معها، يعاونهم ويعاونونه. فيجوز له ذلك في هاتين الحالتين.
أما فيما عداهما، فمن فرّ أو انهزم وجبن عن القتال، فقد رجع متلبسا بغضب من الله، ومأواه الذي يلجأ إليه في الآخرة جهنم، وبئس المصير هي، وبئس المصير مصيره. قال البيضاوي: هذا إذا لم يزد العدو على الضعف، لقوله تعالى:
{الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ} [الأنفال 66/ 8] وقال ابن عباس: من فرّ من ثلاثة لم يفر، ومن فرّ من اثنين فقد فرّ.
والآية تدل على تحريم الفرار من الزحف، وأنه من كبائر المعاصي، بدليل
ما روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا: «اجتنبوا السبع الموبقات-المهلكات- قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
ثم علل الله تعالى ضرورة الثبات والصبر أمام العدو بنصره على الأعداء، فقال:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} أي إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم بقوتكم وعدتكم،
{وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ} بأيديكم؛ لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوى قلوبكم وأذهب عنها الفزع والجزع، كما قال تعالى:
{قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَيُخْزِهِمْ، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة 14/ 9].
وذلك أن المسلمين لما كسروا أهل مكة، وقتلوا، وأسروا، أقبلوا على التفاخر، فكان القائل يقول: قتلت، وأسرت. ولما طلعت قريش،
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها، يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني» فأتاه جبريل عليه السلام فقال: خذ قبضة من تراب، فارمهم بها، فقال لما التقى الجمعان لعلي رضي الله عنه: أعطني قبضة من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. فقيل لهم: إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، بتثبيته قلوبكم، وإلقائه الرعب في قلوبهم. وما رميت أيها الرسول إذ رميت المشركين في الظاهر بالقبضة من الحصباء التي رميتها، فأنت ما رميتها في الحقيقة؛ لأن رميك لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه سائر البشر في العادة، ولكن الله رماها، حيث أوصل ذلك التراب إلى عيونهم، فصورة الرمي صدرت من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأثره إنما صدر من الله، والعبرة بإحداث الأثر فعلا، فالله هو الذي بلّغ أثر ذلك الرمي إليهم، وكبتهم بها، لا أنت.
وقد تكرر فعل الرمي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين.
ويكون الفرق بين فعله تعالى في القتل وبين فعل النبي والمؤمنين: أن الله هو المؤثر الحقيقي الفعال في تحقيق النتائج، وأما فعل البشر فهو القيام بالأسباب الظاهرة المقدورة لهم التي كلفهم بها ربهم، كما هو الحال في جميع كسب البشر وأعمالهم الاختيارية، من كونها لا تستقل في تحقيق غاياتها إلا بفعل الله وتأثيره.
فعل الله ذلك كله ليكبت المشركين، {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً} أي ليعرّف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم، مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا حقه، ويشكروا بذلك نعمته، فهو منه تعالى اختبار للمؤمنين بالنصر والغنيمة وذيوع الصيت وحسن السمعة بين العرب.
{إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ} لكل قول ومنه دعاؤهم واستغاثة الرسول والمؤمنين ربهم قبل القتال، عليم بأحوالهم ونياتهم وبمن يستحق النصر والغنيمة.
ثم أتى ببشارة أخرى مع ما حصل لهم من النصر، وهي أنه تعالى أعلمهم بأنه مضعف كيد الكافرين في المستقبل، محبط مكرهم، مصغّر أمرهم، جاعل كل ما لهم في تبار ودمار.
ثم خاطب الله أهل مكة على سبيل التهكم قائلا لهم: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ} ، أي إن تستنصروا لأعلى الجندين وأهداهما، وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم، وتم النصر للأعلى والأهدى، وحدث الهلاك والذلة للأدنى والأضل.
ثم أنذرهم الله، وحذرهم بقوله: إن تنتهوا عن الكفر والتكذيب بالله ولرسوله، وعداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو خير لكم في الدنيا والآخرة وأجدى من الحرب التي جربتموها وما أحدثت من قتل وأسر؛ وإن تعودوا لمحاربته وقتاله، وإلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة، نعد إلى نصره وهزيمتكم، كما قال تعالى لبني إسرائيل:{وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا} [الإسراء 8/ 17] والخطاب هنا للكفار، وهو الظاهر من السياق، وقيل: الخطاب للمؤمنين؛ لأن قوله: {فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ} لا يليق إلا بالمؤمنين، أما لو حملنا الفتح على البيان والحكم والقضاء، لم يمتنع أن يراد به الكفار.
ولن تفيدكم جماعتكم {شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ} ، إذ ليست الكثرة دائما من وسائل