الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيه تَفْوِيتَ حَقِّه من غيرِ حاجةٍ. فإن كان فقيرًا مُحْتاجًا، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، له ذلك؛ لحاجَتِه إلى المالِ لِحِفْظِه. قال القاضي: هذا أصَحُّ. والثاني، لا يجوزُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إسْقاطَ قِصاصِه، وأمَّا حاجَتُه فإنَّ نَفقَتَه في بيتِ المالِ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ فإنَّ وُجُوبَ النَّفَقةِ في بيتِ المالِ لا يُغْنِيه إذا لم يَحْصُلْ، فأمَّا إن كان مُسْتَحِقُّ القِصَاصِ مَجْنُونًا فقيرًا، فلِوَلِيِّه العَفْوُ على المالِ؛ لأنَّه ليست حالةً معتادةً يُنْتَظَرُ فيها إفاقَتُه (14).
فصل:
ويَصِحُّ عَفْوُ المُفْلِسِ والمَحْجُورِ عليه لسَفَهٍ عن القِصاصِ؛ لأنَّه ليس بمالٍ. وإن أراد المُفْلِسُ القِصاصَ، لم يكُنْ لغُرَمائِه إجْبارُه على تَرْكِه. وإن أحَبَّ العَفْوَ عنه إلى مالٍ، فله ذلك؛ لأنَّ فيه حَظًّا للغُرَماءِ. وإنْ أراد العَفْوَ على غيرِ (15) مالٍ، انْبَنَى على الرِّوايتَيْنِ؛ إن قُلْنا: الواجِبُ القِصاصُ. فله ذلك؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له مالٌ يتَعَلَّقُ به حَقُّ الغُرَماءِ. وإن قُلْنا: الواجبُ أحَدُ شَيْئَيْنِ. لم يَمْلِكْ؛ لأنَّ المالَ يَجِبُ بقَوْلِه: عَفَوْتُ عن القِصاصِ. فقَوْلُه: على غيرِ مالٍ. إسْقاطٌ له بعدَ وُجُوبِه وتَعْيِينِه، ولا يَمْلِكُ ذلك. وهكذا الحكمُ في السَّفِيهِ ووَارِثِ المُفْلِسِ. وإن عَفَا المَرِيضُ على غيرِ مالٍ، فذكَرَ القاضِي في موضعٍ، أنَّه يَصِحُّ، سواءٌ خَرَجَ من الثُّلثِ أو لم يَخْرُجْ. وذكر أنَّ أحمدَ نَصَّ على هذا. وقال في مَوْضعٍ: يُعْتَبَرُ خُرُوجُه من ثُلثِه، ولعلَّه يَنْبَنِي على الرِّوايتَيْنِ في مُوجَبِ العَمْدِ، على ما مَضَى.
فصل: وإذا قُتِلَ مَنْ لا وارِثَ له، فالأمرُ إلى السُّلطانِ؛ فإن أحَبَّ القِصاصَ فله ذلك، وإن أحَبَّ العَفْوَ على مالٍ فله ذلك، وإن أحَبَّ العَفْوَ إلى غيرِ مالٍ لم يَمْلِكْه؛ لأنَّ ذلك للمسلمينَ، ولا حَظَّ لهم في هذا. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّهم لا يَرَوْنَ العَفْوَ على مالٍ إلَّا برِضَى الجانِي.
فصل: وإذا اشْتَرَكَ الجماعةُ في القَتْلِ، فعَفَا عنهم إلى الدِّيَةِ، فعليهم دِيَةٌ واحدةٌ، وإن
(14) سقط من: ب. وفي م: "رجوع عقله".
(15)
سقط من: م.
عَفَا عن بعضِهم، فعلى المَعْفُوِّ عنه قِسْطُه (16) من الدِّيَةِ؛ لأنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ المَحَلِّ، وهو واحدٌ، فتكونُ دِيَتُه واحدةً، سواءٌ أتْلَفَه واحدٌ أو جماعةٌ. وقال ابنُ أبي مُوسَى: فيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّ على كلِّ واحدٍ دِيَةً كاملةً؛ لأنَّ له قَتْلَ كلِّ واحدٍ منهم، فكان على كلِّ واحدٍ منهم دِيةُ نَفْسٍ كاملةٍ، كما لو قَلَعَ الأَعْوَرُ عينَ صحيحٍ، فإنَّه تَجِبُ عليه دِية عَيْنِه، وهو دِيَةٌ كاملةٌ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الواجِبَ بَدَلُ المُتْلَفِ، فلا يخْتلِفُ باخْتلافِ (17) المُتْلَفِ، ولذلك لو قَتَلَ عَبْدٌ قِيمَتُه ألْفانِ حُرًّا، لم يَمْلِك العَفْوَ على أكْثَرَ من الدِّيَةِ، وأمَّا القِصاصُ، فإنَّه عُقُوبةٌ على الفِعْلِ، فيتَعَدَّدُ بتَعَدُّدِه.
1457 -
مسألة؛ قال: (وإذَا (1) قُتِلَ مَنْ لِلْأَوْلِيَاءِ أنْ [يُقِيدُوا بِهِ](2)، فَبَذَلَ الْقَاتِلُ أكْثَرَ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى أنْ لَا يُقَادَ، فَلِلْأَوْلِيَاءِ قَبُولُ ذلِكَ)
وجملتُه أنَّ مَن له القِصاصُ، له أن يُصالحَ عنه بأكْثرَ من الدِّيَةِ، وبقَدْرِها وأقَلَّ منها، لا أعْلمُ فيه خِلافًا؛ لما رَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَن قَتَلَ عَمْدًا دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ؛ فَإنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وإنْ شَاءُوا أخَذُوا الدِّيَةَ، ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وثلَاثِينَ جَذَعةً، وأرْبَعِينَ خَلِفَةً (3)، وَمَا صَالَحُوا (4) عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُم". وذلك لتَشْدِيدِ الْعَقْلِ (5). روَاه التِّرْمِذِيُّ (6)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وروَيْنا أنَّ هُدْبَةَ بن خَشْرَمٍ قَتَلَ قَتِيلًا، فَبَذَلَ سعيدُ بن العاصِ والحسنُ والحسينُ لابنِ المَقْتُولِ سَبْعَ
(16) في ب: "بقسطه".
(17)
سقط من: ب، م.
(1)
في م: "وإن".
(2)
في ب: "يقيدونه".
(3)
الخلفة: الحامل.
(4)
في النسخ: "صولحوا". والمثبت من مصادر التخريج.
(5)
في النسخ: "القتل".
(6)
في: باب ما جاء في الدية كم هي من الإبل، من كتاب الديات. وفي: باب ما جاء سباب المؤمن فسوق، من كتاب الإيمان. عارضة الأحوذي 6/ 159، 160، 10/ 102.
كما أخرجه ابن ماجه، في: باب من قتل عمدا فرضوا بالدية من كتاب الديات. سنن ابن ماجه 2/ 877. والإِمام أحمد، في: المسند 2/ 183.