الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شيخِه، وقد يكونُ من طلبةِ مَرّاكُش أو أغمات الذينَ درَسوا على ابن عبد الملك في المدينتينِ المذكورتين.
ويمكنُ أن نَعُدَّ من تلاميذه: المؤرِّخَ ابن عِذاري المَرّاكُشيّ، فقد وجدناه في كتابه "البيان المُغرِب" يَروي عن ابن عبد الملك، وسنفصِّل هذا في موضعه. هذا كلُّ ما استطعنا الوقوفَ عليه من تلاميذ ابن عبد الملك، ولا شكّ أنّ عددَهم أكثرُ من هذا.
حياته العائليّة:
عرَفْنا ممّا سبق أنّ ابنَ عبد الملك ينتمي إلى أُسرة مَرّاكُشية نبيلة، وقد أشار ابنُ الخَطيب في "رَيْحانة الكُتّاب" إلى "بيته النَّبيه"، وعَرَفْنا أَيضًا ممّا قادنا إليه البحثُ في علائقه العائليّة صلةَ هذا البيت -من جهة أُمِّه- بزوجة الخليفة الموحِّد يوسُف بن عبد المؤمن وأولادِها، وما قد يكونُ لذلك من أثر على وضعه العائليِّ ونشأته في ظلّ هذا الوضع الممتاز، وقد استنتَجْنا من بعض القرائن أنه ربّما كان وحيدَ أبوَيْه، وأنّ والدَه ربّما توفِّي وهو لم يشتَدَّ ساعدُه بعدُ.
ولكنّنا لا نعرفُ متى تزوَّج ولا من أين، ويبدو أنه تزوَّج في شبابه بعدَ أن قطع شوطًا كبيرًا في دراسته، وقد رأينا أنه طَلبَ الإجازةَ خلال رحلته في شبيبتِه إلى الأندَلس لأولاده من ابن خميس، فأجاز لمن أدرك حياتَه منهم، قال ابنُ عبد الملك:"وأدركها منهم محمدٌ وأحمدُ، كان اللهُ لهما". وقد تُوفِّي الشّيخ المذكور سنة 688 هـ، وأدرك محمدٌ، المولود سنة 674 هـ، أربعَ عشْرةَ سنة من حياته. وربّما نستفيد من ترتيب ابن عبد الملك أنّ محمدًا هو أكبر أولاده، وأن أحمدَ يليه، وقد صَحِب أحمدُ هذا والدَه في أثناء رحلته إلى تِلِمْسان عبرَ فاس، وهي الرحلةُ التي أرّخها ابن عبد الملك بعام 699 هـ، ولا بدّ أنه كان فتًى بلَغَ مبلغَ الشباب وكان معه مدّةَ مقامه بمدينة تِلِمْسانَ بعد التاريخ المذكور، ولعلّه بقي إلى جانبه حتى وفاته بهذه المدينة سنة 703 هـ.
ويبدو أنه اصطَحبه معه لمساعدته، أو لأنه ما يزالُ في حاجة إلى التربية والتوجيه، ومهما يكن الأمرُ فقد وجَدْناهما يزورانِ معًا معالمَ تِلِمسان ومزاراتِها الواقعةَ خارج أسوار المدينة المحاصَرة يومئذ، وذلك في مقبُرة العبّاد التي عُني بنو مَرِين بأضرِحتها ومساجدها عنايةً ما تزال ناطقةً بمجدِهم. قال ابن عبد الملك متحدّثًا عن مدفَن أبي مَدْيَن الغَوْث:"ودُفن بمقبُرة العبّاد العُليا قِبلي تِلِمْسينَ إلى جنب الصالح الشهير أبي محمد عبد السّلام التونُسيِّ رحمهما الله، وقبراهما هنالك متبرَّكٌ بهما مَزُورانِ متعرَّفا البركة، نفَعَ الله بهما، وقد زُرتهما أنا وولدي أحمدُ هداه الله"(1).
وأمّا محمدٌ فلعلّه في التاريخ المذكور كان قد شَقّ طريقَ حياته العلميّة وبلغ مبلغَ الاعتماد على النفْس.
ويبدو أنّ أحمد هو ثاني ولدَي ابن عبد الملك اللّذين ذُكِرا في شيوخ ابن البنّاء حسبما نفهَمُه نحن من قول ابن القاضي ساردًا شيوخَ ابن البنّاء: "وأخَذ ابن البنّاء الحديثَ عن أبي عبد الله وأخيه ولدَيْ محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاريِّ الأوسي
…
". ومعنى هذا -إذا صَحّ القَصْد- أنّ أحمدَ المذكور أصبح من أهل العلم الذين يؤخَذ عنهم، ولكننا لم نقفْ على ترجمةٍ له مثلما وقَفْنا على ترجمة أخيه الأكبر أبي عبد الله محمد عند ابن الخَطيب وابن حَجَر والنُّباهيِّ، ولعل أحمدَ هو أبو القاسم المذكورُ في الاستدعاء الكبير، فهي كُنيةُ منِ اسمُه أحمد في الغالب، ومعنى هذا أنه كان موجودًا وأهلًا للإجازة في سنة 684 هـ، وهو تاريخ الاستدعاء الكبير الموجود في رحلة ابن رُشَيْد السَّبتي.
وأمّا محمد فقد وَرِث سرَّ أَبيه وأدبَه وإن لم يرثْ مالَه ولا نَشَبَه، وذلك ما سنشيرُ إليه فيما بعدُ، وقد اضطر أبو عبد الله محمدٌ ولدُ ابن عبد الملك إلى مهاجرة مَرّاكُش بلدِ آبائه وأجدادِه ودُفع إلى الرحيل عنها إلى الأندلس، قال النُّباهي:
(1) الذيل والتكملة 4/الترجمة 245.
ولمّا توفِّي (ابن عبد الملك) جَرى على ابنه المسمى تحامُلٌ في متروكه لتبعةٍ تسلَّطت على نَشَبه أدّته إلى الجلاء عن وطنه، فاستقرّ بمالَقة، وأقام بها زمانًا لا يَهتدي لمكان فضلِه إَلّا من عثَر عليه جُزافًا، وأ ينتقل عن حالته من الحِشْمة والانقباض والعكوف على النظر في العلوم إلى أن توفِّي في ذي القَعْدة من عام 743" (1).
وذَكَرَ ابنُ الخَطيب، الذي ترجَم له في "الإحاطة" -لأنه سَكَن غَرناطة مدّة- و"عائد الصِّلة"، و"ريْحانة الكتّاب" أنه:"جرت عليه جِرايةٌ تبلَّغ بها، وارتفع بسببها، رعيًا لأبيه، وبيتِه النَّبيه"، وأورد له قطعةً "خاطب بها السّلطانَ يستعديه على مَن مَطَله من العمّال، وعَذّر عليه واجبَه من الطعام والمال". وله شعر يمدَحُ فيه ابنَ الخَطيب، وكان هذا يدعوه شيخَه، وقد حدّد هو وابنُ حَجَر كيفيّة وفاته، فذكرا أنه خرَج مجاهدًا متطوّعًا مع المسلمين في جيش مالَقة، ففُقد أو قُتل في وقعة كانت بينَهم وبين النّصارى (2)، وهكذا أبى هذا المغرِبيُّ إلا أن يموت شهيدًا، وكأنه فاز بالشهادة مرتين.
وكان لابن عبد الملك أولادٌ آخَرون غير محمد وأَحمد، وهو يتحدّث عنهم بالجَمْع بدون تحديد أحيانًا والتحديدِ أحيانًا أخرى، فقد ذَكَر في ترجمة ابن الزُّبير أنه بعَث إليه ببرنامَج رواياته محمّلًا له ولبنيه إياه، وقال بعد ذلك في الترجمة نفسها:"وكتب إليّ وإلى بَنيّ بإجازةِ ما رواه وألّفه مطلقًا"(3).
وفي ترجمة ابن الغمّاز يقول: "وكتَبَ إليّ وإلى بَنيَّ الخمسةِ من تونُس"(4).
أمّا أولادُه الثلاثةُ الآخَرون فلا نعرِفُ عنهم شيئًا.
(1) المرقبة العليا 132، والإحاطة 2/ 527.
(2)
الإحاطة 2/ 528.
(3)
الذيل والتكملة 1/الترجمة 31.
(4)
المصدر نفسه 1/الترجمة 602.