الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
4
-
وإذا كنت في هذا البحث لم أتجاوز سبيل الدراسة «الوصفية» ومحاولة الوقوف على الآراء التي تضمنها كتاب الحاكم
…
إلى تقرير كثير من «الأحكام» التي انتهيت إليها .. فلأنني لم أقصد في الأصل- فوق ما ذكرت- إلى أكثر من تبين معالم الطريق، وتعميق دراسة فكرة «المنهج» التي تعتبر الخطوة الأهم في موضوع هذه الدراسات الجامعية، وقد سبق لي أن وقفت على شيء من معالم «المناهج الكلامية» في تفسير القرآن حين حققت كتاب «متشابه القرآن» للقاضي عبد الجبار، وعالجت موضوع الآيات المتشابهة في القرآن بوجه عام، ومن ثمّ كان لا بدّ لي من متابعة الطريق في دراسة أطراف هذا المنهج، والتمكن من آثاره البعيدة والقريبة؛ تمهيدا لخطوة أخرى- تالية إن شاء الله- في موضوع المقارنة الموضوعية المفصلة بين سائر المناهج وطرق التفسير، حتى نتمكن من الإسهام في إعادة رسم الصورة القرآنية على النحو السابق.
-
5
-
على أن العناية بتحرير آراء كل فرقة من الفرق من كتبها ومصنفات شيوخها، يصلح وحده هدفا يسعى إليه الباحث، تحقيقا لأمانة العلم من ناحية، وفي سبيل الوصول إلى الحق في نقاط الخلاف من جهة أخرى، ومن المؤكد أننا سنقف بهذه الطريقة على عشرات النقول الموهومة أو المكذوبة، والتي كان بعضها يرتكب تشنيعا على الخصم وإساءة لسمعته عند العامة. والأمثلة على ذلك، في كتاب الحاكم وحده، كثيرة سيقف عليها القارئ، وبخاصة القارئ المطلع على ما ينسب إلى المعتزلة
من آراء في كتب المذاهب الأخرى. أذكر هنا من هذه الأمثلة ما نسبه الإمام الأشعري إلى المعتزلة من إنكارهم عذاب القبر، قال في كتابه «مقالات الإسلاميين 2/ 104»:«واختلفوا في عذاب القبر فمنهم من نفاه وهم المعتزلة والخوارج، ومنهم من أثبته وهم أكثر أهل الإسلام» في حين يقرأ المرء في تفسير الحاكم تأكيدا مستمرا لقول صاحبه وقول أبي علي الجبائي وشيوخ المعتزلة الآخرين بعذاب القبر، حتى إنني- ابتداء وقبل أن أتنبه إلى نقل الأشعري- «أخذت» على الجبائي ما وقع فيه من الإسراف في الاستدلال على هذا الأمر؛ كما أشرت إلى ذلك في موضعه من هذه الرسالة! فلما تنبهت لنقل الأشعري هالني ذلك مرتين!!
ومن حق الباحث أن يفهم من قول الأشعري: قالت المعتزلة؛ أنه يعني بذلك أبا علي الجبائي، في المقام الأول، إن لم يكن على جهة الحصر؛ لأن الأشعري إنما تلقى الكلام- على مذهب المعتزلة- على أبي علي الذي كان أيضا زوجا لأمه. ولعل احتمالات الخطأ الكثيرة في نقل الأشعري، أو في النقل عنه، تنخفض نسبتها إذا وقفنا على تأكيد لهذا القول في كتاب «الإبانة» للأشعري، الذي ضمنه آراءه الكلامية الجديدة بعد تركه الاعتزال، فقال في مطلع الفقرة المقتضبة التي عقدها لهذه المسألة من مسائل الاعتقاد:«وأنكرت المعتزلة عذاب القبر» فأهمل هنا ذكر الخوارج، حتى لكأن هذا الإنكار وقف على المعتزلة ..
ثم بدأ بالرد عليهم وبيان خطئهم.
ولا أدري كم يبقى من احتمالات الخطأ السابقة إذا وقفنا في بعض كتب الحاكم على الخبر التالي: روى القاضي عبد الجبار أن «بعضهم سأل
أبا يعقوب الشحام عن عذاب القبر، فقال: ما منّا أحد ينكره- معشر المعتزلة- وإنما يحكى ذلك عن ضرار»! وضرار هذا هو ابن عمرو، الذي لم أجد له ذكرا في طبقات المعتزلة التي كتبها القاضى عبد الجبار، أو التي شارك في كتابتها، لأن طبقة أبي يعقوب الشحام (ت 267) كانت مدونة قبل القاضي في كتاب اطلع عليه الأشعري، على التحقيق!!
وفي مثال آخر يقف الباحث في موضوع يعتبر من أهم الأبواب الكلامية التي ثار حولها جدل كبير، وهو موضوع الصفات الإلهية التي يقترن إنكارها بالمعتزلة على
الدوام .. على رد الحاكم الدائب على منكريها من المعتزلة، وهم معتزلة بغداد- أو جمهورهم- دون معتزلة البصرة!! والعجيب في هذه الردود أنها تحمل طابع البساطة والقوة في وقت واحد (انظر فقرة: التوحيد، من الفصل الأول- الباب الثالث).
وأحب أن أشير هنا، بهذه المناسبة، إلى أن تعميم النقل عن المعتزلة لا يصح قبل التدقيق والتحقيق، لأنهم ينتسبون إلى مدرستين أو فرعين كبيرين، وفي كل فرع آراء واجتهادات وردود ومناقشات؛ ولعل الردود بين المدرستين في بعض الأحيان أن تكون أقسى من ذلك النوع الذي كان بينهم وبين خصومهم.
وفي مثال ثالث- في استطراد أخير- سيقف القارئ، في صفحات مطولة، على رد الحاكم والمدرسة الجبائية على فكرة «الصرفة» في إعجاز القرآن، التي قال بها النظام- بغض النظر عن الحامل له على هذا القول- والتي اعتاد بعض الباحثين على نسبتها إلى المعتزلة؛ علما بأن الإمام ابن حزم- مثلا- وبعض أعلام الفرق الأخرى، بتبنونها ويدافعون عنها بقوة!