الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان من أهل التفنُّن في المعارِف والحَذْق فيما ينتحلُه من العلوم حسَنَ الخُلُق والخَلْق قديمَ النَّجابة، بَرَّزَ في حَداثةِ سنِّه على أقرانِه واشتُهر بالذّكاء وتوقُّد الخاطِر، وشُغِف بالعلم كثيرًا، وانقَطعَ إلى خِدمتِه طويلًا.
وُلدَ بغَرناطةَ يومَ الجمُعة لأربعَ عشْرةَ ليلةً خلَتْ من جُمادى الآخِرة سنة سبع وست مئة، وتوفّي بها لخمسٍ بقِينَ من ذي قَعْدةِ ثمانينَ وست مئة (1).
410 - أحمدُ بن عليّ بن محمد بن حُرَيْث الأنصاريُّ الخَزْرجيُّ
.
كان من أهل العِلم، حيًّا سنةَ خمس وخمس مئة.
411 -
أحمدُ (2) بن عليّ بن محمد بن عبد الملِك بن سُليمانَ بن سيِّد الكِنانيُّ، إشبيليٌّ، أبو العبّاس، اللِّصّ.
لقَّبَه بذلك الأُستاذُ أبو بكر بنُ يحيى الأبيضُ (3) في صِغَرِه لكثرة سَرِقتِه أشعارَ الناس بزَعْمه، فغَلَبَ عليه (4)، وقَلَبَ نسَبَه أبو جعفر بنُ الزُّبَيرِ فقال فيه: أحمدُ بن محمد بن عليّ، والصّحيحُ ما أثبتُّه، كذلك ذكَرَه غيرُ واحد من جِلّة
(1) قال الذهبي: قال لي ابن سهل: إنه مات سنة ثمانين وست مئة، وهو في عشر الثمانين.
(2)
ترجمه التجيبي في زاد المسافر (25)، وابن دحية في المطرب (182)، وابن الأبار في التكملة (212)، وتحفة القادم (125)، وابن سعيد في رايات المبرزين (19)، والذهبي في تاريخ الإِسلام 12/ 594، والصفدي في الوافي 7/ 218، والسيوطي في بغية الوعاة 1/ 344 نقلًا من ابن الزبير ومن هذا الكتاب. وذكر له المقري في نفح الطيب مقطعات من شعره.
(3)
ينظر زاد المسافر (66) وما بعدها، والمطرب (81).
(4)
في المن بالإمامة (ص 155) أنه يسمى باللص لقوله يتغزل في أبي الحسين ابن فَنْدِلة أيام الفتوة:
خلبتَ قلبي بطرف
…
أبا الحسين خلوبِ
فلِمْ اسمَّى بلصٍّ
…
وأنت لصُّ القلوبِ
وواضح من البيتين أنه كان يسمى باللص قبل قوله لهما، ولابن دحية توجيه آخر لهذا اللقب قال: وكان شيخنا هذا رحمه الله يلقب باللص لدماثته وسكونه وتصرفه خفية في جميع شؤونه، ولكنه لا ينكر هذا اللقب مع جاهه عند سلطان زمانه.
أصحابِه الآخِذينَ عنه، واللهُ أعلم، وكذلك قال فيه أبو القاسم عبدُ الرحيم بن عيسى ابن المَلْجوم، وأرى أبا جعفرٍ من عندِه نقَلَه، واللهُ أعلم.
رَوى عن أبي يحيى الأسَديِّ، وأبوَيْ بكر: ابن عبد الغنيِّ بن فَنْدِلةَ والأبيضِ المذكور، وأبي الحَسَن شُرَيْح، وأبي محمد بن محمد بن سارة.
رَوى عنه أبوا بكر: ابنُ أحمدَ بن الجَدّ وابن عبد الله بن قَسّوم، وأبو جعفرٍ عبد الله بن عبد الرحمن بن مَسْلَمةَ، وأبو الحَسَن (1) بن وَجّاد، وأبو الحُسَين محمد بن محمد بن زَرْقُون، وأبو الخَطّاب عُمرُ بن الحَسَن بن الجُمَيِّل، وأبو العبّاس بن عبد السلام الجُراوي، وأبوا علي: الحَسَن بن إبراهيمَ قُرَيْعات وعُمرُ ابن محمد ابن الشَّلَوبِين، وأبو عَمْرٍو محمد بن عبد الله بن غِياث، وأبوا القاسم: عبدُ الرحيم بن عيسى ابن المَلْجُوم وعبد الرحمن بن يحيى بن عبد الرحمن بن حَكَم. وكان مُقرِئًا مجوّدًا (2)، متحقِّقًا بعلوم اللِّسان نَحواً ولُغةً وأدبًا، ذاكرًا للتواريخ حسَنَ المُجالسة، شاعرًا مُفلِقًا، وشعرُه مدوَّن، وأقرَأَ اللّغة والعربيّةَ والأدبَ طويلًا.
ومن طريفِ ما جَرى له في انتحالِه شعرَ غيِره: أنّ أحدَ بني عبد المؤمن قَدِم على إشبيلِيَةَ واليًا، فانتَدبَ أُدباؤها (3) لامتداحِه وتلقِّيه بالتّهنئةِ والإنشاد، إذا دخَلوا عليه، قال: فطمِعتُ في تلك اللّيلة أن يَسمَحَ خاطري بشيءٍ في ذلك المقصِد فلم يتَّجِهْ لي شيء، فنظرتُ إلى مُعلَّقاتي فخَرَجَ لي قصيدٌ لأبي العبّاس الأعمى (4) وعليه مكتوبٌ ولم يُنشَدْ، فأدغَمْتُ فيه اسمَ ذلك الأمير وقلَبْتُه في مَدْحِه، فلمّا أصبَحنا وخرَجْنا إلى اللقاء وأنشَدَ الناسُ وأنشَدتُ ذلك القَصِيد،
(1) بعد هذا فراغ في النسختين، وهو أبو الحسن وجاد بن أحمد بن وجاد الأزدي من أهل إشبيلية، وهو مترجم في التكملة الأبارية (3337).
(2)
في ق: "محدثاً"، وليس بشيء.
(3)
في ق: "أدباءها".
(4)
تنظر ترجمته المفصلة في مقدمة ديوانه بتحقيق الدكتور إحسان عباس يرحمه الله.
فقام أبو القاسم محمدُ بن إبراهيمَ ابن المَواعِيني (1) وأخرَجَ من كُمِّه القصيدَ نفْسَه وقد صنَعَ فيه ما صنعتُ، وأخبَرَ بقصّتِه في ذلك فإذا قصتُهما واحدة، فضحِكَ الوالي من ذلك وأثابَهما ثوابَ غيرِهما من الشّعراء، وكثُرَ العَجَبُ من تَوارُدِهما على السّرِقة، وصارت بينَ الناس أُحْدوثة زماناً.
وبالجُملة، فإنه كان من الشّعراءِ المُجِيدين والأُدباء المبرِّزِين والأساتيذِ المُفيدين، وقد أنجَبَ تلامذة شُعراءَ بَرَعة. وممّا استُجيدَ من شعرِه في معنى المُناجاةِ: قولُه [الكامل]:
مولايَ إنّي ما أتيتُ جريمة
…
إلا وقلْتُ: تَندّمي يَمحوها
لولا الرجاءُ ونيّةٌ لي نُطتَّها
…
بكريم عَفْوِك لم أكنْ آتيها
ونَظْمُه كثيرٌ، ومنه في الغَزَل [مخلّع البسيط]:
كِلْني إلى أدمُع تسِحُّ
…
تكتُبُ سرّ الهوى وتَمْحو
يا جُمَلًا في الفؤادِ تُعْيي
…
هل لك بينَ الجُفونِ شَرحُ
أفْدي التي لو بَغَتْ فسادًا
…
لم يكُ بينَ الأنامِ صُلحُ
شَحَّ بها أهلُها وضَنُّوا
…
أنا بها لو دَرَوْا أشَحُّ
رَبِيْتُ جِدًّا بها ومَزْحًا
…
فعاش جِدٌّ مات مَزْحُ
صاحيةٌ والجفونُ سَكْرى
…
مَن أسكَرَتْهُ فليس يَصْحو
إنْ نالَني معشَرٌ بلَوْمٍ
…
في طَيِّه الغِشُّ وهْو نُصْحُ
قد قَدَحوا لو شَعْرتِ قلبي
…
فيكِ وقَدْحُ اللّئام مَدْحُ
جارَ عليكِ العبادُ ظُلمًا
…
سَمَّوكِ ليلى وأنت صُبْحُ
لو صحَّ أنّ الملامَ يُسْلي
…
لَصحَّ أنّ الصّباحَ جُنْحُ (2)
(1) مترجم في التكملة (1433).
(2)
الأبيات: 1، 2، 3، 6، 9، 10 وردت في زاد المسافر: 52 - 53.
وأنشدتُ على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيّ رحمه الله قال: أنشَدَني الراوِيةُ أبو القاسم ابنُ الطَّيْلَسان، قال: أنشَدَني أبو جعفرٍ عبدُ الله بن عبد الرحمن بن مَسْلَمةَ، قال: أنشَدَني الأستاذُ أبو العبّاس بن سيّد لنفسِه يُخاطبُ ابنَ فُضَيْل الكاتبَ في هجرةٍ نالَتْه [البسيط]:
لا تيأسَنَّ فكم ضِيقٍ إلى سَعةٍ
…
فيما بلَوْنا وكم همِّ إلى فَرَجِ
إنَّ الأميرَ أبٌ نالَتْك جَفْوتُه
…
وهل على جَفوةِ الآباءِ من حَرَجِ
ومن شعرِه في حالِ مرضٍ أصابَه [المتقارب]:
وقائلةٍ والضَّنى شاملي:
…
عَلامَ سهِرتَ ولم تَرقُدِ
وقد ذاب جِسمُك فوقَ الفِرا
…
ش حتى خَفِيتَ على العُوَّدِ؟
فقلتُ: وكيف أُرى نائمًا
…
ورابي المنيّة بالمَرصَدِ
وكان دأبُه استصحابَ كِسْرةِ خُبز لا يُفارقُها، فقيل له في ذلك، فذَكَرَ أنه قيلَ له في النّوم: لا يموتُ إلا عطشان، فأنا أخافُ من ذلك، فإنْ أصابَني العطشُ دفعتُها إلى سَقّاءٍ يَسقيني، فقضَى اللهُ سبحانه أن توفِّي وحيدًا في منزلِه، فلا يَبعُدُ أن يكونَ مات عَطَشًا كما أُخبِر في النّوم، واللهُ أعلم.
وكانت وفاتُه بإشبيلِيَةَ عامَ سبعة أو ثمانية، وقيل: ثلاثة، وقال أبو الحَسَن الشارِّي: اثنينِ وسبعينَ وخمس مئة. وهذان القولانِ الآخِران كلاهما باطلٌ قَطْعًا، فقد وقَفْتُ على بعض ما قُرئ عليه مؤرَّخًا بجُمادى الأُولى سنةَ أربع وسبعينَ.
مَولدُه في صَفَرِ ثنتينِ أو ثلاث -الشكُّ منه- وخمس مئة.
412 -
أحمدُ (1) بن عليّ بن محمد بن عليّ بن سَكَن، مُرباطري، أبو العبّاس.
(1) ترجمه ابن الأبار في التكملة (305)، والذهبي في تاريخ الإِسلام 14/ 311، والصفدي في الوافي 7/ 238، وابن الجزري في غاية النهاية 1/ 87، والقادري في نهاية الغاية، الورقة 20، والسيوطي في بغية الوعاة 1/ 645، والمقري في نفح الطيب 2/ 137.