الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن هاهنا سجدة واجبة، قال: وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه السورة وسجد.
ومما تدل عليه سورة التكاثر عنده أن كل إنسان يسأل عن عمله، وان ذلك لطف للمكلف، قال:«وروى عن النبي عليه السلام: لا تزول قدما العبد حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن عمله ماذا عمل به» قال الحاكم «فإذا تصور العبد ذلك صرفه عن المعاصي» «1» .
وقال في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ)«2» انها تدل على كراهة النجوى فيما يؤذي مسلما، وقد روي في خبر مرفوع: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. قال الحاكم: فكيف بمن ساءه وتقوّل عليه؟!.
ب) اعتمد الحاكم على الحديث في بيان المجملات والأمور الإخبارية وفي تفصيلات الأمور الغيبية
.
وقد نص هو في تفسيره على أن المجمل في كتاب الله يعرف ببيان الرسول عليه السلام، ونص في موضع آخر على أن في القرآن مجملا يحتاج إلى بيان، ثم قال:«فإذا بينه الله تعالى في مواضع أخرى وبينه الرسول كفى» «3» والشواهد والأمثلة هنا كثيرة أيضا، نورد منها ما يلي:
(1) التهذيب ورقة 154/ ظ.
(2)
الآية 8 سورة المجادلة، ورقة 89/ و.
(3)
التهذيب، ورقة 104/ ظ من الجزء الأخير.
قال في قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ)«1» إنهم اختلفوا في المستثنى- بعد أن فسر الصور بأنه قرن ينفخ فيه إسرافيل كما دلّ على ذلك بخبر مرفوع عن السدّي- فقيل: صاحب الصور اسرافيل. وقيل: جبريل وميكائيل واسرافيل وملك الموت، عن السدي في خبر مرفوع. وقيل هم الشهداء مقلدون أسيافهم حول العرش، روي مرفوعا.
وفي قصة سليمان في تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ)«2» لم يلتفت الحاكم الى روايات كثيرة وصفها بأنها فاسدة، وبأن فيها ما لا يجوز على أنبياء الله، وبأن فيها ما لا يجوز على الله، بل إن فيها ما يقرب من الكفر! وبعد أن أوجز القول في هذه الروايات الفاسدة حكم بتنزيه سليمان عليه السلام بخبر مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الآية، قال الحاكم:«فأما ما يقوله علماؤنا وعلماء التفسير فرووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سليمان قال: أطوف الليلة على مائة امرأة فتلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فطاف فلم تلد إلا واحدة ولدت نصف غلام فجاءت به القابلة فألقته على كرسيه بين يديه، ولو قال إن شاء الله لكان كما قال» والجسد هو نصف الولد، أو الولد المشوّه الميت كما في رواية أخرى.
وفسر الروح في قوله تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها)«3» - في
(1) الآية 68 سورة الزمر، ورقة 15/ ظ.
(2)
الآية 34 سورة ص، التهذيب ورقة 5/ ظ.
(3)
الآية 4 سورة القدر، ورقة 151/ ظ.
سورة القدر- بأنه جبريل، قال:«وعليه أكثر المفسرين، وذكر مرفوعا، وهو قول أبي علي» وفي كلامه على شرف ليلة القدر- التي هي خير من ألف شهر- ووقتها، أورد طائفة كبيرة من الأحاديث، ورجح ما صرّحت به، وهو قول جمهور المفسرين، قال في حديثه عن وقت هذه الليلة:
«قيل: كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفعت» لأن الفضل كان لنزول القرآن فيها وقد انقطع. وقيل بل هو ثابت بعده، وهو قول جمهور العلماء، ثم اختلفوا على قولين- وروي عن أبي الدرداء قلت: يا رسول الله ليلة القدر تكون على عهد الأنبياء؟ قال لا، بل هي إلى يوم القيامة- وقال بعضهم هي في السنة كلها، عن ابن مسعود، وروي نحوه عن أبي حنيفة. وقيل بل هي في شهر رمضان، وعليه الأكثر والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول ابن عمر والحسن وجماعة من العلماء، ثم اختلف هؤلاء أي ليلة هي على ثلاثة أقوال، فقيل أول ليلة، عن أبي رزين، وقيل ليلة سبعة عشر وهي التي صبحتها كانت وقعة بدر، عن الحسن. وقيل هي في العشر الأواخر من شهر رمضان، وعليه الاكثر، والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم التمسوها في العشر الأواخر .. ».
ثم أورد بضعة أحاديث في تحديد بعض أيام هذا العشر، ذهب إلى القول به بعض العلماء، فقال: روى بلال عن النبي صلى الله عليه أنها ليلة أربع وعشرين، وروي عن أنس عن النبي أنه قال: التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: من كان متحريا فليتحرّها في ليلة سبع وعشرين. وروى أبيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليلة القدر ليلة سبع وعشرين. قال الحاكم: «ولعله أخفى ذلك في العشر الأواخر ولم
يطلع عليها أحدا بعينها ليتعبد الناس في جميعها ليستدركوا فضلها
…
وربما أخفاها لنوع من المصلحة كما أخفى الصلاة الوسطى بين الصلوات، واسمه الأعظم في الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، وقيام الساعة؛ حكمة منه ورحمة .. ».
والدخان في قوله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ)«1» معروف المعنى، ولكن ترجيح كونه من علامات الساعة إنما يكون بالخبر، وقد قال بعض
المفسرين في الآية: إن الدخان هو الظلمة التي كانت تغشى المشركين لشدة الجوع حين دعا عليهم النبي وقال: اللهم سنين كسنيّ يوسف! ذكر ذلك عن ابن مسعود والضحاك، وقال ابن عباس وابن عمر والحسن وزيد بن علي: إنه الدخان المعروف، وهو من أشراط الساعة يدخل في مسامع الكفار والمنافقين. قال الحاكم: «والوجه أن يكون يوم القيامة أو يكون من علامات الساعة لقوله صلى الله عليه وآله:
(أول الآيات الدخان ونزول عيسى) ولأنه تعالى أخبر أن دخانا يأتيهم وهو عذاب، وفي سنين القحط ما كان هناك دخان في الحقيقة ولا غشيهم، وإنما كان يتراءى لهم الغبار دخانا لشدة الجوع. وبدل عليه قوله تعالى:
(رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ)«2» واليقين يحصل يوم القيامة لا في الدنيا».
ج) وأخطر مواقف الحاكم من الحديث يتجلّى في تفريقه بين الآحاد والمتواتر فيما يتصل بموضوعات العدل والتوحيد، فما كان في هذا الباب
(1) الآية 10 سورة الدخان، التهذيب ورقة 43/ ظ.
(2)
الآية 12 سورة الدخان.
متواترا قبله، وما كان آحادا رفضه أو أوّله ليطابق ظاهر الآية أو دليل العقل. ويذكرنا تشدد الحاكم هنا بحدته في الرد على المجبرة والمشبهة؛ قال في قوله تعالى:(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)«1» إنها تدل- فيما تدل عليه- على أنه لا يجوز قبول كل رواية، بل يجب التمييز بين الحق والباطل، فتدل من هذا الوجه على أنه لا يجوز قبول أخبار الآحاد التي يرويها المبتدعة والمشبّهة لرئاسة أو جرّ نفع».
وقال في قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى)«2» إن الآيات تدل على أحكام عقلية وشرعية، أما العقليات فتدل على أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا ينتفع أحد بعمل غيره.
قال: فيبطل قول المجبرة في مسائل: أولها قولهم إن أطفال المشركين يعذبون بذنوب آبائهم
…
وعد بعد ذلك ست مسائل تبطلها هذه الآية، ثم قال: «ومتى قيل: أليس روي عن ابن عباس أن الآية منسوخة، وأن الأبناء يدخلون الجنة بصلاح آبائهم؟ وعن عكرمة أن ذلك في ملة إبراهيم وموسى، وأما في ملتنا فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، أو ليس النبي عليه السلام أمر الخثعمية أن تحج عن أبيها، وحديث سعد قال:
هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال نعم!
(1) الآية 79 سورة البقرة، ورقة 106/ و.
(2)
الآيات 36 - 39 سورة النجم، ورقة 74/ و.
وقال في قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ)«1» بعد أن أورد في معنى الزنيم آراء كثيرة: «فأما الزنيم فالأكثر على أنه الدعىّ، ولا شبهة أنه وان كان عيبا فيه فلا عقوبة له بذلك. ثم قال: «ومتى قيل:
أليس روى في الخبر: لا يدخل الجنة ولد زنا ولا ولد ولده، وروي:
لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا. وروي أنه قال في ولد الزنا:
هو شر البلية؟ قلنا: هذه أخبار آحاد لا يعترض بها على ما ثبت بالعقل والقرآن، وقد ثبت أن الأخذ بذنب الغير يقبح، وقد قال تعالى:
(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) فهذا نص. وإن ثبت الخبر الأول فمحمول على ولد بعينه، وكذلك الثالث، فأما الثاني فمعناه أن ولد الزنا يكثر لكثرة الفساد»!
وذكر الحاكم أن عبد الله بن عمر روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما نزل قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)«2» : «إذا لا أرضى وواحد من أمتى في النار» قال الحاكم: وهذا من أخبار الآحاد، وقد
(1) الآية 13 سورة القلم، ورقة 109/ و.
(2)
الآية 5 سورة الضحى، ورقة 149/ و.
قال تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) وقال: (ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ).
ومن شواهد الحاكم البارزة في باب التوحيد- وهي شواهد ليست بالقليلة- هذان الشاهدان:
قال في قوله تعالى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)«1» إن في قوله «هل امتلأت» ثلاثة تفاسير: قيل: خطاب لأصحاب النار فإنه أخبرهم بأنه يملؤها بقوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) بحيث لا مزيد، فيقول يومئذ (هل امتلأت) ليقرّوا بصدق رسوله، وقيل:
بل خطاب لخزنة جهنم بأنها هل امتلأت، فيقولون بلى لم يبق موضع لمزيد ليعلم الخلق صدق وعده- وهو قول الحسن- وقيل بل هو إخبار عن امتلاء جهنم بحيث لا مزيد عليه لا أن هناك خطابا. أما قوله تعالى:
(وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) فقد أورد فيه الحاكم أيضا بضعة تفاسير، منها أن معناه: لا مزيد، قال الحاكم:«وهو قول أكثر المفسرين، وقول أبي علي، وهو الوجه لقوله تعالى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) ثم قال: «فأما ما ترويه الحشويّة والمشبّهة أنه لا تمتلئ حتى يضع الجبار قدمه فيها فتقول قط قط! - ويروى رجله- فلا يصح من وجوه: منها أن فيه إثبات عضو لله تعالى. ومنها أنه تعالى وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس لا من رجله!! ومنها أنه يوجب كون رجله في النار أبدا» ثم قال:
«وقد تأوله بعضهم وقال: المراد قدمه يعني: من قدّمه الله تعالى
(1) الآية 30 سورة ق، التهذيب ورقة 65/ و.
إلى النار، قال، والمراد برجله جماعة من الناس. وفيه نوع تعسف!». «1»
وقال في قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ)«2» إن المراد بالزيادة ما كان من جنس الحسنى المتقدمة، وهو النعيم لأن إطلاق هذه الكلمة بعد تقدم ذكر بعض الأمور يقتضي أن الزيادة من ذلك الباب بالتعارف، قال:«وأما من حمل الزيادة على الرؤية فقد اخطأ لوجوه: منها: أن حجج العقل والسمع دلت على أنه تعالى لا يجوز عليه الرؤية. ومنها: أنه ليس في الآية من ذكر الرؤية شيء. ومنها: أنه لو كان المراد بالزيادة الرؤية لكانت هي الأصل لا الزيادة! وما يروونه من أحاديث الرؤية من أخبار الآحاد فلا يصح قبول ذلك فيما طريقه العلم، وخبر تفسير الزيادة بالرؤية لا يثبت عند الرواة، وقد روي عن علي عليه السلام في تفسير الزيادة انها تضعيف الحسنات» «3» .
وهكذا يمضي الحاكم في سائر السور والآيات في موقفه من أحاديث الرؤية، وسائر الأحاديث التي تخل بمبدإ العدل والتوحيد، سواء سلكها المحدّثون في الأحاديث الصحاح أم الحسان أم غير ذلك، لأن جميع
(1) ليس كل من روى الحديث- وهو في الصحاح- مشبه أو حشوي، وفي تأويله- ولم يوصد الحاكم فيه هذا الباب- وجوه أخرى ليس فيها تعسف.
راجع فتح الباري 8/ 483.
(2)
الآية 26 سورة يونس.
(3)
التهذيب ورقة 65.
أخبار الآحاد عنده لا توجب العلم ولا يقضى بها على ما ثبت بالقرآن والعقل.
د) خبر الواحد وأسباب النزول: وقد اتخذ الحاكم هذا الموقف من خبر الواحد في «أسباب النزول» فلم يقبل منها ما يخالف أصلا من أصول العدل والتوحيد. وقد سبقت الإشارة في الأمثلة السابقة إلى بعض أسباب النزول، إلا أننا نقف هنا على بعض المسائل الهامة التي آثارها الحاكم في تفسيره، والتي لا يخلو نظره فيها من الفائدة والاعتبار:
حول سحر الرسول: قيل في سبب نزول المعوذتين إن لبيد بن أعصم اليهودي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مرض فجاءه ملك وهو بين النائم واليقظان فأخبره بذلك وأنه في بئر، وبعث عليا والزبير وعمارا فنزحوا ماء البئر فوجدوا صخرة فرفعوها وأخرجوا منها شيئا عقدوا عليها وغرزوا بالإبرة- فأنزل الله تعالى السورتين- فقرئ عليه فوجد خفة كأنما نشط من عقال، وجعل جبريل يعوده. قال الحاكم:
ورووا ذلك عن عائشة وابن عباس. ورووا أن بنات لبيد بن أعصم سحرنه
…
وقد عقب الحاكم على هذه الروايات بقوله: «ونحن لا ننكر أن يكونوا سحروه وعقدوا له تلك العقد واعتقدوا أنهم يؤثرون فيه كما يعتقده كثير من جهال الناس الآن!! ولكن الذي ننكره أن يكون المرض منهم ومن تأثيرهم، ولو قدروا على ذلك لقتلوه وقتلوا كثيرا من المؤمنين لشدة عداوتهم لهم، ولأن القادر بقدرة لا يصح أن يفعل إلا بمماسة ولم توجد! ولأن المرض على ما يصفونه ليس بمقدور للبشر.» قال الحاكم: «ويجوز أنهم فعلوا ذلك على حسب اعتقادهم، وأخبر به رسول
الله صلى الله عليه وسلم فأمر من يخرجه فكانت معجزا له، وقد قال تعالى:(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ): (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى)، فكيف تنفذ حيلهم مع هذا؟» «1»
وهذا آخر ما انتهى إليه رأي الحاكم في مسألة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، أو في رواية لبيد هذه. وقد عرض للموضوع عند كلامه على السحر في قصة هاروت
وماروت، فقال: وما روي أن النبي سحر حتى كان لا يدري ما يقول فغلط عظيم!
…
وهذا القول يشبه قول الكفار حيث قالوا: (إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) ونعوذ بالله من الخذلان. وقال أيضا: «ورووا أكثر من هذا، قالوا: سحر النبي فمرض، وقال: إني ليخيل إلي أني أقول الشيء وأفعله ولم أقل ولم أفعله! وهذا كله أباطيل وترهات لا يجوز على الله ولا على رسوله لأنه يبطل المعجزات .. » «2» .
إيمان أبي طالب: قال الحاكم في قوله تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ)«3» : قيل نزلت في أبي طالب، وذلك أن رسول الله صلى لله عليه أحب إسلامه وإسلام أهل بيته، وكان يغمه كفرهم، ففي ذلك نزلت الآية. وروي عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد أنه كان يحب إسلام أبي طالب فنزلت هذه الآية، وكان يكره إسلام وحشي قاتل حمزة فنزلت هذه:(قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)
(1) التهذيب ورقة 160.
(2)
التهذيب ورقة 133.
(3)
الآية 56 سورة القصص ورقة 54/ و.
وذكروا أن أبا طالب لم يسلم وأسلم وحشي، قال الحاكم:
«وهذه رواية غير صحيحة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب إيمانه، والله تعالى كان يحب إيمانه، لأن رسول الله لا يخالف في إرادة الله كما لا يخالف في أوامر الله، وكان لأبي طالب عند النبي صلى الله عليه وسلم أيادي مشكورة عند الله تعالى، وقد روي أنه أسلم، وفي إسلامه إجماع أهل البيت عليهم السلام، وهم أعلم بأحواله، ومن حديث الاستسقاء أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لله درّ أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه) ولا يجوز لكافر: لله دره! وكيف تقر عينا كافر بمعجز رسول الله صلى الله عليه وآله؟. وقد روى أن النبي دعاه فأسلم.
وما يروون أن عليا قال: إن عمك الضال قد مات، وقال النبي: فواره! فإنه لا يليق بكلام النبي فيه، ولا بكلام علي في أبيه! فهو من روايات النواصب.»
قال الحاكم: «فالقوم يقولون إنه لم يرد إيمان أبي طالب وأراد كفره، والنبي عليه السلام أراد إيمانه- وهذا مخالفة بين الرسول والمرسل- فنزلت الآية، فعلى روايتهم واعتقادهم الفاسد كأنه تعالى يقول: إنه يحيل إيمانه
…
مع محبته لك وعظم نعمته عليك، وتكره إيمان وحشي لقتله عمك حمزة، ولكن خلقت فيه الإيمان! وهذا نوع مغالطة واستخفاف لا يليق بالرسول» فإذا بطل أن يكون هذا سببا لنزول هذه الآية فالصحيح أنها نزلت في جميع المكلفين، «كأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب هدايتهم جميعا، وكان حريصا على إيمانهم، ويغمه كفرهم، فنزلت الآية» .
حول تأخر نزول الوحي: ذكر الحاكم في سبب نزول سورة الضحى عدة روايات جوّز بعضها ومنع بعضها الآخر، قال ابن عباس
وقتادة والضحاك وجماعة من المفسرين: إن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة فاغتم لذلك وقال قوم من المشركين إن رب محمد قد قلاه، فأنزل الله تعالى هذه السورة. وذكر الأصم أن المشركين تجمعوا عليه عند تأخر الوحي وهو في الكعبة فتناولوه فأكب أبو بكر عليه وقال:
(أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ .. ) فأنزل الله تعالى هذه السورة، قال الحاكم في التعقيب على هاتين الروايتين:«وهذا وإن كان من أخبار الآحاد فلا مانع منه لأن الوحي إنما ينزل للمصلحة فقد تكون المصلحة في تأخيره» . وذكر بعد ذلك روايتين أخريين كذبهما ونسبهما إلى المشركين والملاحدة، قال: «وروى أنه لما تأخر الوحي شكا إلى خديجة وقال:
ودّعني ربي وقلاني، فنزلت السورة» قال:«وهذا لا يصح لأنه صلى الله عليه وسلم أعلم بالله وبنفسه من أن يظن هذا الظن، لأنه خصه بالنبوة فلا يجوز أن يودعه ويقليه، ولأنه يعلم أن الوحي قد يتقدم ويتأخر» قال الحاكم: «وما روي أيضا أنه قال لخديجة: خشيت أن أكون كاهنا! فهذا من دسيس الملحدة حيث رووا أنه كان في شك من أمره ليشككوا الناس، فلا ينبغي أن يقبل ذلك» . أما سبب تأخير الوحي فقد ذكر فيه الحاكم أيضا عدة روايات، ثم عقب عليها، قال: «واختلفوا في سبب تأخير الوحي، فقيل: لتركه الاستثناء لما سئل عن حديث أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فقال: سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله- وهذا هو معنى الاستثناء- عن جماعة. وقيل: قال ليلة المعراج: سخّرت الحديد لداود، والنار لإبراهيم، فأنزل الله تعالى:(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى .. ) إلى آخر السورة. وروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: