الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإِنْ خَالطَهُ ذُو غُبَارٍ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّم بِهِ، كَالْجَصِّ وَنَحْوهِ، فَهُوَ كَالْمَاءِ إذَا خَالطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ.
ــ
فصل: ويَجُوزُ أن يَتَيَمَّمَ جماعة مِن مَوْضِعِ واحدٍ، بغيرِ خِلافٍ، كما يجوزُ أن يَتَوَضَّئُوا مِن حَوْض واحدٍ، فأمّا التُّرابُ الذي يَتَناثر مِن الوَجْهِ واليَدَين بعدَ مَسْحِهِما به، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَجُوزُ التَّيَمُّم به؛ لأنَّه لم يَرْفَع الحَدَثَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. والثاني، لا يَجُوزُ، لأنَّه مُسْتَعْمَلٌ في طهارةٍ أباحَتِ الصلاةَ، أشْبَهَ الماءَ المُسْتَعْمَلَ في الطهارةِ. وللشافعيِّ وَجْهَان كهَذَين. وكذلك التُّرابُ الذي بَقِي على وَجْهِ المُتَيَمِّمِ ويَدَيه، إذا مَسَح غيرُه به أعْضاءَ تَيَمُّمِه، كالماءِ المُسْتَعْمَلِ.
178 - مسألة: (فإن خالطَه ذُو غُبارٍ لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ به، كالجَصِّ ونَحْوه، فهو كالماءِ إذا خالطَتْه الطاهِراتُ)
إن كانتِ الغَلَبَةُ للتُّرابِ جازَ، وإن كانت للمُخَالِطِ لم يَجُزْ. ذَكَره القاضي وأبو الخَطّابِ، قِياسًا على
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الماءِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَمْنَعُ التَّيَمُّمَ به، وإن كان قَلِيلًا. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه رُبَّما حَصَل في العُضْو، فمَنَعَ وُصُولَ التُّرابِ إليه، بخِلافِ الماءِ، فإنَّ المائِعَ يُسْتَهْلَكُ فيه، فلا يَجْرِى على العُضْو إلَّا ومعه جزْءٌ مِن الماءِ. فأمّا إن كان المُخالِطُ لا يَعْلَقُ باليَدِ، لم يَمْنَعْ؛ لأنَّ أحمدَ قد نَصَّ على جَوازِ التَّيَمُّمِ مِن الشَّعِيرِ، وذلك لأنَّه لا يَحْصُلُ على اليَدِ مِنه ما يَحُولُ بينَ الغُبارِ وبينَها.
فصل: فإن خالطَه نَجاسَةٌ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يجُوزُ التَّيَمُّم به، وإن كَثُر التُّرابُ، لأنَّ الترابَ لا يَدْفَعُ النَّجاسَةَ عن نَفْسِه، فهو كالمائِعاتِ، تَتَنَجَّسُ بالنَّجاسَةِ وإن كَثُرَتْ.
فصل: وإن كان في طِين لا يَجِدُ تُرابًا، فحُكِيَ عن ابنِ عباس أنَّه يَأخُذُ الطِّينَ، فيَطْلِي به جَسَدَه، فإذا جَفَّ تَيَمَّمَ به. وإن خاف فَواتَ الوَقْتِ قبلَ جَفافِه، فهو كالعادَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان يَجِفُّ قَرِيبًا، انتظَرَ جَفافَه وإن فاتَ الوَقْتُ، كالمُشْتَغِلِ بتَحْصِيلِ الماءِ مِن بِئْرٍ ونَحْوه. وإن لَطَخ وَجْهَه بطِينٍ، لم يُجْزِه، لأنَّه لا يَقَعُ عليه اسمُ الصَّعِيدِ، ولأنَّه لا غُبارَ فيه، أشْبَهَ التُّرابَ النَّدِي.
فَصْلٌ: وَفَرَائِضُ التَّيَمُّمِ أرْبَعَةٌ؛ مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ، وَيَدَيهِ إِلَى كُوعَيهِ، والترتِيبُ، وَالمُوَالاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
ــ
فصل: (وفَرائِضُ التَّيَمُّمِ أربعةٌ، مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِه، ويَدَيه إلى كُوعَيه، والترتِيبُ، والمُوالاةُ على إحْدَى الرِّوايَتَين) لا خِلافَ في وُجُوبِ مَسْحِ الوَجْهِ والكَفَّين في التَّيَمُّمِ، لقَوْلِه تعالى:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُم منْهُ} . ويَجِبُ اسْتِيعابُ الوَجْهِ والكَفَّين بالمَسْحِ، فيَمْسَحُ ما يَأتِي عليه الماءُ، إلَّا المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشاقَ، وما تحتَ الشُّعُور
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخَفِيفَةِ. وهذا قولُ الشافعي. وقال سُلَيمانُ بنُ داودَ (1): يُجْزِئُه إذا لم يُصِبْ إلا بَعْضَ (1) وَجْهِه وبعضَ كَفَّيه. ولَنا، قوله تعالى:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُم} . والباءُ للإِلْصاقِ، فصار كأنَّه قال: فامْسَحُوا وُجُوهكم وأيدِيَكُم. فيَجِبُ تَعْمِيمُهما، كما وَجَب تَعْمِيمُهما بالغَسْلِ؛ لقَوْلِه تعالى:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأيدِيَكُم إِلَى الْمَرَافِقِ} . فإن بَقِي مِن مَحَلِّ الفَرْضِ شيءٌ لم يَصِلْه التُّرابُ، أمَرَّ يَدَه عليه ما لم يَفْصِلْ راحَتَه، فإن فَصَل راحَتَه، وكان قد بَقِى عليها غُبارٌ، جاز أن يَمْسَحَ بها، وإن لم يَبْقَ عليها غُبارٌ، احْتاجَ إلى ضَرْبَةٍ أخْرَى. وإن كان المَتْرُوكُ مِن الوَجْهِ، مَسَحَه وأعاد مَسْحَ يَدَيه؛ ليَحْصُلَ الترتِيبُ. وإن تَطاوَلَ الفَصْلُ بَينَهما، وقُلْنا بوُجُوبِ المُوالاةِ، اسْتَأنَفَ التَّيَمُّمَ. ويُرْجَعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه
(1) يعني الإمام أبا داود الطيالسي الحافظ، كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث، توفي سنة أربع ومائتين. سير أعلام النبلاء 9/ 378 - 384.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى القَدْرِ الذي ذَكَرْناه في الطهارةِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ فَرْعٌ عليها. وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في وُجوبِ الترتِيبِ والمُوالاةِ في الوُضُوءِ، وذَكَرْنا الدَّلِيلَ بما يُغْنِي عن إعادَتِه، والتَّيَمُّمُ مَبْنيٌّ عليه؛ لأنَّه بَدَلٌ عنه، ومَقِيسٌ عليه، وظاهِرُ المَذْهَبِ وُجُوبُهما في الوُضوءِ، كذلك ههُنا. والحُكْمُ في التَّسْميَةِ ها هنا كالحُكْمِ في التسميةِ في الوُضوءِ، علي ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيه.
فصل: ويَجِبُ مَسْحُ اليَدَين إلى المَوْضِعِ الذي يُقْطَعُ منه السّارِقُ. أوْمَأ إليه أحمدُ، وقال: قال اللهُ تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيدِيَهمَا} (1) مِن أين تُقْطَع (2) يَدُ السّارِقِ؟ ألَيسَ مِن ههُنا؟ وأشارَ إلى الرُّسْغ. وقد رَوَينا عن ابنِ عباس نَحْوَ هذا. وقال الشافعيّ: يجِبُ المَسْحُ إلى المِرْفَقَين، كالوُضُوءِ. وسنَذْكر ذلك إن شاء الله تعالى. فإن كان أقْطَعَ مِن فوقِ الرُّسْغِ سَقَط مَسْحُ اليَدَين، وإن كان مِن دُونِه مَسَح ما بَقِيَ، وإن كان مِن المَفْصِلِ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَمْسَحُ مَوْضِعَ القَطْع
(1) سورة المائدة 38.
(2)
في م: «تقع» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال (1): ونَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الرُّسْغَين في التَّيَمُّمِ كالمِرْفَقَين في الوُضوءِ، فكما أنَّه إذا قُطِع مِن المِرْفَقَين في الوُضُوءِ غَسَل ما بَقِيَ، كذلك ههُنا يَمسحُ العَظْمَ الباقِيَ. وقال القاضي: يَسْقُطُ الفَرْضُ؛ لأنَّ مَحَلَّه الكَفُّ الذي يُوخَد في السَّرِقَةِ، وقد ذَهَب، لكنْ يُسْتَحَبُّ إمْرارُ التُّرابِ عليه. ومَسْحُ العَظْمِ الباقِي مع بَقاءِ اليَدِ، إنَّماكان ضَرُورَةَ اسْتِيعابِ الواجِبِ، لأنَّ الواجِبَ لا يتمُّ إلَّا به، فإذا زال الأصْلُ سَقَطَ ما هو مِن ضَرُورَتِه، كمَن سَقَط عنه غَسْلُ الوَجْه، لا يَجِبُ عليه غَسْلُ جُزْءٍ مِن الرَأسِ.
فصل: وإن أوْصَلَ التُّرابَ إلى مَحَلِّ الفَرْض بخِرْقَةٍ أو خَشَبَةٍ، فقال القاضي: يُجْزِئُه، لأنَّ اللهَ تعالى أمَر بالمَسْحِ، ولم يُعَيِّنْ آلتَه. وقال ابنُ عَقِيل: فيه وَجْهان، بِناءً على مَسْحِ الرَّأسِ بخِرْقَةٍ رَطْبَةٍ. وإن مَسَح مَحَلَّ الفَرْض بيَدٍ واحِدَةٍ، أو ببَعْضِ يَده، أجْزأه. وإن يَمَّمَه غيرُه جاز، كما لو وَضَّأه، وتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ في المُتَيَمِّمِ دُونَ المُيَمِّمِ، لأنَّه الذي يَتَعَلَّقُ به الإِجْزاءُ والمَنْعُ.
(1) سقط من: «م» .