المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌2 - الرد على المجبرة - الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير

[عدنان زرزور]

فهرس الكتاب

- ‌حوار مجلة الفرقان مع الدكتور عدنان زرزور

- ‌(نحو جيل قرآني)

- ‌(أسباب النزول)

- ‌(قضية الإعجاز العلمي)

- ‌(التفسير الموضوعي)

- ‌(بين سيد قطب والشعراوي)

- ‌(الحرب ضد القرآن)

- ‌بين يدي الكتاب

- ‌ 1

- ‌ 2

- ‌ 3

- ‌ 4

- ‌ 5

- ‌ 6

- ‌ 7

- ‌ 8

- ‌مقدّمة

- ‌وبعد:

- ‌أولا: الحالة السياسيّة

- ‌1 - البويهيون

- ‌2 - الغزنويون

- ‌3 - السلاجقة

- ‌4 - الفاطميون

- ‌5 - الباطنية

- ‌6 - الزيدية

- ‌6 - ملوك الطوائف في الأندلس

- ‌7 - الحروب الصليبية

- ‌ثانيا: الحالة الدينية

- ‌1 - المعتزلة

- ‌2 - الأشاعرة

- ‌3 - الصوفية

- ‌ثالثا: أثر الحالة السّياسيّة والدينيّة في الحياة العامة

- ‌1 - الفتن السياسية

- ‌2 - فتن أرباب العقائد

- ‌3 - منازعات الفقهاء

- ‌رابعا: حركة التأليف في التفسير وعلم الكلام

- ‌1 - التفسير

- ‌أما أهم التفاسير المطولة التي وصلتنا فهي:

- ‌2 - علم الكلام

- ‌[اهم مصنفات المعتزلة في علم الكلام]

- ‌الفصل الأوّل حياة الحاكم

- ‌اولا: اسمه ونسبته

- ‌ثانيا: ولادته ونشأته:

- ‌ثالثا: وفاته

- ‌رابعا: شيوخه:

- ‌خامسا: تلامذته:

- ‌سادسا: عقيدته ومذهبه

- ‌رأي الزيدية في الإمامة

- ‌الفصل الثاني آثاره

- ‌اولا: في تفسير القرآن

- ‌1) التهذيب في التفسير

- ‌2) تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين

- ‌3) التفسير المبسوط

- ‌4) التفسير الموجز

- ‌1 - و (التهذيب)

- ‌2 - تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين:

- ‌ثانيا: في علم الكلام

- ‌1 - التأثير والمؤثر:

- ‌2 - شرح عيون المسائل

- ‌ثالثا: في الحديث

- ‌رابعا: في التاريخ

- ‌خامسا: في الفقه

- ‌سادسا: في العلوم الأخرى

- ‌سابعا: تعقيب عام حول ما وصل الينا من كتب الحاكم رحمه الله

- ‌الفصل الأوّل تفاسير المعتزلة قبل الحاكم

- ‌حول هذه التفاسير الخمسة:

- ‌الفصل الثاني مصادر الحاكم في التفسير

- ‌أولا: الحاكم وتفاسير المتقدمين

- ‌ثانيا: مصادره السلفية

- ‌1 - عمده من هذه المصادر:

- ‌2 - أمثلة وشواهد:

- ‌ثالثا: مصادره الاعتزالية

- ‌1) بين هذه التفاسير والتفاسير السابقة:

- ‌2 - عمده الرئيسية من هذه التفاسير، وموقفه من تفسير القاضي:

- ‌رابعا: نقوله العامة أو المبهمة

- ‌خامسا: حول طريقته في الافادة من المصادر

- ‌الفصل الأوّل قاعدة الحاكم الفكريّة ومحوره في تفسيره

- ‌أولا: قاعدته الفكرية العامة

- ‌خلق القرآن:

- ‌المنهج وهذه الأصول

- ‌ثانيا: محوره في تفسيره

- ‌1 - اكتساب المعارف

- ‌2 - الرد على المجبرة

- ‌الفصل الثاني قواعده الأساسيّة في التفسير

- ‌تمهيد: بين التفسير والتأويل

- ‌أولا: الأصل الجامع لقواعده في التفسير

- ‌ثانيا: قواعده الأساسيّة في التفسير

- ‌القاعدة الأولى: ليس في القرآن ما لا معنى له، أو ما لا يفهم معناه

- ‌فروع هذه القاعدة

- ‌القاعدة الثانية: لا يختص بتفسير القرآن الرسول أو السلف

- ‌1 - موقفه من تفسير السلف

- ‌2 - موقفه من الأحاديث والأخبار المرفوعة:

- ‌أ) أكثر الحاكم من الاستشهاد بالحديث في الشرح، ومن التدليل به على الأحكام التي يقف عليها في الآية أو النص القرآني:

- ‌ب) اعتمد الحاكم على الحديث في بيان المجملات والأمور الإخبارية وفي تفصيلات الأمور الغيبية

- ‌القاعدة الثالثة: رفض «التفسير الباطني» وأن الإمام طريق معرفة القرآن

- ‌القاعدة الرابعة: إثبات المجاز في القرآن، ومنع الحمل عليه إلا إذا تعذرت الحقيقة

- ‌الفصل الثالث حدوده في التأويل

- ‌أولا: أقسام المعارف

- ‌ثانيا: ميزان التأويل

- ‌ثالثا: التأويل واللغة وأنواع المجاز

- ‌رابعا: من تأويلاته في باب التوحيد والعدل

- ‌1 - في التوحيد وآيات الصفات

- ‌2 - في العدل

- ‌خامسا: منهج الحاكم في التأويل بين اللغة والعقل

- ‌الفصل الرّابع أثر منهجه العقلي وثقافته الكلامية في تفسيره

- ‌أولا: مبدأ اللطف

- ‌ثانيا: النبوة والأنبياء

- ‌ثالثا: الأرزاق والآجال

- ‌رابعا: حول عالم الغيب

- ‌خامسا: تعريفات وأمور فلسفية

- ‌الفصل الأوّل طريقته في كتابه «التهذيب»

- ‌تمهيد: بين المنهج والطريقة

- ‌أولا: القراءة

- ‌ثانيا: اللغة

- ‌ثالثا: الاعراب

- ‌رابعا: النزول

- ‌خامسا: النظم

- ‌سادسا: المعنى

- ‌1) طريقته في إيراد الأقوال ووجوه المعاني:

- ‌2) طريقته في الترجيح بين هذه الأقوال:

- ‌3) من شواهد طريقته في إيراد المعاني والأقوال:

- ‌4) من شواهد طريقته في الترجيح:

- ‌سابعا: الأحكام

- ‌ثامنا: القصة

- ‌تاسعا: الفقه

- ‌الفصل الثاني آراؤه في علوم القرآن

- ‌اولا: نزول القرآن

- ‌ثانيا: نقل القرآن

- ‌ثالثا: فضائل القرآن

- ‌رابعا: النسخ في القرآن

- ‌خامسا: اعجاز القرآن

- ‌1 - مقدمات الاعجاز

- ‌2 - وجه اعجاز القرآن

- ‌الفصل الأوّل مكانة الحاكم

- ‌أولا: منزلة الحاكم العامة

- ‌ثانيا: قيمة كتابه «التهذيب في التفسير»

- ‌الفصل الثاني أثره في المفسّرين

- ‌أولا: أثره في الزمخشري (467 - 538)

- ‌أ) من الشواهد التي نكتفي فيها بالاحالة على ما تقدم:

- ‌ب) من الشواهد الموجزة التي أشرنا إليها في هذه الرسالة:

- ‌ج) شواهد أخرى:

- ‌ثانيا: أثر الحاكم في سائر المفسرين

- ‌مصادر البحث

- ‌أولا: المخطوطات

- ‌ثانيا: الكتب المطبوعة

- ‌ثالثا: الدوريات

- ‌كتب للمؤلف

الفصل: ‌2 - الرد على المجبرة

(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ

) إلى قوله: (وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ)«1» قال: «وتدل الآيات أن القوم كانوا جاهلين بالله وصفاته، ولولا ذلك لما ظنوا به هذا الظن، فتدل على أن المعارف مكتسبة» .

ثم قال: «ومتى قيل: أليس قد روي في حسن الظن بالله؟ قلنا: ذلك ينبني على العلم، فإن من علمه رحيما كريما ظن لعله يرحمه» .

‌2 - الرد على المجبرة

أما المحور الآخر لتفسير الحاكم- وهو المحور الأهم- فهو نقضه على المجبرة، ورده الدائب عليهم، وتصديه لخصومتهم في كل ما يذهبون اليه في «المحلوق والاستطاعة والإرادة» وسائر آرائهم، حتى ليخيل للقارئ أن هذ التفسير يكاد يكون وقفا على إثبات فساد مذهب لجبر ومناقضته للقرآن! في الوقت الذي لم ينس فيه مؤلفه الرد على الفرق الأخرى، لكن موقفه من هذه الفرق ليس فيه ما يستحق الإشارة الخاصة أو الوقوف الطويل.

ولعل هذا هو ما تنبه اليه من قبل يحيى بن حميد- من أعلام الزيدية في القرن السادس- حين قال في تفسير الحاكم: «وقد أودع فيه الحجج الواضحة الباهرة في الرد على الفئة المجبرة وغيرها من سائر الفرق الكفرية!» «2» .

ونستطيع أن ندرك مدى أهمية هذا المحور وخطورته بالنسبة للحاكم، إذا لاحظنا أنه يرى أن مذهب الجبر هو المذهب المقابل لمذهب العدل على

(1) أنظر الآيات 19 - 23 سورة فصلت. التهذيب ورقة 26.

(2)

نزهة الأنظار- مخطوط- ورقة 21.

ص: 207

الدوام في فلسفته وفكرته العامة، وفي فروعه وجزئياته الكثيرة. فمذهب الحاكم وإن كان يقابله في أصوله وفروعه آراء ومذاهب متعددة إلا أن الذي لا يغيب عن ذهن الحاكم بحال- وكما يبدو ذلك جليا في تفسيره- أن المناقض الأكبر للعدل والتوحيد إنما هو مذهب الجبر، ولهذا تجد مقابلته الرئيسية في كتابه بين هذين المذهبين- ويذكرنا هذا في الواقع بما قيل من أسباب قتله رحمه الله وربما حفل بالرد على المرجئة والخوارج وسائر الفرق الأخرى- كما قدمنا- في بعض الآيات، ولكنه لا ينتقل عن ذلك إلى المقابلة بينها وبين المعتزلة، وقد تكون هذه الآيات مما كثرت الإشارة اليه من علماء العدل السابقين، ولكن الحال ليست كذلك فى الآيات الدالة على فساد مذهب الجبر إن لم نقل: على التحقيق، فعلى الرأي الأرجح.

لأن الإسراف الذي وقع فيه الحاكم في هذا الباب، قلما يقع من غير دارس متبرم بمذهب الخصم، حانق عليه، ساع إلى ابطاله بكل ما يستطيع، شاعر فوق ذلك أن هذا المذهب المشوه المناقض لآيات الكتاب هو الخطر الذي يتهدد مذهبه الصحيح في العدل والتوحيد، إن لم يكن- في نظره وفي الواقع- هو المذهب الذي يهدد حياة المسلمين وحركتهم في الجهاد والحضارة بالشلل والموت. ولهذا فإن الحاكم كان، فيما نرى، يستقرئ النصوص- كلّ النصوص- أن تنطق برد مذهب الجبر!

وإذا كان من التجني على الحاكم أن ندّعي أنه لم يجد في المئات من هذه النصوص ما ينقض هذا المذهب، وما يدل في بعضها على مذهبه في العدل والتوحيد- على بعض وجوه التأويل- فإن من التجني على الحقيقة:

الحكم بصحة الطريقة التي سلكها إلى هذا الغرض، وإن كان لا يصعب

ص: 208

علينا فهم نوازعه النفسية الى سلوك هذه الطريق يوم هاله انتصار مذهب المجبرة في عصره، كما أشرنا إلى ذلك في التمهيد لهذه الرسالة. ومعلوم أن الحاكم والقاضي عبد الجبار لا يرون في كسب الأشعري غير صورة من صور الجبر، وقد أفاض القاضي في بيان أن هذه الصورة شديدة التشويه وأنها لا يصح لها معنى من الأصل!! «1» قال الحاكم:«وما تقوله المجبرة في الكسب لا يعقل، لأن عندهم أنه تعالى أحدث أفعالهم وأوجدها بجميع صفاتها، فما الكسب وما تأثير العبد؟!» «2» .

وبهذا نستطيع أن نؤيد ما ذهبنا الى ترجيحه من انفراده من بين سائر المعتزلة الذين سبقوه، بظاهرة منازلة المجبرة بعنف، ومحاولة «استقصاء» الردود عليهم في جميع القرآن الكريم.

أما نوازعه النفسية الى ذلك فنستطيع تأكيدها- فوق ما ذكرنا- ببعض مواقفه وتعليقاته العابرة في عدة مواضع من تفسيره: قال في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً

) «3» إن الآية تدل على أن الواجب على المرء، بعد إصلاح نفسه، النصيحة في الدين، والدعاء إلى الله، وأن يبدأ بأقاربه وأهاليه. وذكر أن ذلك يتضمن تعليم أصول الدين وفروعه، والأمر بالطاعة والنهي عن المعصية. ثم قال:

«ومتى قيل: إذا كان في زمان الجبر والتشبيه، فلا يمكنه أن يعلمهم

(1) انظر شرح الأصول الخمسة، ص 363 فما بعدها.

(2)

التهذيب، المجلد الأول، ورقة 168.

(3)

الآية 6 سورة التحريم، التهذيب ورقة 106/ و.

ص: 209

العدل والتوحيد، ولا يأمن النشوء على الجبر، فما الواجب؟ قلنا: الانتقال من تلك الديار!».

وبعد أن شرح قوله تعالى: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً)«1» وبين أن هؤلاء كانوا مقلّدة قلّدوا على ظن حتى سمعوا القرآن والحجة فرجعوا متعجبين مما كانوا عليه؛ ذكر هذه الصورة التي نقلناها في الفقرة السابقة، وهي صورة شاخصة موحية، قال:«وهذا كرجل يرى شيخا على كرسي، متطيلسا متعمما متحنكا وحوله القيام من الناس وهو يبكي ويتضرّع ويعلم الناس التشبيه والجبر!! فظن أنه على شيء، وأنه لا يكذب على الله!» .

وقال في قوله تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)«2» إن الآية تدل على عظيم موقع العلم في زمان يكثر فيه الجهال! ثم قال:

«ومتى قيل: لماذا يعظم موقعه عند كثرة الجهال؟ قلنا: لقلة الدواعي إلى العلم، ومشقة العلم، وصرف الجهال إياه عنه» .

وهو في تفسيره دائم الحملة على «علماء السوء ورؤساء الضلالة» إذ لا ضرر أعظم من ضررهم «3» وكما أكفر المشبّهة، فقد حكم أيضا بأن الجبر والإرجاء من دين اليهود كما ذكر ذلك في تفسيره لقوله تعالى:

(1) الآية 5 سورة الجن. ورقة 117/ و.

(2)

الآية 63 سورة العنكبوت. ورقة 70/ ظ.

(3)

راجع التهذيب، المجلد الأخير: الأوراق 39/ و، 55/ و، 64/ ظ، 161/ و.

ص: 210

خلقهم للكفر، فيبطل قول المجبرة في هذه الوجوه.

وجميع الآيات الدالة على أن الثواب والعقاب جزاء على الأعمال، نحو قوله تعالى:(وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ)«2» تدل عنده على أن أفعال العباد حادثة من جهتهم «ليصح الجزاء» .

ويكاد الحاكم يبطل أهم آراء المجبرة بقوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى)«3» فقد قال إن دلالتها على أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا ينتفع أحد بعمل غيره يبطل قول المجبرة- من وجوه- في هذه المسائل:

قولهم إن أطفال المشركين يعذبون بذنوب آبائهم.

قولهم إنه يعذب العباد على فعل خلقه فيهم واضطرهم إليه.

قولهم إنه يثيب المطيع بطاعة هو الخالق لها والفاعل لها.

(1) الآية 40 سورة العنكبوت: التهذيب ورقة 65/ و.

(2)

الآية 22 الجاثية: ورقة 47/ ظ.

(3)

الآيات 36 - 39 سورة النجم: التهذيب ورقة 74/ و.

ص: 211

قولهم إنه يحمل ذنوب بعض العباد على بعض فيعذب الكفار بذنوب المسلمين، ويثيب المؤمنين بأعمال الملائكة!

قول بعضهم إنه يجوز أن يعذب الأنبياء ويثيب الفراعنة!

قولهم إن طاعات الظلمة تدفع الى خصومهم، فإن بقي شيء حمل عليهم من ذنوب خصومهم.

ب- الآيات الدالة على أن الكفار والعصاة يتمنون الرجوع إلى دار الدنيا، وأن أعذارهم يوم القيامة لا تقبل، قال تعالى:(هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ)«1» قال الحاكم: أي لا يسمع لهم عذر حتى يعتذروا إذ ليس لهم عذر صحيح، أو: لا يؤذن لهم في الاعتذار لما علم من حالهم أنه لا عذر لهم، ولو أتوا بعذر صحيح لقبل منهم، والمعنى أنه ليس لهم عذر، قال الشاعر:

فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم

نطقت ولكنّ الرماح أجرّت «2»

وتدل الآية أنه لا عذر لأحد في معصية الله ولا حجة، قال الحاكم:

«وذلك يبطل مذهب المجبرة إذ لا عذر أوضح على مذهبهم من قولهم:

خلقت فينا العصيان والقدرة الموجبة له، ولم تعطنا قدرة الإيمان ولا مشيئته، بل منعتنا منه بكل منع فكيف تؤاخذنا بعد ذلك. فأما على مذهب العدل فالعبد مزاح العلة أتي في استحقاق العقاب من جهته فلا عذر له

(1) الآية 35 سورة المرسلات: التهذيب ورقة 129/ ظ.

(2)

البيت لعمرو بن معديكرب. انظر الأصمعيات ص 122. دار المعارف بمصر 1964.

ص: 215

ولا حجة» أما على مذهب المجبرة فله أعظم الحجة «1» .

وقال تعالى: (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ)«2» فدلت الآية على أنهم يتمنون الرجوع الى الدنيا وقت معاينة العذاب ليطيعوا، قال الحاكم:«ولو كانت أفعال العباد من خلق الله تعالى لما صح هذا التمني، وكذلك لو لم يقدروا عليه. فيبطل قول المجبرة في المخلوق والاستطاعة» .

وقال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)«3» قال الحاكم: «ويدل قوله (فأصدق) على أشياء منها أن الفعل فعلهم لأنه لو كان خلقا لله تعالى لما كان لسؤالهم الرجوع ليتصدقوا معنى. ومنها: أنهم يقدرون على ذلك، ولولا ذلك لتمنوا القدرة، وكيف يسألون الرجعة ليفعلوا ما فرّطوا وليس اليهم شيء من ذلك، ولا قدروا عليه؟» .

وقريب من هذه الآيات: تلك التي تنعى على الكفار إعراضهم عن التذكر، وتعجب من عدم إيمانهم مع ارتفاع الموانع، فقوله تعالى:

(فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ)«4» يدل- مما يدل عليه- على أن الإعراض فعلهم ولذلك ذمهم عليه، وعلى أنهم قادرون على التدبر، قال

(1) التهذيب ورقة 36/ ظ.

(2)

الآية 44 سورة الشورى: التهذيب ورقة 35/ ظ.

(3)

الآية 10 سورة المنافقين: التهذيب ورقة 101/ ظ.

(4)

الآية 49 سورة المدثر: التهذيب ورقة 121/ و.

ص: 216

الحاكم: «ولو كان الأمر كما تزعمه المجبرة في خلق الإعراض فيهم وسلبهم قدرة التدبر، وخلق القدرة الموجبة للإعراض لما صح قوله «فما لهم» لأن معناه: ما الذي منعهم؟! والعجب أنه تعالى يقول متعجّبا: ما الذي منعهم من الإيمان، وإنما أراد نفيا للمنع، والمجبرة تزعم أن هناك موانع كثيرة منها: خلق الكفر والإعراض فيه، ومنها: القدرة الموجبة له، ومنها:

الإرادة الموجبة له، ومنها: عدم القدرة على التدبر، وعدم خلق التدبر، وعدم إرادة التدبر، ومنها: كراهية التدبر منهم، وكل واحد منها مانع! فقد خالفوا كتاب الله في هذا مع مخالفتهم لكتاب الله وأوامره ونواهيه».

والآيات في هذا الباب كثيرة، نحو قوله تعالى:(فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)«1» ؟ وقوله: (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ

) «2» فلو كان هو الذي خلق الكفر لم يكن للتعجيب معنى!!

ج- جميع الآيات التي تضيف الفعل إلى الناس، والتي تأمرهم بفعل وتنهاهم عن فعل، وتعدهم الثواب وتتوعدهم بالعقاب، لأن كل ذلك لا يصح إلا والأفعال حادثة من جهتهم. والآيات من هذا النوع كثيرة جدا ولكن الحاكم لم يعف نفسه من الاستدلال بها والوقوف عند أكثرها للنقض على المجبرة، فقوله تعالى: (قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً وَمَكَرُوا مَكْراً

(1) الآية 20 سورة الانشقاق، ورقة 140/ و.

(2)

الآية 9 سورة فصلت، ورقة 25/ و.

ص: 217

كُبَّاراً

) «1» يدل عنده على بطلان مذهب المجبرة من وجوه:

«أحدها: قوله (عصوني). وثانيها قوله (واتبعوا). وثالثها قوله (ومكروا)

الخ».

وكذلك قوله تعالى: (وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ .. )«2»

يبطل مذهب المجبرة لأنه دل على أن القتال فعلهم، وكذلك التولي، «اذ لو كان من خلقه تعالى لكان تقدير الكلام: لو خلقت فيهم القتال لخلقت الهزيمة!!» ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)«3» لأن ذلك لو كان خلقا له لم يكن للأمر والنهي معنى، لأن الأمر موقوف على خلقه!

وربما شعر الحاكم بأن الاستدلال بهذا النوع من الآيات قد يطول- مع تكراره- في بعض الأحيان، فيدعه للقارئ المتأمل، كما ذكر ذلك في التعقيب على قصة قارون:(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ) - الآيات 76 - 83 من سورة القصص- فقال إنها تدل على أن أفعال العباد حادثة من جهتهم «من وجوه كثيرة، وهي ظاهرة إن تأملتها» «4» .

(1) الآيتان 21 - 22 سورة نوح: التهذيب ورقة 116/ و.

(2)

الآية 22 سورة الفتح: التهذيب ورقة 59/ و.

(3)

الآية 18 سورة الجاثية، ورقة 47/ و.

(4)

التهذيب ورقة 60/ و.

ص: 218

وقال أيضا في قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما

) - الآيات 8 - 11 من سورة العنكبوت- إنها تدل على بطلان قول المخالف في المخلوق، وتدل على أن أفعال العباد حادثة من جهتهم «من وجوه كثيرة ظاهرة لمن تأملها» «1» .

هذا عدا آيات أخرى كثيرة يجد فيها الحاكم ما ينقض أقوال المجبرة وبخاصة مما هو معروف كآيات المشيئة، والآيات التي تنتهي بنحو قوله تعالى «لعلكم تعقلون» و «لعلهم يهتدون» ، والآيات التي تضيف القبائح إلى النفس وإلى الشيطان

الخ.

ونختم هذه الفقرة بهذه الدلالات الكثيرة- والدقيقة- التي حشدها الحاكم في التعقيب على الآيات التالية- والتي تتصل بالنوع الأخير وبالأنواع الأخرى السابقة- قال تعالى: (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ، أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ،

(1) التهذيب ورقة 63/ و.

ص: 219

وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) الآيات 53 - 61 من سورة الزمر. قال الحاكم: «

فأما دلالات الآيات على المجبرة في المخلوق والاستطاعة والإرادة، فمن وجوه كثيرة، وتفصيلها يطول، وجملتها: دلالة قوله «لا تسرفوا» ولا يقال: أسرف، إلا وله فعل وهو يقدر على تركه!

ومنها: أنه منّ على عباده بغفران ذنوبهم، ولو كان هو الخالق لجميع القبائح فما معنى الامتنان؟!

ومنها قوله: «وأنيبوا» فكيف ينيبوا وقد خلق فيهم الإصرار، وقدرته، ومنعهم قدرة التوبة، وأراد الإصرار ولم يرد التوبة؟!

ومنها قوله: «وأسلموا» وكيف يأمر به وبالمسابقة مع عدم القدرة، وخلق ضده فيه؟

ومنها قوله: «واتبعوا» ودلالته كدلالة قوله: أنيبوا، وأسلموا.

ومنها قوله: «يا حسرتا على ما فرطت» وكيف يتحسر وليس اليه شيء ولا له قدرة؟ وإنما يصح التحسر على التفريط إذا كان التفريط منه، وهو يقدر على تركه.

ومنها قوله: «لو أن لي كرة» ولو رد ألف مرة ولم يخلق فيه الإيمان وقدرة الإيمان، لما أمكنه أن يؤمن، فما معنى سؤال الرجعة؟

ومنها قوله: «فرطت» وأي تفريط من جهته، والتفريط من قبل من خلق فيه الكفر وقدرته، ومنع قدرة الإيمان، وخلق فيه التفريط!

ومنها قوله: «وإن كنت لمن الساخرين» فكيف والسخرية خلق فيه؟

ص: 220

ومنها قوله: «لكنت من المتقين» فكيف ولو لم يخلق فيه لما صح منه؟

ومنها قوله: «بلى قد جاءتك آياتي» تنبيها على إزاحة العلة. ولو كان الأمر على ما زعموا لم يكن للآيات معنى، ولا كان التكذيب من جهتهم، بل جميع ذلك من خلقه، فما بال هذا التوبيخ.

ومنها قوله: «كذبوا على الله» وكيف ونجهم وعندهم أنه الخالق لذلك الكذب والمريد له؟

قال الحاكم: «وكل ذلك يزيد صحة مذهب التوحيد والعدل» «1» .

(1) التهذيب ورقة 14/ ظ.

ص: 221