الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فرعون وقهره وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزّة والسيادة وخلافة الملك والسلطان، والاشتفاء أو الانتقام من عدوهم والنظر إليه وقت هلاكه وغرقه ودماره، بعد أن كان يسومكم سوء العذاب، بتقتيل أبنائكم، وترك نسائكم أحياء، وتسخيركم للخدمة. وفي ذلكم المذكور من الإنجاء من فرعون وعمله، والإنعام عليكم بهذه النعم بلاء عظيم، أي أن النعمة أو المحنة اختبار مهم جدا، فأنتم أجدر الناس بعبادة ربكم الذي منحكم نعمة الحياة والإنقاذ والعزة، وأولى من غيركم بشكر تلك النعم الجليلة، وهل هناك عجب أشد من هذا العجب أن تطلبوا جعل آلهة مزيفة عاجزة خسيسة ضعيفة واسطة بينكم وبين الله الذي فضلكم عليها وعلى من يعبدونها.
والمراد بقوله: {وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ} أي اذكروا ذلك الوقت، والقصد ذكر ما حصل فيه، حتى يشكروا الله عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى: {وَجاوَزْنا} على جهالة بني إسرائيل بحقيقة التوحيد الذي جاء موسى عليه السلام من أجل إرشادهم إليه، فقد طلبوا منه أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، وهذا تماما مشابه لفعل عبدة الأوثان حيث قالوا:{ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى} [الزمر 3/ 39].
قال قتادة: كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولا بالرّقة. وقيل: كانت أصنامهم تماثيل بقر؛ ولهذا أخرج لهم السامري عجلا.
ونظيره قول جهال الأعراب في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى «ذات أنواط»
(1)
يعظمونها في كل سنة يوما: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط.
فقال عليه الصلاة والسلام كما
(1)
ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونه.
تقدم-: «الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى:{اِجْعَلْ لَنا إِلهاً، كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ، لتركبنّ سنن من قبلكم حذو القذّة
(1)
بالقذّة، حتى إنهم لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه» وكان هذا في مخرجه إلى حنين.
وإن طلب إله آخر هو في غاية الجهل؛ لأن المعبود المستحق للعبادة والتعظيم هو القادر على خلق الأجساد والحياة والقدرة والعقل، وخلق الأشياء المنتفع بها، ولا يقدر على ذلك غير الله تعالى، فلا تليق العبادة إلا به.
ودلت آية: {إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ} على أن عبدة الأصنام هم المعرضون للهلاك، وأن عملهم إلى زوال، وأن عهد الوثنية من الأرض سينتهي، لمناقضته العقل والفطرة.
وقد ندد موسى عليه السلام بطلب بني إسرائيل من نواح أربع:
أولها-أنه حكم عليهم بالجهل، فقال:{إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} .
وثانيها-أنه قال: {إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ} أي سبب للخسران والهلاك.
وثالثها-أنه قال: {وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} أي هذا العمل الشاق لا يفيدهم نفعا في الدنيا والدين.
ورابعها-التعجب منهم على وجه يوجب الإنكار والتوبيخ فقال: {أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ} أي أن الإله ليس شيئا يطلب ويلتمس ويتخذ، بل الإله هو الله الذي يكون قادرا على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة
(1)
القذّة: ريش السهم، قال ابن الأثير: يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان.