الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقدَّمَه إلى الشورى بمرسِيَةَ، وأنهَضَه إلى قضاءِ شاطِبة ثم أضاف إليه قضاءَ أُورُيولةَ، فكان يتَولّاها إلى أن نُكِبَ معَ ابن الحَلال واعتُقلَ شهوراً ثم سُرِّح، ودرَّس الفقهَ على الطريقة القُرطُبيّة.
وكان فقيهًا حافظاً للمسائل دَرِياً بالفتوى في النّوازل، وأعيد إلى رُتبة الشُّورى بأُورِيُولة ثم إلى قضائها، وزيد خُطّةَ المَواريث فتوَلّى ذلك مُضْطَلِعًا به محمودَ السّيرة فيه إلى أن توفِّي في محرّمِ أربع وستينَ وخمس مئة.
326 - أحمدُ بن عبد العزيز بن مَيْمونٍ المَخْزوميُّ، شُقْري، أبو جعفر
.
تقَدَّم التنبيهُ عليه في رَسْم أحمدَ بن أبي الحَسَنُ بن مَيْمون فراجِعْه (1).
327 -
أحمدُ (2) بن عبد العزيز بن هشام بن أحمد بن خَلَف بن غَزْوانَ الفِهْريُّ، من أهل شَنْت مَرِيّةِ الغَرب، يابُرِيُّ الأصل، أبو العبّاس.
رَوى عن آباء الحَسَنُ: شُرَيْح وابن أحمد بن كُرز وابن خَلَف بن سَلْمان وابن عبد الرحمن بنَ أبي الدُّوْش، وأبي حَفْص (3) ابن اليتيم، وأبي عبد الله بن سُليمانَ ابن أُخت غانم، وأبي العبّاس بن حامد، وأبوَيْ عليّ: الغَسّاني ومنصور بن الخَيْر، وأبي القاسم خَلَف بن يوسُفَ بن الأبْرَش، وأبي محمد شُعَيْب بن عيسى، ويونُسَ بن يونُس.
رَوى عنه عبدُ العزيز ابنُه، وابنُ الحَسَنُ بن حارِث، وأبو عليّ حَسَنُ [ابن أحمد بن مفرج](4) ابن الزَّرقالة، وسالمُ بن عبد الله بن عبد العزيز، وأبو زيدٍ شُعَيْب بن إسماعيلَ، وأبو محمد عبدُ [الله بن أحمد](5) ابن عَلُّوش، وقاسمُ بن عبد الرحمن بن أبي حنينة، والمحمَّدونَ: ابن أحمدَ بن عبد القادر وابن إبراهيمَ بن
(1) الترجمة (63).
(2)
ترجمه ابن الأبار في التكملة (131)، والسيوطي في بغية الوعاة 1/ 325 نقلاً عن ابن الزبير.
(3)
بعد هذا فراغ في النسختين.
(4)
فراغ في النسختين استفدناه من ترجمته في تاريخ الإِسلام 13/ 73، ومن التكملة الأبارية (699).
(5)
فراغ في النسختين، وما بين الحاصرتين مستفاد من ترجمة المذكور في التكملة الأبارية (2136).
شُعَيْب وابن عبد الغَفُور وابن عليِّ بن ثابت، واليوسُفانِ: ابنُ عبد الله بن عبد الملِك وابن محمد بن يوسُف.
وكان من جِلّة المُقرِئينَ المجودين وكبارِ أساتيذِ النّحْويِّين، بارعَ الخطّ، متقدِّمًا في العَروض، نافذًا في فكِّ المعَمَّى، شاعرًا محُسِنًا، كاتبًا بليغًا، وتصَدَّر للإقراءِ ببلده. وله أراجيزُ مُزْدوجةٌ كثيرةٌ منها -في القراءاتِ السبع-: مجموعةُ العَروس، وحاسمةُ الدَّعاوي. ومُفرَداتٌ: لكل إمام من السبعة أرجوزةٌ تخُصُّ قراءتَه، وفي خطِّ المصحف، وفي غريب القرآن، وفي ألِفاتِه، وفي مُشكِل نظائرِه، ومنها -في النَّحو- أرجوزةٌ سمّاها:"أُرجوزةَ الإعراب في مُجْمَل الإعراب"، وشَرَحَها في أرجوزةٍ سمّاها:"العُنوان". وكلُّ ذلك ممَّا أجاد في نَظْمِه وبرَّزَ في إنشائه، وقَفْتُ عليها كلِّها ما خلا مفرَداتِ ابن كثير وعاصِم وحَمْزة وغريبَ القرآن. ومن تصانيفِه:"فوائدُ الإفصاح عن شواهدِ الإيضاح".
تَنْكيت: وقعَ فيما تقَدَّم أنّ اسمَ إحدى ارجوزتَيْه في السبع مجموعةً: "حاسمةُ الدَّعاوي"، وقد ذكَرَ ذلك في صَدرِها فقال [الرجز]:
سَمَّيتُها حاسمةَ الدَّعاوي
…
وقلتُها زَجْرًا لكلِّ عاوي
وترجمَها بقطعة، منها [مجزوء الكامل المرفَّل]:
حَسمتْ دَعاوِيهِ كما
…
حَسمَ الضَّريبةَ ذو الفَقَارِ
ويريدُ بالدَّعاوِي: جمْعَ دَعْوى، وهو غلَطٌ جَرى عليه كما جَرى على كثيرٍ من الشعراءِ والكتّاب قديمًا وحديثًا، فقال أبو محمد عبدُ الجَبّار بن أبي بكر بن حَمْدِيسَ الصقِلِّي من أبياتٍ في صفة الخمر صَدَرَ بها قصيدةً يمدَحُ بها المعتمِدَ أبا القاسم محمدَ بن عَبّاد (1) [بسيط]:
لا يسمَعُ الأنفُ من نجوى تأرُّجِها
…
إلا دعاوِيَ بين الطِّيبِ والزَّهَرِ
(1) انظر ديوان ابن حمديس (205) تحقيق الدكتور إحسان عباس.
وقال شرَفُ الدّولة أبو الحَسَنُ عليُّ بن أبي الخَيْر سلامةَ بن يوسُف الدِّمشْقي (1)[المجتثّ]:
وإنّ غيري على جهـ
…
ـلهِ كثيرُ الدَّعاوِي
وهذا البيتُ من قصيدةٍ يمدَحُ بها تاجَ الملوكِ مجدَ الدّين أبا سَعيد يُوري (2) بن أيوبَ أخي السُّلطان صلاح الدِّين أبي المظفَّر يوسُف بن أيوبَ. وقد طَرَدَ قانونَ هذا الجمعِ في ما كان على مثالِ فَعْلى فقال في مطلَعِها [المجتثّ]:
مَنِ الطبيبُ المُداوِي
…
مِن طُولِ هذي الشَّكاوِي؟
وكرَّره فقال في مدحه [المجتثّ]:
يا مَن (3) بإنعامِه طا
…
لَمّا أُزيلَتْ شَكاوِي
وقال [المجتثّ]:
تحكي الجداولُ فَيْضًا
…
من راحتَيْهِ الجَداوِي
وقال شَرفُ الدِّين أبو حَفْص عُمرُ بن محمد بن الفارِض من قصيدة (4)
[الطويل]:
وعادِ دواعي القيلِ والقالِ وانْجُ مِن
…
عَوادي دعاوٍ صِدْقُها قَصدُ سُمعةِ
وقال أبو محمدٍ عبدُ الله بن عَتِيق الرَّبَعيُّ المَهْدَويُّ المعروفُ بابن الطّلّاءِ (5) في رسالةِ "الإشعار بسرقات الأشعار" التي خاطَبَ بها أبا الفَضْل بنَ شَرَف (6):
(1) انظر ترجمته في خريدة القصر -قسم شعراء الشام 1/ 393 - 400.
(2)
في ق: "نوري"، محرف، وترجمته في تاريخ الإِسلام 12/ 625.
(3)
في ق: "ويا مَن".
(4)
البيت من التائية الكبرى وهو في ديوانه: 34 (المطبعة الحسينية 1913 م).
(5)
ترجم له ابن بسام في الذخيرة.
(6)
ترجمه ابن بشكوال في الصلة (298)، والضبي في بغية الملتمس (610)، والذهبي في تاريخ الإِسلام 11/ 610، والصفدي في الوافي 11/ 149، والسيوطي في بغية الوعاة 1/ 486، وهو جعفر بن محمد بن أبي سعيد بن شرف الجذامي القيرواني المتوفى سنة 534 هـ.
وْيلَك! حطَطْتَ لِثامَ الحياء، وهبَبْتَ هبوبَ النَّكْباء، فكشَفْتَ غطاءَ مساويك، وأخمَدتَ نارَ دَعاوِيك.
وقال فيها: أن تُبرِزَ أشعارَ أبيك، فتصحَّ أو تَسقُمَ دَعاوِيك.
وللكاتب أبي محمدٍ عبد البَرِّ بنْ فُرسان (1) من رسالةِ خاطَب بها الخليفةَ العبّاسيَّ عن أبي زكريّا يحيى بن غانِيَة المسوفي: وهذه النُّبَذُ المأثورة من مساويهم، واللُّمعُ المذكورةُ من دَعاوِيهم، ما استأثَرَ بها الخواصُّ دون العوامّ، ولا جَهِلَتْها فرقةُ اليهود والنَّصارى إذْ علِمَتْها أهلُ مِلّة الإِسلام.
وقال الإمامُ أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزيِّ رضي الله عنه في الفصل الأوّل من القسم الأوّل من المَواعظِ من الباب الخامس من كتابِ "المُدهِش"(2) في قصّة آدمَ وفي ذكَرَ الملائكةَ منها: فأبوْا للجُرأة إلا جرَّ جريرِ الدّعاوِي، وحدَّثوا أنفُسَهم بالتُّقى بالتَّقاوِي. فالتَّقاوِي جاءت على ما جاء عليه نظائرُها، وقد أتى بها فقرةً للدّعاوِي.
وقال الإمامُ عمادُ الدِّين أبو عبد الله محمدُ بن محمد بن حامِد بن محمد بن عبد الله بن عليّ بن محمود بن هِبةِ الله ابن أُله الأصبَهانيُّ في ذكْرِ القاضي كمال الدِّين الشَّهْرَزُورِيِّ من حوادثِ شهر رمضانِ سبع وستينَ، حاكياً بعضَ أفعال نُور الدِّين ما نصُّه: وقال للحاكم: انظُر أنت في العوادي وما يَجري فيها من الدّعاوِي، وميِّزْ بين المحاسنِ والمساوِي، والمُوالي والمُناوِي. فقد استعمَلَها كما ترى فقرةً للمَساوِي والمُناوِي الجارَييْنِ على قانونِهما.
وقال أبو القاسم عبدُ الكريم بن عِمْران (3)[البسيط]:
دع الدَّعاوِيَ إنَّ الحِبْرَ يفضحُها
…
وهاكَ ما شِئْتَ عندي من براهينِ
(1) ترجمته في تحفة القادم (115)، والمغرب 2/ 142، ورايات المبرزين (62).
(2)
المدهش (72)(ط. بغداد).
(3)
ترجمته في التكملة (2564).
وقد كان له أن يقولَ: دعِ الدَّعاوَى فإنّ الحِبْرَ يفضحُها، ولكنّه غابَ عنه حُكمُ هذا الجَمْع.
وقال الأستاذُ أبو العلاء إدريسُ بن محمد القُرطُبيُّ (1) في فَصْل من رسالتِه التي ترجَمَتُها: "رسالةُ تفضيل العَرَب وتمييزِ النَّبع من الغَرَب"، وهي المسَمّاة. صَمْصامَ التأهُّب للانتصاف، ومَصامَّ شُهُبِ الأوصاف، الكافيةَ في تعفيرِ خدِّ الباغي، الكافلة بتغيير جَدِّ اللّاغي، مما انتَهضَ بإحكامِها، وإبرام أحكامِها: إدريسُ بن محمد بن محمد بن موسى الأنصاريُّ من أهل قُرطُبةَ وفّقه اللهُ وحرَسَها، فجاءت فائدةَ انتجاع الطالب المُقيم والمرتحِل، وفائدةَ أشياع ابن سيدةَ الناحِل وابن غَرسيّةَ المنتحِل، صادقةَ الجَدِّ في أنّ حبَّ النبيِّ العَرَبيّ من آكدِ مفترَض، مُرهَفةً عن كدِّ التعرُّض لعَرَض، مُنَزَّهةً عن نقد التأرُّض لغَرَض، موجَّهةَ القصدِ لوَجْه خالقِ الجوهَر والعَرَض، سبحانَه لا إلهَ إلا هو (2)، يرُدُّ بها على أبي عامِرٍ [أحمدَ] (3) ابن غَرسِيّةَ في رسالتِه الشُّعوبية: يا جَدْعاوِي، بالدَّعاوِي، فإذا الدّعاوِي والشَّكاوِي والجَداوِي في جَمْع: دَعوى وشَكْوى وجَدْوى من وادٍ واحدٍ ضَلَّ فيه هؤلاءِ الجِلّةُ طريقَ القياس في جَمْع هذه الكَلِم، وإنّما تُجمَعُ على فَعالَى قياسًا.
قال الإمامُ أبو بِشْر سيبوَيْه: وأمَّا ما كان على أربعةِ أحرُف، وكان آخِرُه ألفَ التأنيث، فإنْ أردتَ أن تكسِرَه فإنكَ لا تحذِفُ الزّيادةَ التي هي للتأنيث
(1) ترجمته في التكملة (522).
(2)
بعد هذا في م: "تنقل هذه الترجمة إلى رسم أبي العلاء إن شاء الله" ثم ضرب عليها الناسخ بأن كتب في أولها "لا" وفي آخرها "إلى" وفي الحاشية ورد ما نصه: "بل كان هذا في الحاشية". قلنا: وترجمة أبي العلاء إدريس هذا تقع في السفر الثاني، وهو من أسفار الكتاب المفقودة.
(3)
مكان الاسم بياض في النسختين، وهو مستفاد من المغرب لابن سعيد 2/ 406. وهذه الرسالة في الرد على ابن غرسية هي من الرسائل التي لم يشر إليها الأستاذ عبد السلام هارون في مقدمة رسالة ابن غرسية والردود عليها، ومثلها في ذلك رسالة أبي الحسن علي بن أبي قوة (السفر الخامس من هذا الكتاب، الترجمة 313) ورسالة أبي المتوكل الهيثم السكوني الإشبيلي (برنامج الرعيني: 194).
وُيبنَى على فَعالَى وتُبدَلُ من الياءِ الألف، وذلك قولُك في حُبلى: حَبالَى، وذَفْرى ذَفَارَى، وقال: وقالوا بَرْقاءُ وبَرَاقٍ كقولهِم شاةٌ حَرْمى وحِرَامٌ وحَرَامَى.
وقال أبو بكرٍ محمدُ بن الحَسَنُ بن دُريد بن عَتاهِتةَ بن حَنتم بن الحَسَنُ بن حماميِّ بن جَروِ بن واسع بن سَلَمةَ بن حاضِر بن جُشَمَ بن ظالم بن حاضِر بن أسَد بن عَدِيِّ بن عَمْرِو بن مالك بن فَهْم بن غُنْم بن دَوْس بن عدنان بن عبد الله ابن زَهْرانَ بن كَعْبِ بن الحارِث بن كَعْب بن عبد الله بن مالِك بن نَضر بن الأَزْدِ بن الغَوْث بن نَبْتِ بن مالكِ بن زيد بن كَهْلانَ بن سبإ بن يَشجُبَ بن يَعرُبَ بن قَحطانَ في كتابِه "الجَمْهرة"(1):
والحَلْواءُ معروف يُمَدُّ وُيقصَر، فمَن قَصَرَ قال: حَلْوَى مثلَ دَعْوَى والجمعُ حَلاوَى مثلَ دَعاوَى، ومن مَدَّ قال: حَلْواءُ، والجمعُ: حَلْواواتٌ مثلَ حَمْراوات.
وقال أبو عبد الله محمّدُ بن جعفرٍ التَّميميُّ القَيْروانيُّ القَزّازُ في "جامعِه"(2): والحَلْواءُ من الطعام يُمَدُّ ويُقصَرُ، وجمعُ المقصورِ: حَلاوَى، والممدودِ: حَلْواوات، ورأيتُ لأبي الفَتْح عثمانَ بن جِنّي خلافَ هذا، فإنه قال في "المُغرِب": ويقولونَ أيضًا: حُبْلى ثم يقولونَ في الجَمْع حَبالَى، وأصلُها حَبالٍ كدَعوى ودَعاوٍ ثم يُبدِلونَ من ياءِ حَبالٍ ألفًا ويُميلونَها فيقولونَ: حَبالَى لتكونَ الألفُ على لفظِ ألفِ حُبْلى. وقال فيه: قالوا: دَعْوى ودَعاوٍ وشَهْوى وشَهاوٍ وذَفْرى. الفصْلَ.
قال المصنِّفُ عَفا اللهُ عنه: أظنُّ شَهْوى مصَحَّفًا من مَهْوى فزد فيه بحثًا.
وقد انجَرَّ بنا نقْدُ الدّعاوِي الواقعة في تسميةِ أبي العبّاس بن غَزْوانَ إحدى أُرجُوزتَيْه إلى ذكْرِ شيءٍ ليس من غَرَض هذا الكتاب، ولكنّها نُكتةٌ أودَعْناها هذا الموضعَ إفادةً بها، ولا ينبغي أن يُظَنَّ بها أنَّها قليلةُ الجَدْوى، فقد وقَعَتْ
(1) انظر الجمهرة 2/ 192.
(2)
انظر ترجمة القزاز ومصادرها في ورقات للأستاذ حسن حسني عبد الوهاب 1/ 174 - 184 وكتابه الجامع مفقود، ويقول فيه الصفدي في الوافي 2/ 304: هو كتاب كبير يقال: إنه ما صُنّف مثله.
هذه المسألةُ بمَرّاكُشَ سنةَ عشرين وست مئة في مجلس ضَمَّ لِمّةً من أعلام العلماء أثارها كَتْبُ عاقدي الشّروط: أبرَأه من جميع الدَّعاوِي، وكان فيهم القاضي الأديبُ الناقد المجتهد أبو عبد الله بنُ عيسى ابن المُناصِف الآتي ذكْرُه في موضعِه من هذا المجموع بحَوْلِ الله تعالى (1)، فأنكَرَ جمع الدَّعوى على هذا الحدّ وقال: إنّما يقال: الدَّعْوَياتُ، فسَلَّمَ له الحاضِرون ولم يقُلْ هُو ولا أحدٌ ممّن اشتملَ عليه ذلك المحفِلُ: الدَّعاوَى، وهو أقربُ نسبةً إلى إصلاح اللفظ به، إذ هُوَ جمْعُ تكسيرٍ مثلُه على توَهُّم العاقدينَ فيه وأنَصُّ في المقصود، فالدَّعاوَى إذ كان المعنيُّ به عندَهم جمع الكثرة المُقتضيَ بَتَّ أسبابِ الطلبِ وحَسْمَ موادّ الشغَب، فأمَّا ما ذكَرَه أبو عبد الله ابن المُناصِف ووافَقَه عليه جُلَساؤه فإنه جَمْعُ سلامةٍ وموضوعُه القِلّة.
قال سيبَويْه (2) آخِرَ الفصل الذي نَقلْنا قبلُ أوّلَه: وإن أردتَ أدنَى العدَد جمَعْتَ بالتاء، تقول: ذَفْرَيات وحُبْلَيات. وقال في باب تحقير ما كُسِر عليه الواحد للجَمْع: ولو حقَّرت الجَفِنات وقد جاوَزْنَ العَشْرَ لقلتَ: جُفَيْناتٌ لا تُجاوِزُ؛ لأنّها بناءُ أقل العدد. ثمَّ قال: إذا حَقّرتَ الفِتْيانَ قلت: فِتْية، فإن لم تقُلْ ذلك قلتَ: فَتِيّون، قالوا: والنّونُ بمنزلة التاء في المؤنَّث. ثم قال: وإنّما صارتِ التاءُ والواو والنّونُ لتثليثِ أقلِّ أدنَي (3) العدَد إلى تعشيره وهو الواحدُ كما صارتِ الألفُ والنون للتثنية ومُثَنّاهُ أقلّ من مثلَّثِه، ألا ترى أنّ جرَّ التاءِ ونصبَها سواء، وجَرَ الاثنينِ والثلاثة الذين هم على حدّ التثنية ونَصبَهم سواء؟ فهذا يُقرِّبُ أنّ التّاءَ والواوَ والنّونَ لأدنَى العدَد؛ لأنه وافَقَ المثَنّى.
تكميل: وإلى ذلك فقد قال سيبويهِ إثْرَ الفصل الأوّل الذي نقَلْناه من كلامِه: وقالوا: ذَفْرى ذَفارَى ولم يُنوِّنوا ذَفْرى. انتهى. ومُرادُه بهذا القول التعريفُ بشذوذ
(1) راجع المقدمة من هذا السفر ص 206، واحتج المؤلف برأيه لأنه كان لغوياً مشهوراً وقد ذكر القلقشندي في صبح الأعشى 1/ 152 أن مذهبته في الحلى ضرورية للكتاب.
(2)
انظر الكتاب 2/ 141.
(3)
سقطت من ق.
ذَفَارٍ جَمع ذَفْرى غيرَ منَوَّن على القياس المطَّرِد في جمع نظائرِه حسبما قُدِّم (1) أولَ الفَصْل، فلا ينبغي أن يُقاسَ عليه. ووراءَ قولِه:"ولم يُنوِّنوا ذَفْرى" معنًى لطيفٌ سِرُّه التنبيهُ على تفرِقة العربِ بين ما ألفُه للتأنيث فلا يُنَوَّن ويُجمَعُ قياسًا على فَعالى وشَذَّ منه ذَفارى في جمع ذَفْرى، وما ألِفُه الرابعةُ مُنقلبةٌ عن أصل وعن زائدٍ للإلحاق به كأضحى جمْعَ أضْحاة ومَرمى ومَهْوى وأَرطى وذَفْرى في لُغة مَن نَوَّنها، فإنّ ذلك كلَّه يُجمَعُ بكسرِ ما بعدَ الألف نحوَ أضاحٍ ومَرامٍ ومَهاوٍ وأراطٍ وذَفارٍ وشِبهِها.
وقد آنَ لنا أن نقفَ من بَسْطِ القول في هذه المسألة عند هذه الغاية ونرجعَ إلى تمام ذكْرِ أبي العبّاس بن غَزْوان، فنقول:
ومن نثرِه مقامةٌ في الكلب والهِرّ بارعةٌ أبدَعَ فيها ما شاء، ومما يؤثَرُ من نظمِه قولُه [السريع]:
الحمدُ لله على ما أرى
…
كأنّني في زمني حالمُ
يَسُودُ أقوامٌ على جَهْلِهمْ
…
ولا يَسُودُ الماجدُ العالمُ
وقولُه في استخراج مضمَراتِ الحروف، وهو من أجوَدِ ما نُظِم في مَغْزاه عليه [الخفيف]:
طالَ هَجْري فضرّني سُهْد طَرفٍ
…
فاضَ رَيًّا فسال سَيْلَ أتِيِّ
رُبّ عينٍ تَسُوقُ حَيْنَ محُبٍّ
…
نَظَري مُنذرٌ بحَيْنٍ وحيِّ
حيث شَجْوي يُضيعُ حَظّي وعِزّي
…
وهْو يَعصي وغِرَّ طوع عَصِيِّ
فَرْطُ شَوْقي يذودُ زَهْوي وُيغْري
…
شَغَفي في ظهورِ سرِّ خَفيِّ
هُو شُغْلي وهمّه نقْص سعيي
…
مُنصِفٌ كلُّ من يفي لوَفيِّ
ومن تمام الإفادة بهذه الأبيات بيانُ العمل بها، وهو مَبنيّ على قاعدتَيْن:
الأُولى: معرفةُ ترتيبِ حروف المعجَم المراعَى في نظمِها، فاعلَمْ أنّ ترتيبَها ببلاد المغرِب والأندَلُس وهو موافقُ ترتيبِها ببلاد المشرِق في هذا الكتاب إلى الزاي،
(1) في ق: "تقدم".
ويلي الزايَ عند أهل الأندَلُس والمغرب: ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ وي، وُيدرِجونَ بين الواوِ والياء لامَ ألِف ولا عبرةَ به في نَظْم هذه الأبيات.
الثانية: معرفةُ أُسوسِها التي اعتُبِرت في أبياتِها، فاعلَمْ أنّ لكلِّ بيتٍ أُسًّا يخُصه، فأسُّ الأوّل واحد، وأسُّ الثاني اثنان، وأسُّ الثالث أربعة، وأسُّ الرابع سبعة، وأسُّ الخامس أربعةَ عشَر، وفي هذه الأُسوس مفردَةً أو مجموعًا بعضُها إلى بعض توجَدُ الأعدادُ على تواليها من الواحد إلى الثمانيةِ والعشرينَ عدَدَ حروفِ المعجَم، فمقاديرُ الأُسوس بيِّنةٌ، وما عداها من الأعداد الثلاثةِ والخمسةِ والسِّتة والثمانيةِ وما بعدَها إلى الثلاثةَ عشَرَ والخمسةَ عشَرَ وما بعدَها إلى الثمانيةِ والعشرينَ قائمٌ من مجموع تلك الأُسوس كلِّها أو من مجموع بعضِها إلى بعض، فالثلاثةُ من أُسَّي الأوّل والثاني، والخمسةُ من أُسَّيِ الأوّل والثالث، والستّةُ من أُسَّيِ الثاني والثالثَ، والثمانيةُ من أُسَّيِ الأوّل والرابع، والتِّسعةُ من أُسَّي الثاني والرابع، والعشَرةُ من أُسوس الأوّل والثاني والرابع، وهكذا إلى جَمْع الأُسوس كلِّها، فتقومُ منه الثمانيةُ والعشرون، مثالُ ذلك: أنه إذا أُضمِرَ لك حرفٌ أمَرْتَ مُضمِرَه بالتماسِه في الأبيات بيتًا بيتًا، فإذا أعلَمَك بموقعِه في الأبيات واحدًا أو زائدًا حفِظتَ أُسَّ ذلك وعدَدتَ به الحروفَ من أوّلها، فحيث فَنِيَ لك محفوظُك من الأُسِّ فهو الحرفُ المُضمَر، مثالُ ذلك: أنه لو أضمَرَ لك حرفًا وذكَرَ أنه لم يجده إلا في البيتِ الأول لَعلِمتَ أنه الألفُ؛ لأنَّ أُسَّ البيتِ الأوّل واحد كما تقَدَّم، والألفُ أوّلُ الحروف، وكذلك لو أعلَمَك أنه لم يجده إلا في الثاني لَعلِمتَ أنه الباءُ؛ لأنَّ أُسَّ البيتِ الثاني اثنان والباءُ ثانيةٌ في الحروف، ولو أعلَمَك أنه لم يجده إلا في الثالث لَعلِمتَ أنه الثاءُ؛ لأنَّ أُسَّ البيتِ الثالث أربعةٌ والثاءُ رابعةٌ، ولو أعلَمَك أنه لم يجده إلا في الرابع لَعلِمتَ أنه الخاءُ؛ لأنَّ أُسَّ البيتِ الرابع سبعةٌ والخاءُ سابعة، ولو أعلَمَك أنه لم يجدْه إلّا في الخامس لعَلِمتَ أنه الكافُ؛ لأنَّ أُسَّ البيتِ الخامس أربعةَ عشَرَ والكافُ رابعَ عشْرةَ، وكذلك لو أعلَمَك أنه في الأوّلِ والثاني لا غيرُ، لَعلِمتَ أنه التاءُ؛ لأنَّ مجموعَ أُسَّيِ البيتِ الأول والثاني
ثلاثةٌ كما تقَدَّم، والتاءُ ثالثة، ولو أعلَمَك أنه في الأولِ والثالث لا غيرُ لَعلِمتَ أنه الجيم؛ لأنَّ مجموعَ أُسَّي الأول والثالثِ خمسةٌ كما سَلَف، والجيمُ خامسة، ولو أعلمك أنه في الأول واَلثاني والرابع لا غيرُ لَعلِمتَ أنه الراءُ؛ لأنَّ مجموعَ أُسوسِها عشَرة، والراءُ عاشرة، وهكذا إلى أن يُعلِمَك أنه في الأبياتِ كلِّها فتعْلَمَ أنه الياءُ؛ لأنَّ مجموعَ أُسوس الأبياتِ كلِّها ثمانية وعشرون؛ لأنَّ الواحدَ إلى اثنينِ ثلاثة، والثلاثةَ إلى الأربعة سبعة، والسبعةَ إلى مِثلِها أربعةَ عشَرَ، والأربعةَ عشَرَ إلى مِثلِها ثمانيةٌ وعشرون، والياءُ ثامنةٌ وعشرون، إذْ هي آخِرُ الحروف فاعلَمْ ذلك. وتقريبُ ذلك أنْ تَرسُمَ لكلِّ بيتٍ اسمه إمّا تحتَه أو عليه وإمّا محُاذيًا له من أحَدِ طرفَيْه وتضَعَ جدولَيْن متَحاذيَيْنِ أحَدُهما فوقَ الآخَر وتقسِمَهما بثمانيةٍ وعشرينَ قسمًا، وتَرسُمَ في أحدِهما الحروفَ على نَسَقِها من الألفِ إلى الياء، وتَرسُمَ من الآخَر الأعدادَ متَواليةً من الواحدِ إلى الثمانيةِ والعشرين، فإذا أُضمِرَ لك حرفٌ وأُعلِمتَ بموقعِه واحدًا فصاعدًا حفِظَت أُسَّه ونظَرتَ إلى ما يُحاذيه من الحروف، فهو المُضمَر، فاعلَمْ ذلك.
وهذه صورةُ الجدولَيْنِ لك عمَلُهما عَرضًا هكذا ولكَ عَمَلُهما طُولًا بحسَب ما تختارُ أو يسَعُهُ موضعُ عَملِهما:
الجدول غير ظاهر في الأصل.
وبهذين الطريقين أو بما شئتَ منهما تَستخرجُ حروفَ الكلمة واحدًا بعدَ واحد إذا أُضمِرَ لك اسمٌ أو فعلٌ أو حرف، فاعلَمْ ذلك واللهُ الموفق (1).
(1) من أقدم من تكلم في استخراج المضمر أو المعمى كما يسمى أيضًا حمزة الأصفهاني فقد شرحه شرحًا وافياً في كتابه التنبيه وأبو هلال العسكري في ديوان المعاني 2/ 211 وانظر أيضًا الكشكول 2/ 80 وألف في هذا الباب محمد بن إبراهيم الحنبلي الحلبي المتوفى سنة 971 هـ "الكنز المظهر في استخراج المضمر"، و"كنز من حاجى وعمى في الأحاجي والمعمى". كشف الظنون 2/ 1520.