الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأَنَّهُ يَلْزَمُه بالحِنْثِ فى هذا النَّذْرِ أحدُ شَيْئَيْن؛ إمَّا الكَفَّارَةُ، وإمَّا المَشْىُ، فقد صارَ الحِنْثُ مُوجِبًا لِحَقٍّ عليه، فعلى هذا يَكونُ مُولِيًا بِنَذْرِ فِعْلِ المُباحاتِ والمَعاصِى أيضًا، فإِنَّ نَذْرَ المَعْصِيَةِ مُوجِبٌ لِلكفَّارَةِ فى ظاهِرِ المذهبِ، وإِنْ سَلَّمْنَا، فالْفَرْقُ بينهما أَنَّ المَشْىَ لا يَجبُ بِالنَّذْرِ، بخِلافِ مَسْألتِنا. وإذا اسْتَثْنَى فى يَمِينِهِ، لم يكنْ مُولِيًا فى قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ لأَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بِالحِنْثِ، فلم يكنِ الْحِنْثُ مُوجِبًا لِحَقٍّ عليه. وهذا إذا كانتِ اليَمِينُ بِاللَّهِ تعالى، أو كانتْ يَمِينًا مُكَفَّرَةً، فأمَّا الطَّلاقُ والعَتَاقُ، فمَنْ جَعَلَ الاسْتِثْناءَ فيهما غيرَ مُؤَثِّرٍ، فوُجُودُهُ كعَدَمِهِ، ويكونُ مُولِيًا بهما، سَوَاءٌ اسْتَثْنَى أو لم يَسْتَثْنِ.
فصل:
الشَّرْطُ الثَّانِى، أَنْ يَحْلِفَ على تَرْكِ الْوَطْءِ أكْثَرَ مِنْ أربعةِ أشْهُرٍ. وهذا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وطاوُسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأبِى ثَوْرٍ، وأبى عُبَيْدٍ (11). وقال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: إِذَا حَلَفَ على أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فما زادَ، كانَ مُولِيًا. وحَكَى ذلك القاضى وأبو الحسينِ رِوَايَةً عن أحمدَ؛ لأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن الْوَطْءِ بِاليَمِينِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فكانَ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ على ما زادَ. وقال النَّخَعِىُّ، وقَتَادَةُ، وحَمَّادٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، وإِسحاقُ: مَنْ حَلَفَ على تَرْكِ الْوَطْءِ فى قَلِيلٍ مِن الأوْقاتِ أو كَثِيرٍ، وتَركَهَا (12) أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فهو مُولٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى:{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} (13). وهذا مُولٍ؛ فَإنَّ الإِيلاءَ الحَلِفُ، وهذا حَالِفٌ. ولَنا، أَنَّهُ لم يَمْنَعْ نَفْسَهُ مِنَ الْوَطْءِ بِالْيَمِينِ أَكْثَرَ مِنْ أَربَعَةِ أشْهُرٍ، فلم يكنْ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ على تَرْكِ قُبْلَتِها. والآيَةُ حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّه جَعَلَ له تَرَبُّصَ أَربَعَةِ أشْهُرٍ، فإذا حَلَفَ على أرْبَعَةِ أشْهُرٍ أو ما دُونَها، فلا مَعْنَى لِلتَّرَبُّصِ؛ لأنَّ مُدَّةَ الإِيلاءِ تَنْقَضِى قبلَ ذلك أو مع (14) انْقِضائِه. وتَقْدِيرُ التَّرَبُّصِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَقْتَضِى كَوْنَه فى مُدَّةٍ تَناوَلَها
(11) فى م: "وأبى عبيدة".
(12)
فى أ: "فتركها".
(13)
سورة البقرة 226.
(14)
فى م: "ومع".
الإِيلاءُ، ولأنَّ المُطالَبَةَ إنَّما تكونُ بعدَ [أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ](15)، فَإِذا انْقَضَتِ المُدَّةُ بِأَرْبَعَةٍ فما دُونَ، لم تَصِحَّ المُطالَبَةُ مِنْ غَيْرِ إِيلاءٍ، وأبو حَنِيفَةَ ومَن وَافَقَه بَنَوْا ذلك على قَوْلِهم فى الفَيْئَةِ أنَّها تكونُ فى مُدَّةِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ (16)، وظاهِرُ الآيَةِ خِلافُه؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قال:{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا} (17). فَعَقَّبَ (18) الفَيْئَةَ (19) عَقِيبَ التَّرَبُّصِ بفاءِ التَّعْقِيبِ، فيَدُلُّ على تَأَخُّرِها عنه. إذا ثَبَتَ هذا، فحُكِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ المُولِىَ مَنْ يَحْلِفُ على تَرْكِ الوَطْءِ أَبَدًا أو مُطْلَقًا (20)؛ لأنَّه إذا حَلَفَ على ما دُونَ ذلك (21)، أمْكَنَه التَّخَلُّصُ بغيرِ حِنْثٍ، فلم يكنْ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ لا وَطِئَها فى مدينةٍ بعَيْنِها. ولَنا، أَنَّه لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ بعدَ التَّرَبُّصِ مِن يَمِينِه بغيرِ حِنْثٍ، فأشْبَهَ المُطَلَّقَةَ، بخِلافِ اليَمِينِ على مدينةٍ مُعَيَّنَةٍ، فإِنَّه يُمْكِنُه (22) التَّخَلُّصُ بغيرِ الحِنْثِ (23)، ولأنَّ الأَرْبَعَةَ الأشْهُرَ مُدَّةٌ تَتَضَرَّرُ المَرْأَةُ بتَأْخِيرِ الوَطْءِ عنها، فإِذا حَلَفَ على أكْثَرَ منها كان مُولِيًا كالأبَدِ. ودَلِيلُ الوَصْفِ مَا رُوِىَ أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كان يطُوفُ لَيْلَةً فى المَدِينَةِ، فَسَمِعَ امْرَأَةً تقولُ (24):
تَطَاوَلَ هَذا اللَّيْلُ وَازْوَرَّ جانِبُه
…
وَلَيْسَ إِلَى جنْبِى خَلِيلٌ أُلاعِبُهْ
فَوَاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ لا شَىْءَ غَيْرُه
…
لَزُعْزِعَ مِنْ هذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ
(15) فى أ: "الأربعة الأشهر". وفى ب: "أربعة الأشهر".
(16)
فى الأصل، ب، م:"أشهر".
(17)
ورد تمام الآية فى أ: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
(18)
فى أ: "فعقبت".
(19)
فى ب، م:"الفىء".
(20)
أخرجه البيهقى، فى: باب من قال: عزم الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، من كتاب الإِيلاء. السنن الكبرى 7/ 380. والإِمام الشافعى، فى: الباب الثانى فى الإِيلاء، من كتاب الطلاق. ترتيب المسند 2/ 42. وعبد الرزاق، فى: باب الإِيلاء، من كتاب الطلاق. المصنف 6/ 447. وسعيد بن منصور، فى: باب ما جاء فى الإِيلاء، من كتاب الطلاق. السنن 2/ 26.
(21)
سقط من: الأصل، أ، ب.
(22)
فى ب، م:"يمكن".
(23)
فى أ: "حنث".
(24)
تقدمت القصة والأبيات فى: 10/ 240، 241.