الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأوّل تفاسير المعتزلة قبل الحاكم
حفل القرنان الثالث والرابع السابقان لعصر الحاكم بتفاسير اعتزالية كثيرة، ولا سيما القرن الرابع الذي شهد عدة «موسوعات» اعتزالية في التفسير، وقد عني المعتزلة بتفسير القرآن في وقت مبكر نوعا بعد اكتمال نشأتهم وأصول مذهبهم، وإن كان المتقدمون منهم إنما عنوا في المقام الأول بتفسير الآيات المتشابهة بخاصة حتى أفردوها بالتصنيف وقدّموا القول في تأويلها على القول في سائر آيات الكتاب الكريم، ويبدو أن الذي حملهم على هذا أن الخلاف في فهمها وتأويلها هو أساس الخلاف بينهم وبين سائر الفرق الأخرى- التي كانوا يتعرضون لجدالها بصورة دائمة- إلى جانب ما عرفوا به من الدفاع عن الاسلام «إزاء الدهريين ومنكري النبوة والنصارى واليهود والصابئة وأصناف الملاحدة» «1» الذين كانوا يرمون الكتاب بالاختلاف، ويتتبعون المتشابه طلبا للفتنة وابتغاء التأويل بالباطل، ومن هنا
(1) من مقدمة الشيخ زاهد الكوثري رحمه الله لكتاب تبيين كذب المفتري لابن عساكر، في حديثه عن دفاع متقدمي المعتزلة عن الإسلام إزاء هؤلاء.
انظر مقدمة الكتاب المذكور صفحة 18.
نجد أن مؤلّفا اعتزاليا قديما في تفسير المتشابه- لعله أقدمها كذلك- يحمل في عنوانه طابع الرد على هؤلاء المنكرين، وهو كتاب:(الرد على الملحدين في متشابه القرآن) لمحمد بن المستنير النحوي، الشهير بقطرب المتوفى سنة 206 «1» .
وأيا ما كان دافع المعتزلة إلى الكتابة في هذا الباب الذي سبقوا إليه فيما يبدو، فقد قدموا التصنيف فيه- ولو لوقت قصير- على التصنيف في التفاسير الكاملة والمطولة، فكتب فيه بشر بن المعتمر رئيس معتزلة بغداد المتوفى في حدود سنة 210 «2» ، ومحمود بن حسن الورّاق، الذي عده الحاكم فيمن ذهب إلى العدل من الشعراء وأئمة اللغة، والذي توفي في حدود سنة 230 «3» وأبو الهذيل العلاف رأس الطبقة السادسة من طبقات المعتزلة المتوفى سنة 235 «4» وجعفر بن حرب المتوفى سنة 236 «5» ،
(1) انظر الفهرست لابن النديم صفحة 38 الطبعة الأوربية، وإنباه الرواة للقفطي 3/ 219 - 220 وبغية الوعاة للسيوطي 1/ 242، وفيه أنه «كان يرى رأي المعتزلة النظامية» . وقد ولد واصل بن عطاء، شيخ المعتزلة الأول وقديمها كما يقول المسعودي سنة 81 وتوفي سنة 131. مروج الذهب 3/ 54.
(2)
راجع الفهرست ص 38 والتبصير في الدين للأسفراييني ص 71 وشرح العيون 1/ ورقة 93.
(3)
انظر شرح عيون المسائل 1/ ورقة 164 - 165 وفوات الوفيات 2/ 562.
(4)
انظر شرح العيون 1/ ورقة 87 - 92 وأمالي المرتضى 1/ 178.
(5)
انظر شرح العيون 1/ ورقة 103 - 105 وتاريخ بغداد 76/ 162 - 163.
كما أفرده بالتصنيف فيما بعد أبو علي الجبائي (ت 303) والقاضي أبو بكر ابن الخلّال من رجال أواخر القرن الرابع «1» والقاضي عبد الجبار (ت 415) وغيرهم. ولكن المعتزلة من متأخري رجال طبقة أبي الهذيل نفسه لم يلبثوا أن أقدموا على وضع المصنفات المطولة في تفسير القرآن، كما فعل أبو بكر الأصم وموسى الأسواري وعمرو بن فائد، تبعهم بعد ذلك عدد كبير من رجالهم في هذا القرن والقرن الذي يليه.
ونذكر في هذا الفصل أهم مصنفات المعتزلة في التفسير قبل الحاكم، ونعرّف بإيجاز بما وصل إلينا منها، وهو عدد خطي لا بأس به، بل لعله على جانب كبير من الأهمية في الواقع، وبخاصة وأنه لما يسبق الحديث عنه. وسوف ندرك من وقوفنا على تفاسير أخرى قيمة لم تصل إلينا، مدى قيمة كتاب مصنفنا الحاكم رحمه الله، الذي كان يديم النقل عنها، كما سنفصل ذلك عند الكلام على مصادره في الفصل التالي.
1 -
تفسير الامام القاسم بن إبراهيم الرّمّي (169 - 246)، واضع أسس الدولة الزيدية باليمن كما تقدم، وقد نعته الحاكم بنجم آل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمبرّز في أصناف العلوم «2» وينعته الزيدية بأمير المؤمنين والامام الأعظم المجدد للدين بعلمه الجم «3» وله كتاب في تفسير القرآن، وآخر في الناسخ والمنسوخ، وكتب أخرى في الفقه وعلم الكلام ورسائل
(1) انظر الفهرست ص 36 و 87.
(2)
انظر شرح عيون المسائل 1/ ورقة 140.
(3)
انظر إتحاف المهتدين بذكر أئمة اليمن المسترشدين للمؤرخ ابن زبارة ص 41.
كثيرة في الرد على المجبرة والنصارى، وفي تفسير العرش والكرسي، وفي الامامة وسياسة النفس وغير ذلك «1» قال الحاكم: «وكتبه مشحونة بالتوحيد والعدل، وكذلك أولاده كلهم قائلون بالعدل والتوحيد، فمنهم محمد بن القاسم، وله كتب في التوحيد ككتاب البساط وكتاب الأصول
…
) «2» .
2 -
تفسير الإمام محمد بن القاسم المذكور، وسوف نتحدث عنه وعن تفسير أبيه القاسم مع تفاسير ثلاثة من الأئمة الآخرين، نذكرها الآن، لأنه قد وصلنا من هذه التفاسير
الخمسة (مجموع) واحد على هيئة ملخص دقيق، قام بعمله بعض العلماء المتقدمين.
3 -
تفسير الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (245 - 298) أحد أحفاد الإمام القاسم، ويذكر بعض المؤرخين أن الإمام الهادي كتب تفسيرين:«استكمل في أحدهما القرآن، وبدأ فيه بسورة الحمد، ثم بسورة الناس، والثاني في مجلد ضخم!» إلى جانب تفسير كامل لغريب القرآن «3» والمجموع الذي بين أيدينا اليوم من كلام الإمام الهادي في التفسير، يدل على أن صاحبه ينقل من تفسيره الكامل. والإمام الهادي في اليمن أشهر من نار على علم كما يقولون، وهو الملقب بصاحب اليمن، قال الحاكم: «وكان موصوفا من أيام صباه بفضل القوة والاشتغال بالعلم
(1) انظر أفلام دار الكتب رقم 357، 318، 324، 349 313 ب.
(2)
شرح العيون 1/ 141.
(3)
انظر كتاب أئمة اليمن لمحمد بن زبارة 1/ 6.
والتوفر عليه، وكان بمحل عظيم من الزهد» «1» وله مصنفات كثيرة بلغت- كما أحصاها الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة- نيفا وأربعين مصنفا، وكان له مع القرامطة في اليمن أكثر من تسعين وقعة «2» وقد جمع بعض العلماء سيرته الخاصة من أعيان أصحابه وأعاظم رجاله وقواده، في مجلد كبير «3» وقد غلب أتباعه على الزيدية- بعد ظهوره- في الأصول والفروع، قال يحيى بن الحسين: «والهادي له مذهب مستقل لنفسه
…
وحصل الزيدية على مقتضى مذهبه ونصوصه، ولم يبق لمذهب زيد بن علي الأول في الأصول والفروع منهم متابع أصلا» «4» ثم يقدم لنا يحيى بن الحسين هذا النص الهام فيقول:«وكان شيخ الهادي في الأصول أبا القاسم البلخي المعتزلى، فعليه أخذ الأصول وعلم الكلام، فلذلك ترى أقواله في الأصول متابعة لأبي القاسم في الغالب. وأما الفروع فاستقل باجتهاده فخالف زيد بن علي في مذهبه ولم يتقيد لأقواله التي تضمنها مجموع الفقه الكبير لزيد بن علي» «5» .
4 -
تفسير الإمام المرتضى لدين الله أبو القاسم محمد بن الإمام الهادي يحيى بن الحسين (278 - 310) ويقع في سبعة أجزاء، نقل منها كثيرا
(1) شرح العيون 1/ 141.
(2)
انظر إتحاف المهتدين ص 42.
(3)
انظر فيلم دار الكتب رقم 124 ح.
(4)
الطبقات الزهر لوحة 4.
(5)
المصدر السابق.