الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرَّابِعُ، مَسُّ الذَّكَرِ بِيَدِهِ، بِبَطنِ كَفِّهِ، أَوْ بِظَهْرِهِ،
ــ
فصل: والنَّوْمُ الغَلَبَةُ علي العَقْلِ، فمَنْ لم يُغْلَبْ على عَقْلِه فلا وضوءَ عليه. وقال بَعْضُ أهلِ اللُّغَةِ، في قولِهِ تعالى:{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} (1). السِّنَةُ ابْتِداءُ النُّعاسِ في الرَّأْسِ، فإذا وَصَل إلى القَلْبِ صارَ نَوْمًا، قال الشاعرُ (2):
وَسْنانُ أقْصَدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ
…
في عَينِه سِنَةٌ وليس بنائِمِ
ولأنَّ النّاقِضَ زَوالُ العَقْلِ، فمتى كان العقلُ ثابِتًا وحِسُّه غيرَ زائِلٍ، مِثْلَ مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ عندَه ويَفْهَمُه، لم يُوجَدْ سَبَبُ النَّقْضِ. وإن شَكَّ في النَّوْمِ، أو خَطرَ ببالِه شيءٌ لا يَدْرِي أرُؤْيا أو حَدِيثُ نَفْسٍ، فلا وُضُوءَ عليه.
135 - مسألة: (الرابعُ، مَسُّ الذَّكَرِ بيَدِه، ببَطنِ كَفِّه أو بظَهْرِه)
(1) سورة البقرة 255.
(2)
البيت لعدي بن الرقاع، وهو في تفسير الطبري (شاكر) 5/ 255. وانظر لتخريجه وشرحه حاشيته.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في مَسِّ الذَّكَرِ على ثلاثِ رِواياتٍ، إحْداها، لا يَنْقُضُ بحالٍ. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيفَةَ (1)، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ (2)، وأبي الدَّرْداءِ (3). وهو قولُ رَبِيعَةَ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحاب الرَّأْي؛ لما روَى قَيسُ بنُ طَلْقٍ، عن أبيه، قال: كُنتُ جالِسًا عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال رجلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي -أو- الرجلُ يَمَسُّ ذَكَرَه في الصلاةِ، عليه وُضُوءٌ؟ قال: «لَا، إنَّمَا هُوَ
(1) أبو عبد الله حذيفة بن اليمان (حسل) بن جابر العبسي الصحابي، من أعيان المهاجرين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أسر إليه أسماء المنافقين، فسمى صاحب السر، توفي بعد عثمان بن عفان رضي الله عنه. سير أعلام النبلاء 2/ 361 - 369.
(2)
أبو نجيد عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي الصحابي، وكان ممن اعتزل الفتنة، ولم يحارب مع على رضي الله عنه، توفي سنة اثنتين وخمسين. سير أعلام النبلاء 2/ 508 - 512.
(3)
أبو الدرداء عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، حكيم الأمة، وسيد القراء بدمشق، توفي سنة اثنتين وثلاثين. سير أعلام النبلاء 2/ 335 - 353.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَضْعَةٌ مِنْكَ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ (1). ولأنَّه عُضْوٌ منه (2)، فلم يَنْقضْ، كسائِرِ أعضائِه (3). والرِّوايَةُ الثانيةُ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ بكلِّ حالٍ. وهي ظاهِرُ المذهبِ. وهو مذهبُ ابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وعُرْوَةَ، وسُلَيمانَ بنِ يَسارٍ (4)، والزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وهو المَشْهُورُ عن مالكٍ؛ لما رَوَتْ بُسْرَةُ بنتُ صَفْوانَ، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ مَسَّ
(1) أخرجه أبو داود، في: باب الرخصة في مس الذكر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 411. والنسائي، في: باب ترك الوضوء من مس الذكر، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 84. والترمذي، في: باب ترك الوضوء من مس الذكر، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 116. وابن ماجة، في: باب الرخصة في مس الذكر، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 163. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 22، 23.
(2)
ساقطة من: «م» .
(3)
في م: «الأعضاء» .
(4)
أبو أيوب سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، ويقال كان مكاتبا لأم سلمة، كان من علماء الناس بعد ابن المسيب ومن فقهاء المدينة، مات سنة سبع ومائة. تهذيب التهذيب 4/ 228 - 230.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». وعن جابرٍ مِثْلُ ذلك. رَواهُما ابنُ ماجَه (1). قال التِّرْمِذِيُّ: حديثُ بُسْرَةَ حسنٌ صحيحٌ. وقال البُخارِيُّ: أصَحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ بُسْرَةَ. وصَحَّحَه الإِمامُ أحمدُ. فأمّا حديثُ قَيس، فقال أبو زُرْعةَ وأبو حاتِمٍ (2): قَيسٌ مِمَّن لا تَقُومُ برِوايَتِه حُجَّةٌ. ووَهَّناه. ولم يُثْبِتاه. ثم إنَّ حَدِيثَنا مُتأخِّرٌ، لأنَّ أبا هُرَيرَةَ قد رَواه (3)، وهو مُتأخِّرُ الإِسلام، إنَّما صَحِبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أربعَ سِنِينَ، وكان قُدُومُ طَلْقٍ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهم يُؤْسِّسُونَ المسجدَ، فيَكُونُ حَدِيثُنا ناسِخًا له. وقياسُ الذَّكَرِ على سائِرِ البَدَنِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به أحكامٌ يَنْفَرِدُ بها؛ مِن وُجُوبِ الغُسْلِ بإيلاجِه والحَدِّ والمَهْرِ، وغيرِ ذلك. والرِّوايَةُ الثالثةُ، لا يَنْقُضُ إلَّا أن يَقْصِدَ مَسَّه، قال أحمدُ بنُ الحُسينِ (4): قِيلَ
(1) في: باب الوضوء من مس الذكر، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 162 كما أخرج حديث بسرة أبو داود، في: باب الوضوء من مس الذكر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 41. والترمذي، في: باب الوضوء من مس الذكر، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 114. والنسائي، في: باب الوضوء من مس الذكر، من كتابي الطهارة والغسل. المجتبى 1/ 83، 84، 177. والدارمي، في: باب الوضوء من مس الذكر، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 184، 185. والإمام مالك، في: باب الوضوء من مس الفرج، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 42. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 406، 407.
(2)
محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الرازي، أبو حاتم. الإمام الحافظ الكبير الحجة، أحد الأئمة الأعلام. توفي سنة سبع وسبعين ومائتين. مقدمة الجرح والتعديل، تهذيب التهذيب 9/ 31 - 34.
(3)
أخرجه الدارقطني، في: باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذلك، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 147. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 333.
(4)
أحمد بن الحسين بن حسان، من أهل سر من رأى صحب الإمام أحمد، وروى عنه أشياء. طبقات الحنابلة 1/ 39.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأحمدَ: الوُضُوءُ مِن مَسِّ الذَّكَرِ؛ فقال: هكذا. وقَبَض على يَدِه. يَعْنِي إذا قَبَض عليه. وهو قولُ مَكْحُولٍ. وقال طاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وحُمَيدٌ الطَّويل (1): إن مَسَّه يُرِيدُ وُضُوءًا، وإلَّا فلا شيءَ عليه، لأنَّه لَمْسٌ، فلا يَنْقُضُ الوُضُوءَ لغيرِ قَصْدٍ كلَمْسِ النِّساءِ. وسَواءٌ مَسُّه ببَطنِ كَفِّه أو بظَهْرِه. وهذا قولُ عَطاءٍ، والأوْزاعِيِّ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ: لا يَنْقُضُ مَسُّه بظاهِرِ الكَفِّ. وحَكاه أبو الخَطابِ رِوايَةً عن أحمدَ؛ لأنَّه ليس بآلَةٍ للْمَسِّ، فأشْبَهَ ما لو مَسَّه (2) بفَخِذِه. ولَنا، قَوْلُ
(1) أبو عبيدة حميد بن أبي حميد الطويل الخزاعي، مولاهم، بصري ثقة، توفي سنة اثنتين وأربعين ومائة. تهذيب التهذيب 3/ 38 - 40.
(2)
في م: «مسحه» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أفْضَى بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ، لَيسَ دُونَه سِتْرٌ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيهِ الْوُضُوءُ» . رَواه الإِمامُ أحمدُ، والدّارَقُطْنِيُّ (1). وظاهِرُ كَفِّه مِن يَدِه، وإلإِفْضاءُ اللَّمْسُ مِن غيرِ حائِلٍ. ولأنَّه جُزْءٌ مِن يَدِه أشْبَهَ باطِنَ الكَفِّ. وإنَّما يَنْتَقِضُ وُضُوءُه إذا لَمَسَه مِن غيرِ حَائِلٍ؛ لِما ذَكَرْنا. وذَكَر القاضي عن أحمدَ رِوايَةً، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا مَسُّ الثَّقْبِ الَّذي في رَأْسِ الذَّكَرِ، ولا يَنْقُضُ لَمْسُ غيرِه. قال: والأوَّلُ أصَحُّ؛ لعُمُوم الأحادِيثِ الدّالَّةِ على النَّقْضِ، وذكر أبو الخَطّابِ رِوايَةً عن أحمدَ (2)، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا لَمْسُ الحَشَفَةِ خاصَّةً. والأوَّلُ أصَحُّ، لعُمُومِ النَّصِّ.
(1) انظر تخريج حديث أبي هريرة المتقدم قبل قليل.
(2)
سقط من: «م» .