الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أوْ لِضَرَرٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ، مِنْ جُرْحٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ، أَوْ مَرَضٍ يَخْشَى زِيَادَتَهُ أَوْ تَطَاوُلَهُ،
ــ
فصل: فإن لم يَجِدْ إلَّا ماءً وَلَغَ فيه بَغْلٌ أو حِمارٌ، فرُوى عن أحمدَ، أنَّه قال: إِذا لم يَجِدْ غيرَ سُؤْرِهما تَيَمَّمَ معه، فيُقَدِّمُ الوُضُوءَ، ثم يَتَيَمَّمُ. نَصَّ عليه أحمدُ، ليَكُونَ عادِمًا للماءِ بيَقِينٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ في المَذْهَبِ أن يُصَلِّيَ بكلِّ واحِدٍ منهما، ليَحْصُلَ له تَأْدِيَةُ فَرْضِه بيَقِينٍ. فعلى هذا يُقَدِّمُ التَّيَمُّمَ، ويُصَلِّي ثم يَتَوَضَّأُ، لجَوازِ أن يكُونَ الماءُ نَجِسًا، ولا يَضُرُّ ههُنا تَقْدِيمُ التَّيَمُّمِ مع كَوْنِه مُسْقِطًا للفَرْضِ، كما إِذا اشْتَبَهَتِ الثِّيابُ. فإن أراد أن يُصَلِّيَ صلاةً أُخْرَى في وَقْتٍ واحِدٍ، لم يَحْتَجْ إِلى إعادَةِ الوُضُوءِ إذا لم يُحْدِثْ، لأنَّ الماءَ إن كان طاهِرًا، فالوُضُوءُ بحالِه، وإن كان نَجِسًا، فلا حاجَةَ إلى تَكْرارِ الوُضُوءِ بماءٍ نَجسٍ، ولا يَحْتاجُ في الصلاةِ الثانيةِ إِلى أن يَفْعَلَها مَرَّتَين؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ له تأْدِيَة فَرْضِه بيَقِينٍ؛ لأنَّ أعْضاءَه قد تَنَجَّسَتْ بالماءِ على تَقْدِيرِ نَجاسَتِه، هذا إذا كان مُسْتَدِيمًا للطهارةِ الأُولَى. ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ، قال: ويُمْكِنُ تَأْدِيَتُه بيَقِين، بأن يَتَيَمَّمَ للحَدَثِ والنَّجاسَةِ، ويُصَلِّيَ؛ لأنَّه إن كان الماءُ طاهِرًا، فقد صَحَّتْ صَلاُته، وإن كان نَجِسًا، فقد تَيَمَّمَ للنَّجاسَةِ لي الحَدَثِ، فتَصِحُّ صلاتُه.
166 - مسألة؛ قال: (أو لضَرَرٍ في اسْتِعْمالِه؛ مِن جُرْحٍ، أو بَرْدٍ شَدِيدٍ، أو مَرَضٍ يَخْشَى زِيادَتَه أو تَطاوُلَه)
هذه تَشْتَمِلُ على مَسائِلَ؛
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدُها، التَّيَمُّمُ لخَوْفِ البَرْدِ، متى أمْكَنَه تَسْخِينُ الماءِ، أو اسْتِعْمالُه على وجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ، مثْلَ أنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عضوًا، كُلَّما غَسَل شيئًا سَتَره، لَزِمَه ذلك. وإن لم يَقْدِرْ، تَيَمَّمَ وصَلَّى، في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وقال عَطاءٌ والحسنُ: يَغْتَسِلُ وإن مات. ومُقْتَضَى قَوْلِ ابنِ مسعودٍ نَحْوُ ذلك. ووَجْهُ الأوَّلِ قَوْلُه تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (1). ولِما روَى عَمْرُو بنُ العاصِ، قال: احْتَلَمْتُ في لَيلَةٍ بارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذاتِ السَّلاسِلِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أن أهْلِكَ، فتَيَمَّمْتُ، ثم صَلَّيتُ بأصحابِي الصُّبْحَ، فذَكَرُوا ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال:«يَا عَمْرُو، صَلَّيتَ بِأصْحَابِكَ، وَأنْتَ جُنُبٌ» ؛ فأخْبَرْتُه بالذي مَنَعَنِي مِن الاغْتِسالِ، وقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ اللهَ عز وجل يقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} . فضَحِكَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولم يَقُلْ شيئًا. رَواه الخَلّالُ، وأبو داودَ (2).
(1) سورة النساء 29.
(2)
في: باب إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 81. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 203. وأخرجه البخاري في ترجمة باب إذا خاف على نفسه المرض إلخ، من كتاب التيمم. صحيح البخاري 1/ 95.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسُكُوتُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدُلُّ على الجَوازِ؛ لأنَّه لا يُقِرُّ على الخَطَأ. ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِه، أشْبَهَ المَرِيضَ. وهل تَلْزَمُه الإِعادَةُ، إذا قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا تَلْزَمُه، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، وأبي حَنِيفَةَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لحديثِ عَمْرٍو، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يَأْمُرْه بإعادَةٍ، ولو وَجَبَتْ لَأمَرَه بها، فإنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ. ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِه، أشْبَهَ المَرِيضَ. والثانيةُ، تَلْزَمُه الإِعادَةُ في الحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، لمحمدٍ؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ غيرُ مُتَّصِلٍ، فلم يَمْنَعِ الإِعادَةَ، كنِسْيانِ الطهارةِ. قال الشيخُ (1): والأوَّلُ أصَحُّ. ويُفارِقُ نسْيانَ الطهارةِ، فإنَّه لم يَأْتِ بما أُمِرَ به، وإنما ظَنَّ أنَّه أتَي به، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا. وقال الشافعيُّ: يُعِيدُ الحاضِرُ. لِما ذَكَرْنا، وفي المُسافِرِ قَوْلان.
فصل: الثاني، الجَرِيحُ والمَرِيضٌ إذا خاف على نَفْسِه مِن اسْتِعْمالِ الماءِ، فله التَّيَمُّمُ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عباسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ. وقال عَطاءٌ والحسنُ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا عندَ عَدَمِ الماءِ. ولَنا، قَوْلُ الله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} . وحديثُ عَمْرِو بنِ العاصِ حينَ تَيَمَّمَ مِن خَوْفِ البَرْدِ. وحَدِيثُ صاحِبِ الشَّجَّةِ (2). ولأنَّه يُباحُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف العَطَشَ، أو خاف مِن سَبُعٍ، فكذلك ههُنا؛ لأنَّ الخَوْفَ لا يَخْتَلِفُ،
(1) انظر: المغني 1/ 340.
(2)
يأتي تخريجه في صفحة 187.