الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أدلته، إنما هو باختصار قضايا العدل والتوحيد، ولا بد أن كلام الحاكم هنا في تقسيم المعارف يعيد إلى الذهن ما عرضنا له من كلامه في التوحيد والعدل، وضرورتهما لمعرفة الشرائع والأحكام، حتى ليمكننا القول:
إن ميدان التأويل الحقيقي في تفسير الحاكم إنما هو الآيات التي تدل بظاهرها على خلاف العدل والتوحيد وما يتفرع عنهما من قواعد وأصول. على أن الحاكم لم يهمل النظر في آيات التشريع والأحكام في تفسيره- كما سنبين عند الكلام على فقهه وطريقته في كتابه- بل وقف أمام دلالات الآيات على الأحكام، وما يراه في ذلك أصحاب المذاهب الفقهية، غير أن وقوفه من مسائل حمل العام على الخاص، وحمل المطلق على المقيّد، وحمل المشترك على أحد معنييه أو معانيه
…
وسائر مسائل التأويل في أصول
الفقه «1» ، كان عابرا وبعيدا عما رسمه لنفسه من حدود التأويل، كما أنه لا يعطي صورة ما عن أي منهج مستقل أو متميز في هذا الباب، وما يزال الطابع الكلامي الواضح هو الذي يميز تفسير الحاكم ويحدد منهجه في التفسير والتأويل.
ثالثا: التأويل واللغة وأنواع المجاز
وقد قدمنا الكلام على عناية الحاكم الكبيرة باللغة في التفسير والتأويل، وأشرنا إلى أن هذه العناية ربما كانت ألزم له في باب التأويل منها في باب التفسير، لأن التفسير بظاهر اللفظ لا يحتاج إلى الكثير من الأدلة والشواهد اللغوية- اللهم إلا حين ينازع الخصم بهذا الظاهر- في حين أن العدول
(1) انظر تفسير النصوص في الفقه الإسلامي للدكتور محمد أديب صالح، ص 266.
عن الحقيقة إلى المجاز قد يحتاج إلى ذلك، لأن من شرطه ألّا يخل بعادة العرب في التجوز كما يقول ابن رشد، ولهذا كان نقل الكلام على جهة العبارة بطريقة لا تشهد لها المواضعة ولا عادة العرب في المجاز- على طريقة الباطنية مثلا- لا يحتاج إلى شيء من تلك العناية، كما أنه لا يمكن عده من التأويل في شيء لأنه مردود بظاهر اللفظ، ولهذا آثرنا بحثه في الفصل السابق دون هذا الفصل.
وأنواع المجاز التي ركن إليها الحاكم في التأويل، هي الأقسام الثلاث المشهورة: مجاز الزيادة، ومجاز الحذف، ومجاز التشبيه والتمثيل والوضع في غير موضعه «1» ، واختلافه مع خصومه في الآيات التي يدخلها التأويل يعود إلى هذه الأقسام الثلاثة، حيث يذهب هو مثلا إلى أن في الآية مجاز حذف أو زيادة أو تمثيل .. ويذهب الخصم إلى التمسك بالظاهر.
ولهذا اشتد حرص الحاكم في مناقشته للخصوم على إبطال دعوى تمسكهم بالظاهر في كثير من الأحيان، وإثبات أن ما يفسرون به الآية إنما هو ضرب من ضروب التأويل، تمهيدا لإثبات أن تأويلهم ليس بأولى من تأوله الذي يجري فيه- كما أسلفنا- على قاعدته في التوحيد والعدل.
ونورد فيما يلي- من تفسير الحاكم- بعض الشواهد الدالة على ذلك، والمبينة لضروب المجاز في تأويله، ولعنايته الفائقة باللغة، وذلك قبل أن نستعرض طرفا من تأويلاته الهامة في باب العدل والتوحيد، التي نؤثر عرضها بحسب أبوابها الكلامية- دون أنواع المجاز فيها- والتي ستؤكد كلامنا عن الطريقة اللغوية عند الحاكم رحمه الله.
(1) راجع الفقرة الأخيرة من الفصل السابق.
آ) استدل المجبرة- خصوم الحاكم- بقوله تعالى: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ)«1» على مذهبهم في أنه تعالى يصرف عن الإيمان، نقل الحاكم عن شيخه القاضي عبد الجبار أن تأويلهم هذا باطل لا يلتفت إليه، لأن «الظاهر» يقتضي أنه صرف قلوبهم! وليس في الآية أنه صرفهم عن إيمان أو عن غيره من الأفعال، فإذا ادعوا «أن في الكلام أمرا محذوفا فقد تعدوا الظاهر ودخلوا تحت التأويل» وليس أدل على فساد تأويلهم من أن الله تعالى لو أراد بذلك- كما زعموا- الكفر والمنع من الإيمان، لما جاز أن يجعله كالجزاء على انصرافهم!
ثم إن من مذهبهم أنه تعالى هو المبتدئ بالكفر، وأنه صرف قلوبهم عن الإيمان سواء أعرضوا عن سماع القرآن أم لم يعرضوا
…
الخ.
ووجه التأويل عند الحاكم أنهم لما انصرفوا «عاقبهم الله على انصرافهم» فسمى العقوبة على الانصراف باسمه، من باب تسمية الشيء بسببه أو مقارنه، كما قال تعالى:(وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) وكما جاء في أقوال العرب: الجزاء بالجزاء، وليس الأول بجزاء .. إلى غير ذلك من الشواهد.
وقال الحاكم في قوله تعالى: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) إن فيه مجاز الزيادة، ومعناه: ويبقى ربك، فذكر الوجه تأكيدا، كما يقال: وجه الرأي، وليس ثمة جارحة، وأراد: حقيقته وصوابه.
وتمسّك المشبّهة بظاهر الآية لا يصح، لأن معناه: يبقى الوجه دونه!!
(1) الآية 127 سورة التوبة.
وذلك ليس بقول لأحد! «1» .
ب) ومن مجاز التشبيه والتمثيل عند الحاكم: أخذ الميثاق في قوله تعالى: (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)«2» ، قال الحاكم: أخذ ميثاقكم بما ركب في العقول، وأقام من الحجج الداعية إلى الإيمان «فكأنه أخذ العهد والميثاق». وقيل: الفطرة الدالة على الصانع كالميثاق الموثق. والمعنى: ما لكم لا تؤمنون والرسول يدعوكم إلى ما ركب الله في عقولكم من معرفة الصانع وصفاته؟
(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إن كنتم ممن يرغب في الإيمان، أو إن كنتم بحيث لو اتضحت الأدلة آمنتم. وقيل: إن كنتم تؤمنون يوما من الأيام فآمنوا اليوم مع ظهور المعجز!
ونقل الحاكم، في تفسير قوله تعالى:(وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ)«3» ، وجوها كثيرة، ثم ذكر رأي أبي مسلم أن معناه: أزلنا عنك همومك التي ثقلت عليك من أذى الكفار بأن نصرناك عليهم، فشبّه الهموم بالحمل، والعرب تجعل الهمّ ثقلا، قال الحاكم:«وهذا أحسن ما قيل فيه» .
ج) وقال في قوله تعالى: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)«4»
(1) الآيتان 26 - 27 سورة الرحمن، ورقة 79/ ظ.
(2)
الآية 8 سورة الحديد، ورقة 85/ و.
(3)
الآية 2 سورة الشرح، ورقة 149/ ظ.
(4)
الآية 11 سورة التغابن، التهذيب ورقة 102/ ظ.
إن معناه أن ما يصيب المرء من الآلام والأمراض والقحط والموت ونحوها مما هو من جهته تعالى، إنما هو (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي بأمره، قال:«وهذا توسع، والمراد: أنه بفعله وخلقه» ليعلم الإنسان أن ما يصيبه من جهته تعالى يجب عليه الرضا بقضائه.
د) وفي قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا)«1» رفض الحاكم الأخذ بالظاهر- فعل أكثر المفسرين- وذكر فيها عدة أنواع من المجاز قال بها بعض المفسرين، ورجح هو مجاز الحذف- الذي رفضه في مثالنا الأول السابق- قال الحاكم:
«واختلفوا في معنى الآية، قيل: إنا عرضنا الأمانة، أي العبادات والتكاليف بما في أدائها من الثواب وفي تضييعها من العقاب. على السموات:
أي أهل السموات والأرض والجبال، كقوله:(وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) أي أهل القرية. وأهل السماء: الملائكة. وأهل الارض والجبال: الانس والجن.
(فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها): أي امتنعوا أن يخونوا فيها، والمراد: يحملن تضييع الأمانة، وأشفقن من ذلك، وحملها الإنسان بالتضييع فتركها وخانها. وقال الأزهري: يقال حمل الأمانة أي خانها، وحملها:
خيانتها، وكأن من أثم في شيء فقد «حمل» الإثم فيه». قال الحاكم:
وقيل- في تفسير: وحملها الإنسان- أي حمل المأثم فيها، كقوله:
(وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) أي: خطاياهم.
(1) الآية 72 سورة الأحزاب، التهذيب ورقة 117 - 118.
وقال أبو مسلم الاصفهاني رحمه الله: إن معنا (عرضنا) قابلنا ووازنّا، فإن عرض الشيء على الشيء ومعارضته سواء، والمعارضة والموازنة والمقابلة سواء. و (الأمانة): جميع ما عهد الله إلى عباده من أمره ونهيه وما بعث به الرسل وأنزلت فيه الكتب وأخذ عليه الميثاق.
قال أبو مسلم: فأخبر تعالى أن هذه الأمانة مع جلالة من بيّنها وعظم شأنها إذا قيست بالسماوات والأرض والجبال ووزنت بها وعرضت عليها، كانت هذه أثقل وأرزح. ومعنى (فأبين) أي ضعفن، يقال: أبى أن يحمل، أي: ضعف عن حمله. (وأشفقن منها) لأن الشفقة ضعف، وذلك يعتريه من الخوف. فهذه الأمانة التي من شأنها أنها أعظم من السموات والأرض، تقلدها الإنسان ثم لم يحفظها، بل خان فيها لجهله بمواقع الثواب والعقاب، ومن عادته الظلم على نفسه!
وقال بعضهم: الكلام في الآية على التقدير، أي: لو كانت السموات والأرض والجبال مع عظمها حية قادرة عالمة، ثم عرضت عليها هذه الأمانة بما قبلها من الوعد والوعيد، عرض تخيير، لخافت حملها لما فيه من الوعيد، وحملها الإنسان ولم يخف الوعيد لجهله وظلمه، قال: ونظيره: (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، «وأخرجه مخرج الواقع لأنه أبلغ في التقدير» .
قال الحاكم: وعندنا أن عرض الأمانة إنما كان على أهل السموات والأرض، وأن المراد بالعرض التكليف وبيان الحال، أي أنه بيّن الحسن والقبيح، وكلّف بالفعل والترك. وليس المراد به التخيير؛ لأنه تعالى إذا رأى أنه مصلحة تلزم العبد لا يخيره. وأما قوله تعالى:
(فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها) فلا يجوز أن يحمل على ما ذكره بعضهم أنه عدم القبول «لأن رد أمر الله كفر فلا يمدح عليه!» والمراد به ما بيناه:
أنهم خافوا فيها إذا حملوا وزرها. «وقد قال بعضهم إنه عرض تخيير وأنهم سألوا التخفيف خوفا من الوعيد!. وما قدمناه أولى لأن المصالح لا تقف على اختيارهم!» .
هـ) وأخيرا فإن الحاكم قد يعتمد على اللغة في بعض الصيغ الخاصة لتسعفه في التأويل، مثل اعتماده على بناء الفعل للمجهول في التدليل على أن الذهاب الى أن الفاعل هو الله، تحكّم، وعلى أن الواجب ان ينسب إلى الله تعالى منه ما يصح عليه تعالى دون ما لا يصح- بحسب قواعده في العدل-، قال الحاكم في تفسير قوله تعالى:(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ. قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)«1» إن معناه أنهم اشربوا حب العجل، كما ذكر ذلك قتادة وأكثر أهل العلم. قال: «فإن قيل: من
أشرب ذلك قلوبهم؟ قلنا:
لم يرد أن غيرهم فعل ذلك بهم، لكن لفرط ولوعهم به وإلفهم لعبادته أشربوا قلوبهم محبته، فألزموا ذلك، فذكر على ما لم يسمّ فاعله، كما يقال: فلان معجب بنفسه! وقيل: أشرب من زيّنه عندهم ودعا اليه، كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن»
ثم رد على من زعم أن هذا العمل من بني إسرائيل كان بتزيين الله تعالى، فقال: «ولا يجوز ان يقال إن الله تعالى فعل ذلك، لأنه ذمهم
(1) الآية 93 سورة البقرة، الورقة 93/ و.
به وو نجهم، ولو كان ذلك فعله لما صح ذلك، ولأن تزيين عبادة الصنم قبيح قد نهى عنه وأوعد عليه فلا يجوز ان يفعله، ولأنه لو جاز أن يفعل ذلك بنفسه جاز أن يبعث رسولا يدعو اليه! وهذا فاسد».
وفسّر قوله تعالى: (بِكُفْرِهِمْ): بأنهم «لاعتقادهم التشبيه وجهلهم بالله وتجويزهم العبادة لغيره، أشربوا في قلوبهم حب العجل؛ لأنهم صاروا إلى ذلك، لهذه المعاني التي هي كفر. فأما من قال: فعل الله بهم ذلك بكفرهم مجازاة لهم فذلك غلط عظيم، لأن حب العجل ليس من العقوبة في شيء ولا ضرر فيه، ولا يجوز أن يخلق حب العجل لأنه قبيح يتعالى الله عن ذلك!» .
وعنده في مسألة تزيين الاعمال أن المزين للأعمال القبيحة هو النفس والشيطان، وأن قول من يقول إنه تعالى زيّن لكل إنسان عمله من خير أو شر، باطل، يدل على ذلك أن أكثر ما ورد التزيين في القرآن منسوبا إلى الشيطان او مبنيا للمجهول، فلا يجوز إضافته إلى الله تعالى، قال الحاكم في قوله تعالى:(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً .. )«1»
إن معناه: موّه عليه فرأى سوء عمله حسنا. ثم قال: «فإن قيل:
من زين له؟ قلنا: نفسه والشيطان وأقرانه، لأنه ليس في الظاهر أن المزين هو الله تعالى، أما نفسه فتميله إلى الشهوات والشبهات واتباع المألوف والإعراض عن النظر. وأما الشيطان فبإغرائه ووسوسته، وأما أقرانه فبالدعاء إلى اللذات والشهوات»
(1) الآية 8 سورة فاطر، ورقة 138/ و.