الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولأنَّ النَّفقةَ تجبُ في مُقابَلةِ التَّمْكِينِ المُسْتَحَقِّ بعَقْدِ (6) النِّكاحِ، فإذا وُجِدَ اسْتُحِقَّتْ، وإذا فُقِدَ لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، ولو بذَلَتْ تَسْلِيمًا غيرَ تامٍّ، بأن تقولَ: أُسَلِّمُ إليك نَفْسِى في مَنْزِلِى دُون غيرِه. أو في المَوْضِعِ الفُلَانِيِّ دُونَ غيرِه. لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، إلَّا أن تكونَ قد اشْتَرَطَتْ (7) ذلك في العَقْدِ؛ لأنَّها لم تَبْذُلِ التَّسْليمَ الواجِبَ بالعَقْدِ، فلم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ، كما لو قال البائعُ: أُسَلِّمُ إليك السِّلْعةَ على أن تَتْرُكَها في مَوْضِعِها، أو في مكانٍ بعَيْنِه. وإن شَرَطَتْ دارَها أو بَلَدَها، فسَلَّمَتْ نفسَها في ذلك، اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ؛ لأنَّها سَلمَت التَّسْلِيمَ الواجبَ عليها، ولذلك لو سَلَّمَ السَّيِّدُ أمَتَه المُزَوَّجَةَ ليلًا دُونَ النهارِ، اسْتَحَقَّتِ النَّفَقةَ، وفارَقَ الحُرَّةَ، فإنَّها لو بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها في بعضِ الزَّمانِ، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّها لم تُسَلِّم التَّسْليمَ الواجبَ بالعَقْدِ. وكذلك إن أمْكَنَتْه من اسْتِمْتاعٍ (8)، ومَنَعَتْه اسْتِمْتاعًا، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا لذلك.
فصل:
وإن غاب الزَّوجُ بعَد تَمْكِينِها ووُجُوبِ نَفَقَتِها عليه، لم تَسْقُطْ عنه، بل تجبُ عليه في زَمَنِ غَيْبَتِه؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ بالتَّمْكِينِ، ولم يُوجَدْ منها ما يُسْقِطُها. وإن غاب قبلَ تَمْكِينِها، فلا نفقةَ لها عليه؛ لأنَّه لم يُوجَد المُوجِبُ لها (9). فإن بَذَلَتِ التَّسْليمَ وهو غائبٌ، لم تَسْتَحِقَّ نَفَقَةً (10)؛ لأنَّها بذَلَتْه في حالٍ لا يُمْكِنُه التَّسْليمُ فيه، لكن إنْ مَضَتْ إلى الحاكمِ، فبَذَلَتِ التَّسْليمَ، كَتَبَ الحاكمُ إلى حاكمِ البلدِ الذي هو فيه لِيَسْتَدْعِيَه ويُعْلِمَه ذلك، فإن سار إليها، أو وَكَّلَ من يُسَلِّمُها إليه، فوَصَلَ، وتسَلَّمها (11) هو أو نائبُه، وجَبَتِ النَّفقةُ حينئذٍ، وإن لم يَفْعَلْ، فَرَضَ الحاكمُ عليه نفَقَتَها من الوقتِ الذي كان يُمْكِنُ الوُصولُ إليها وتَسَلُّمُها فيه؛ لأنَّ الزَّوجَ امْتَنَعَ
= بنى بامرأة وهى ابنة تسع، من كتاب النكاح. صحيح البخاري 7/ 22، 27، 28. والنسائي، في: باب إنكاح الرجل ابنته الصغيرة، من كتاب النكاح. المجتبى 6/ 67. والإِمام أحمد، في: المسند 6/ 210، 280.
(6)
في ب: "بعد".
(7)
في الأصل: "شرطت".
(8)
في ب، م:"الاستمتاع".
(9)
سقط من: ب.
(10)
في م: "نفقته".
(11)
في الأصل: "فتسلمها". وفي م: "وسلمها".
من تَسَلُّمِها مع إمْكانِ ذلك، وبَذْلِها إيَّاهُ له، فلَزِمَتْه نفقَتُها، كما لو كان حاضرًا. وإن كانت الزَّوجة صغيرةً، يُمْكِنُ وطْؤُها، أو مَجْنونةً، فسَلَّمَتْ نفسَها إليه، فتَسَلَّمها، لَزِمَتْه نفقَتُها كالكبيرةِ، وإن لم يتَسَلَّمْها، لمَنْعِها نفْسَها، أو مَنْعِ أوْلِيائِها، فلا نَفقةَ لها عليه. وإن غاب الزَّوجُ، فبَذَلَ وَلِيُّها تَسْلِيمَها، فهو كما لو بذَلَتِ المُكَلَّفَةُ التَّسْلِيمَ، فإنَّ وَلِيَّها يقومُ مَقامَها. وإن بذَلَتْ هي دُونَ وَلِيِّها، لم يَفْرِض الحاكمُ النَّفقةَ لها؛ لأنَّها (12) لا حُكْمَ لكَلَامِها.
1394 -
مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَتْ بِهذِهِ الْحَالِ الَّتِى وَصَفْتُ، وَزوْجُها (1) صَبِيٌّ، أُجْبِرَ وَلِيُّهُ عَلَى نَفَقَتِهَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَاختَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُما)
يعني إذا كانت المرأةُ كبيرةً، يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ بها، فمَكَّنَتْ مِن نَفْسِها، أو بَذَلَتْ تَسْلِيمَها، ولم تَمْنَعْ نفسَها، ولا مَنَعَها أولياؤُها، فعلى زَوْجِها الصَّبِىِّ نَفقَتُها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحسنِ، والشافعيُّ في أحدِ قَوْلَيْه. وقال في الآخَرِ: لا نَفقةَ لها. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ الزَّوجَ لا يتَمَكَّنُ من الاسْتِمْتاعِ بها، فلم تَلْزَمْه نَفقَتُها، كما لو كانت غائِبةً أو (2) صَغِيرةً. ولَنا، أنَّها سَلَّمَتْ نفسَها تسليمًا صحيحًا، فوجَبَتْ لها النَّفقةُ، كما لو كان الزَّوْجُ كبيرًا، ولأنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما تعَذَّرَ من جِهَةِ الزَّوجِ، كما لو تعَذَّرَ التَّسْليمُ لمَرَضِه أو غَيْبَتِه، وفارَقَ ما إذا غابَتْ، أو كانت صغيرةً، فإنَّها لم تُسَلِّمْ نفسَها تَسْليمًا صحيحًا، ولم تَبْذُلْ ذلك، فعلى هذا يُجْبَرُ الوَلِيُّ على نَفَقَتِها من مالِ الصَّبِيِّ؛ لأنَّ النَّفقةَ على الصَّبِيِّ، وإنَّما الوَلِيُّ يَنُوبُ عنه في أداءِ الواجباتِ عليه، كما يُؤدِّى أُرُوشَ جِنَاياتِه، وقِيَمَ مُتْلَفاتِه، وزَكَواتِه. وإن لم يَكُنْ له مالٌ،
(12) في أ، ب، م:"لأنه".
(1)
سقطت الواو من: أ، م.
(2)
سقط من: الأصل، ب.