الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 - اكتساب المعارف
أما اكتساب المعارف فقد بناه الحاكم على مذهبه في وجوب النظر، وتحريم التقليد، وصحة الحجاج في الدين.
أ- وجوب النظر وأنه تعالى إنما يعرف باكتساب: أول ما يجب على المكلف عند المعتزلة: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة فيجب أن يعرف بالتفكير والنظر، قال الحاكم في قوله تعالى:(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ)«1» إن الآية تدل على وجوب نظر الإنسان في نفسه وتراكيبه وصغورته وتنقله من حال إلى حال ليعلم أن له صانعا ومدبرا. ثم قال: «ومتى قيل: ما أول ما يجب عليه؟ قلنا: النظر في طريق معرفته تعالى، لأنه لا شيء من العلم والعمل إلا وصحته موقوفة على معرفة الله تعالى» .
وقد حكم الحاكم أيضا بوجوب النظر من الآيات الكثيرة التي تأمر بالتفكر في خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان والحيوان، وتلفت النظر إلى السنن الكونية ومظاهر قدرة الله تعالى في الكون
…
وقال في هذه الآيات إنها كما توجب النظر في الأدلة، فإنها تدل على النعمة، وتدل على «صانع عالم قادر منعم» «2» .
(1) الآية 5 سورة الطارق، ورقة 141/ ظ.
(2)
انظر تفسيره للآيات 60 - 65 من سورة النمل، ورقة 33، وللآية 17 من سورة الغاشية، ورقة 144/ و، والآية 24 من سورة عبس، ورقة 135/ و.
والذي يود الحاكم تأكيده من وقوفه الدائب أمام هذه الآيات هو أن يثبت أن الله تعالى إنما يعرف بأفعاله، وأن هذه الأفعال دالة عليه وعلى صفاته، «إما بنفسه ككونه قادرا عالما، أو بواسطة ككونه حيا سميعا بصيرا» كما قال في تفسيره لقوله تعالى: (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ)«1» وقال في قوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ)«2» إن الآية تدل على وجوب النظر وفساد التقليد، وأنه تعالى يعرف بأفعاله.
ب- فساد التقليد: ولما قال الحاكم بوجوب النظر، حكم بفساد التقليد لأنه قد يؤدي إلى جحد الضرورة، لأن تقليد من يقول بقدم العالم مثلا ليس بأولى من تقليد من يقول بحدوثه- والقول بهما أو بغيرهما محال- إلا أنّ الحاكم هنا يشتد على الذين يذهبون إلى التقليد ويحمل عليهم حملة شعواء لا يزيد عليها إلا حملته على المجبرة، ويقف في كلا الحالتين أمام آيات كثيرة قد لا يجد غيره من المفسرين فيها ما يجده هو من الرد على هؤلاء.
ونبدأ معه بتفسيره لقوله تعالى- في مطلع سورة الجن- (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً)، فبعد أن شرح
(1) الآيات 9 - 12 سورة فصلت، ورقة 25/ و.
(2)
الآية 20 سورة الذاريات، ورقة 67/ و.
معنى «الظن» وأجمل معنى الآية: قال: والآية تدل على أنهم كانوا مقلّدة قلّدوا على ظن حتى سمعوا القرآن والحجة، وانكشف لهم الحق وصحة ما قالوا، فرجعوا متعجبين مما كانوا عليه. ثم قال:«وهذا كرجل يرى شيخا على كرسي متطيلسا متعمما متحنكا! وحوله القيام من الناس وهو يبكي ويتضرع ويعلم الناس الجبر والتشبيه، فظن أنه على شيء وأنه لا يكذب على الله، فإذا ظهر له بالدليل كذبه وبهته يتعجب ويقول: ما ظننت أن مثل هذا يكذب على الله! كذلك هؤلاء» ثم قال: «وفي هذا إشارة إلى بطلان
التقليد، ووجوب اتباع الحجة» «1» .
وقال في قوله تعالى: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً) - وهي الآية التي تلي الآية السابقة بآية واحدة- «إنها تدل على أن اعتقادات المبطلين تبنى على الظنون دون العلم اليقين» .
ثم إنه يرى في جميع الآيات التي تنعى على الكفار وأهل الجاهلية تقليد آبائهم واتباع ما وجدوهم عليه، ما يدل على ذم التقليد وتحريمه، وأنه مفزع الجهّال من الحجة، وأنه- على الدوام- عادة الكفار وأهل البدع، قال في قوله تعالى:(بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ)«2» إن الآيات تدل «على
(1) التهذيب، ورقة 117/ و.
(2)
الآيات 22 - 24 سورة الزخرف، التهذيب، ورقة 38/ و.
ذم التقليد وبطلانه، وأن الواجب اتباع الدليل، لأن التقليد لا يميز الحق من الباطل. وتدل على أن الواجب التفكر ليعلم الهدى فيتبعه».
وقال في قوله تعالى: (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ، قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ)؟! «1» إن الآية تدل على فساد التقليد، لأنه تعالى بين أن اتباع الآباء بمنزلة اتباع الشيطان. قال الحاكم: «وهذا الذي يقوله المتكلمون:
لو كان التقليد صحيحا لم يكن تقليد واحد أولى من تقليد آخر!».
وقال في قوله تعالى: (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً)«2» إنهم لما أعجزتهم الحجة فزعوا إلى تقليد الآباء. قال: «وتدل الآية على ذم التقليد وأن ذلك عادة الكفار وأهل البدع. وتدل على صحة الحجاج في الدين، والتحاكم إلى ما في العقول، وطريق معرفة الحق في الأدلة» .
ج- ضرورة البرهان وصحة الحجاج في الدين: وقوله بضرورة البرهان هو الوجه الآخر لتحريمه التقليد، حتى إنه قد استدل عليه بكثير من الآيات التي استدل بها على تحريم التقليد، كما في بعض الشواهد السابقة.
ولكنه ذكره في مناسبات أخرى كثيرة أيضا، وذكر أن قبول المخاريق ليس من عادة العلماء، ولكنه عادة العوام؛ قال في قوله تعالى:
(1) الآية 21 سورة لقمان، ورقة 87/ و.
(2)
الآية 43 سورة سبأ، ورقة 133/ ظ.
(قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)«1» إنه يدل على أن كل مذهب لا دليل عليه فهو باطل. وفسر قوله تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ)«2» بأنهم قبلوا من فرعون مخاريقه، ولم يقبلوا من موسى حقائقه، ثم قال:
«وهكذا حال العوام والجهال في كل زمان» .
وقال في قوله تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ. وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ)«3» إن الآية تدل على جواز المحاجة في الدين- وبطلان التقليد- لأن الله تعالى أمر عند محاجة القوم بالجواب. وشرح وجه دلالتها على ذلك بقوله:
«ووجه الاحتجاج في (أسلمت) من وجهين: أحدهما: ذكر الأصل الذي يلزم الكل الإقرار به من حيث دلت الحجج عليه. والثاني: إلزامهم ما أقروا به من أن الله تعالى خالقهم فيلزمهم اتباع أمره، فلذلك قال:
أسلمت وانقدت لأمره في إخلاص التوحيد له».
ويقف الباحث على الضيق الذي كان يستبد بالحاكم بسبب تلبيس أهل الباطل والبدع وتمويههم على العوام، حين يعوزهم الدليل والبرهان، ففي قصة موسى مع فرعون- في سورة الشعراء- حين دعي موسى إلى منازلة السحرة: (قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ. يَأْتُوكَ
(1) الآية 64 سورة النمل، ورقة 34/ و.
(2)
الآية 54 سورة الزخرف، ورقة 40/ ظ.
(3)
الآية 20 سورة آل عمران، ورقة 12/ ظ.
بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ. فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
…
) «1» يقول الحاكم: وقيل إن فرعون انقطع عن الحجة فموّه على قومه بأنه- موسى- ساحر يريد الملك والمال وإخراجهم فأغرى العامة به، ثم قال:«وهكذا فعل كل مبطل، إذا أعيتهم الشبه عدلوا إلى اغراء العامة بأهل الحق» .
وقال في قوله تعالى: (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ)«2» - في قصة إبراهيم عليه السلام إنهم لما أعجزتهم الحجة عدلوا الى الوعيد بالقتل والحريق. ثم قال: «وهكذا حال الجاهلية والمبتدعة اذا أعيتهم الحجة عدلوا إلى السفاهة والوعيد» . ومن هنا تراه يقول في تفسير الموقف في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ، فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ)«3» إن موسى لما أظهر معجزاته، وهي اليد والعصا ضحكوا استهزاء واستخفافا، ثم يقول:«وهذا فعلوه بعد غيبة موسى تلبيسا على العوام وإلا ففي حال ما رأوا لحقهم من الخوف والدهش ما لم يمكنهم معه الاستهزاء!» .
د- اكتساب المعارف: وقد جعل الحاكم قوله باكتساب المعارف مبنيا على وجوب النظر وتحريم التقليد وضرورة البرهان، ولعل من فضول القول أن يذكر أنه أكثر من الحديث عن هذه المسألة في أكثر هذه المواضع وفي مواضع أخرى من كتابه، ولم يعف نفسه من الإشارة
(1) الآيات 36 - 38، وانظر الآيات التالية، التهذيب، ورقة 6/ ظ.
(2)
الآية 24 سورة العنكبوت، التهذيب ورقة 49/ و.
(3)
الآية 47، سورة الزخرف.
إليها في المواضع المتماثلة والمتشابهة على الرغم من قلة المخالفين لرأي الحاكم- أو الموافقين لرأي الجاحظ- فيما نعلم. ولولع الجاحظ بالحديث عن ضرورة المعارف وجه معقول إذا ثبت أنه أول من ذهب الى هذا القول، في حين أن الذين ذهبوا الى نقض «نظرية» الجاحظ قبل الحاكم كثيرون، إلا أن يقال: إن الحاكم أخذ على نفسه «استقصاء» الردود عليها حيثما وجد الى ذلك سبيلا من كتاب الله تعالى. انظر مثلا الى تعقيبه على الآيات الأولى من سورة القمر: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ، وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ، حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ) بعد أن ذكر أن الآيات تدل على ذم المعرض عن الأدلة، ووجوب التفكر، حيث قال:«وتدل أن اتباع الهوى في الدين مذموم، وليس بعده الا اتباع الأدلة، وذلك يدل أن المعارف مكتسبة!» «1» فقد وصل إلى تحقيق رأيه في كسب المعارف من وجوب اتباع الأدلة- وهذا من رأيه على الدوام- ووصل إلى وجوب اتباع الأدلة من دلالة الآية على أن اتباع الهوى مذموم!
أما النصوص القرآنية الدالة على الله تعالى وعلى حكمته، والتي نصبت أدلة ليتفكر بها، فدلالتها عنده على أن المعارف غير ضرورية كدلالتها على وجوب النظر، كلاهما لا يقبل الجدل «2» ، «لأنها لو كانت
(1) ورقة 75/ ومن التهذيب.
(2)
انظر تفسيره لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً) - الآية 13 سورة غافر- في التهذيب ورقة 19/ وو انظر في هذا الجزء الأوراق 83/ ظ، 46/ و، 22/ ظ.
ضرورة لكان نصب الدليل عبثا!» كما عقّب على الآيات الخمس الأولى من سورة الجاثية.
وقبل أن نمضي معه في بعض «النماذج» القرآنية الأخرى التي «يحقق» فيها مذهبه في اكتساب المعارف، نودر فيما يلي نصين هامين يوضحان مذهب الجاحظ في ضرورتها، أحدهما أورده الشريف المرتضى نقلا عن مقالات الكعبي. والثاني أورده الحاكم نفسه وهو بسبيل التفريق بين «أصحاب المعارف وأهل التجاهل». قال البلخي: «تفرّد الجاحظ بالقول بأن المعرفة طباع، وهي مع ذلك فعل للعباد على الحقيقة. وكان يقول في سائر الأفعال إنها تنسب إلى العباد على أنها وقعت منهم طباعا وإنها وجبت بإرادتهم. وليس بجائز أن يبلغ أحد فلا يعرف الله تعالى.
والكفار عنده بين معاند وبين عارف قد استغرقه حبّه لمذهبه وشغفه به وإلفه وعصبيته، فهو لا يشعر بما عنده من المعرفة بخلافه» «1» .
(1) أمالي المرتضى 1/ 195.
(2)
شرح العيون 1/ ورقة 3.
والذي يعنينا هنا من هذين النصين: أن القول بأن المعرفة طباع لا يناقض القول بحرية الإرادة عند المكلف، وهو الأمر الذي لا يتصور الحاكم خلافه. كما يعنينا أيضا أن نظرية الجاحظ لا تناقض النظر، أو تمنعه، بل توجبه كما يقرر ذلك الحاكم نفسه، ولهذا كان اعتماد الحاكم على الآيات التي توجب النظر وتنهى عن التقليد، في الدلالة على
مذهبه في المعارف وفي الزراية برأي الجاحظ، أمرا يحتاج إلى المراجعة، بغض النظر عن «طريق» حصول المعرفة بعد ذلك!
ولهذا ترى أن الآيات القرآنية الكثيرة التي أسندت إلى العباد الشك والجهل والظن وعدم الفهم هي التي «حققت» للحاكم رأيه الذي دأب عليه في اكتساب المعارف، ولو كان الأمر على ما يقول الجاحظ لما جاز نسبتهم إلى غير الانكار والتكذيب والمعاندة واللجاجة. ولم يفت الحاكم بالطبع الوقوف عند هذا النوع من الآيات والتعليق عليها بإيجاز، قال في قوله تعالى:(ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ)«1» إن قوله «تمترون» يدل على بطلان قول من يقول إن لمعارف ضرورية.
وقال في قوله تعالى: (وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)«2» إن أبا علي قال إن قوله «اشمأزت» يدل على أن المعارف مكتسبة.
(1) الآيتان 49 - 50 سورة الدخان وانظر التهذيب 45/ و.
(2)
الآية 45 سورة الزمر. وانظر التهذيب ورقة 13/ و.
وحقق الحاكم ذلك في موضعين من قوله تعالى: (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ، وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)«1» في قوله: «وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ» وقوله:
«إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» .
وقال في قوله تعالى: (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا، بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا)«2» إن قوله «يَفْقَهُونَ» يدل أن المعارف مكتسبة، وقال ذلك أيضا في قوله تعالى:(وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)«3» وقوله: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ)«4» وقوله (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)«5» . وقد قال في قوله تعالى:
(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)«6» إن الآية تدل على بطلان قول أصحاب المعارف «لأنه بين أنهم لا يعلمون الكتاب إلا قراءة وتلاوة! ثم حقق؟؟؟ ذلك بقوله (يظنون)، ولو عرفوا الحق ضرورة لما صح وصفهم بذلك» .
ويبدو أن وقوفه الدائب أمام الآيات التي ورد فيها نسبة الظن إلى المكلفين هو الذي أوحى له بمثل التعقيب التالي على هذه الآيات:
(1) الآية 24 سورة الجاثية. وانظر التهذيب ورقة 47/ ظ.
(2)
الآية 15 سورة الفتح. وانظر التهذيب ورقة 57/ ظ.
(3)
من الآية 47 سورة الطور. وانظر التهذيب ورقة 71/ و. وراجعه أيضا ورقة 22/ ظ.
(4)
الآية 66 سورة النمل. التهذيب ورقة.
(5)
من الآية 23 سورة النجم. التهذيب ورقة 72/ ظ.
(6)
الآية 78 سورة البقرة. التهذيب ورقة 105.