الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإنْ وَجَدَهُ فِيهَا بَطَلَتْ. وَعَنْهُ، لَا تَبْطُلُ.
ــ
سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ: يُعِيدُ الصلاةَ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ، عن أبي سعيدٍ، أنَّ رَجُلَين خَرَجا في سَفرٍ، فحَضَرَتِ الصلاةُ وليس معهما ماءٌ، فتَيَمَّما صَعِيدًا، فصَلَّيا، ثم وَجَدا الماءَ في الوَقْتِ، فأعادَ أحَدُهما الوُضُوءَ والصلاةَ، ولم يُعِدِ الآخَرُ، ثم أتيا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فذَكَرا له ذلك، فقال للذي لم يُعِدْ:«أصبْتَ السُّنَّةَ (1)، وَأجْزأتكَ صَلَاتُكَ» . وقال للذي أعادَ: «لَكَ الْأجْرُ مَرَّتَين» (2). واحْتَجَّ أحمدُ بأنَّ ابنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ وهو يَرَى بُيُوتَ المَدينَةِ، فصَلَّى العَصْرَ، ثم دَخَل المدينةَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، فلم يُعِدْ. ولأنَّه أدَّى فَرْضَه؛ كما أمِرَ، فلم تَلْزَمْه الإِعادَةُ، كما لو وَجَدَه بعدَ الوَقْتِ، ولأنَّ عَدَمَ الماءِ عُذْرٌ مُعْتادٌ، فإذا تَيَمَّمَ معه يَجِبُ أنْ يُسْقِطَ فَرْضَ الصلاة كالمَرَيض، وكما لو وَجَدَه بعدَ الوَقْتِ.
187 - مسألة: (وإن وَجَدَه فيها، بَطَلَتْ. وعنه، لا تَبْطُل)
ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُتَيَمِّمَ إذا قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ وهو في الصلاةِ، بَطَل
(1) سقط من: «م» .
(2)
أخرجه أبو داود، في: باب في المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 82. والنسائي، في: باب التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 174. والدارمي، في: باب التيمم، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 190.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَيَمُّمُه وبَطَلَتْ صَلاتُه، لبُطْلانِ طَهارَتِه، فيَتَوَضَّأُ إن كان مُحْدِثًا، ويَغْتَسِلُ إن كان جُنُبًا، ويَسْتَقْبِلُ الصلاةَ. ويَتَخَرَّجُ أن يَبْنِىَ على ما مَضَى مِن صَلاتِه، كمَن سَبَقَه الحَدَثُ، وفيه رِوايَتان؛ أصَحُّهما أنَّه يَسْتَقْبِلُ الصلاةَ. وههُنا أوْلَى؛ لأنَّ ما مَضَى مِن صَلاتِه انْبَنَى على طهارةٍ ضَعِيفَةٍ، فلم يَكُنْ له البِناءُ عليه، كطهارةِ المُسْتَحاضَةِ، بخِلافِ مَن سَبَقَه الحَدَثُ. والقَوْلُ ببُطْلانِ الصلاةِ قولُ الثَّوْرِيِّ وأبي حَنِيفَةَ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا تَبْطُلُ الصلاةُ. ورُوِيَ عن أحمدَ نَحْوُ ذلك. ورُوِيَ عنه أنَّه قال: كنتُ أقول يَمْضِي، تم تَدَبَّرْتُ فإذا أكْثَرُ الأحادِيثِ على أنَّه يَخْرُجُ. وهذا يَدُلُّ على رُجُوعِه عن هذه الرِّوايَةِ. واحْتَجُّوا بأنَّه وَجَد المُبْدَلَ بعدَ تَلبُّسِه بمَقْصُودِ البَدَلِ، فلم يَلْزَمْه الخُرُوجُ، لو وَجَد الرَّقَبَةَ بعدَ التَّلَبُّسِ بالصيامِ، ولأنَّه غيرُ قادِرٍ على اسْتِعْمالِ الماءِ؛ لأنَّ قُدْرَتَه تَتَوَقَّفُ على إبْطالِ الصلاةِ، وهو مَنْهِيٌّ عن إبْطالِها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بقَوْلِه تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ} (1). ولَنا، قَوْلُه عليه السلام:«الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ» . أخْرَجَه أبو داودَ والنَّسائِيُّ (2). دَلَّ بمَفْهُومِه على أنَّه لا يَكُونُ طَهُورًا عندَ وُجُودِ الماءِ، وبمَنْطُوقِه على وُجوبِ اسْتِعْمالِه عندَ وُجودِه. ولأنَّه قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ فبَطَلَ تَيَمُّمُه، كالخارِجِ مِن الصلاةِ، ولأنَّ التَّيَمَّمَ طهارةُ ضَرُورَةٍ، فبَطَلَتْ بزَوالِ الضَّرُورَةِ كطَهارَةِ المُسْتَحاضَةِ إذا انْقَطعَ دَمُها. وقِياسُهم لا يَصِحُّ، فإنَّ الصومَ هو البَدَلُ نَفْسُه، فنَظِيرُه إذا قَدَر على الماءِ بعدَ تَيَمُّمِه، ولا خِلافَ في بُطْلانِه. ثم الفَرْقُ بَينَهما أنَّ مُدَّةَ الصيامِ تَطُولُ، فيَشُقُّ الخُرُوجُ منه؛ لِما فيه مِن الجَمْعِ بينَ فَرْضَين شَاقَّين، بخِلافِ مَسْألَتِنا. وقَوْله: هو غيرُ قادِرٍ. غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ الماءَ قَرِيبٌ، وآلتَهُ (3) صَحِيحَةٌ، والمَوانِعَ مُنْتَفِيَةٌ. قَوْلُهم: إنَّه مَنْهِيٌّ عن إبْطالِ الصلاةِ. قُلْنا: لم يُبْطِلْها، وإنَّما هي بَطَلَتْ بزَوالِ الطهارةِ، كما في نَظائِرِها.
(1) سورة محمد 33.
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 206.
(3)
في الأصل: «والنية» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن وَجَد ماءً قد وَلَغ فيه بَغْلٌ أو حِمارٌ، أو شيءٌ مِن سِباعِ البَهائِمِ، وقُلْنا: إنَّه مَشْكُوكٌ فيه. لم يَلْزَمْه الخُرُوجُ؛ لأنَّه دَخَل في الصلاةِ بطهارةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فلم يَخْرُجْ بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، قال: ويَحْتَمِلُ أن يَخْرُجَ، كما لو وَجَد ماءً طاهِرًا. والأوَّلُ أوْلَى. وكذلك إن رَأى رَكْبًا، أو خُضْرةً، أو ما يَدُلُّ على الماءِ في الصلاةِ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه ولا تَيَمُّمُه؛ لأنَّه دَخَل فيها بطَهارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ.
فصل: والمُصَلِّي على حَسَبِ حالِه بغيرِ وُضُوءٍ، ولا تَيَمُّمٍ، إذا وَجَد ماءً في الصلاةِ أو تُرابًا، خَرَج مِنها بكلِّ حالٍ، لأنَّها صلاةٌ بغيرِ طهارةٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَخْرُجَ مِنها إذا قُلْنا: لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ. كما في المُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ في الصلاةِ، ولأنَّ الطهارةَ شَرْطٌ سَقَط اعْتِبارُه، فأشْبَهَتِ السُّتْرَةَ إذا عَجَز عنها، فصَلَّى عُرْيانًا، ثم وَجَد السُّتْرَةَ في أثْناءِ الصلاةِ قَرِيبًا منه. وكلُّ صلاةٍ تَلْزَمُه إعادَتُها، فإنَّه يَلْزَمُه الخُرُوجُ منها إذا زال العُذْرُ فيها، ويَلْزَمُه اسْتِقْبالُها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولو يَمَّمَ المَيِّتَ، ثم قَدَر على الماءِ في أثْناءِ الصلاةِ عليه، لَزِمَه الخُرُوجُ؛ لأنَّ غُسْلَ المَيِّتِ مُمْكِنٌ غيرُ مُتَوَقِّفٍ على إبْطالِ المُصَلِّي صَلاته، بخِلافِ مَسْألَتِنا. ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ كمَسْألَتِنا؛ لأنَّ الماءَ وُجِد بعدَ الدُّخُولِ في الصلاةِ.
فصل: وإذا قُلْنا: لا يَلْزَمُ المُصَلِّيَ الخُرُوجُ لرُؤْيَةِ الماءِ، فهل يَجُوزُ له الخُرُوجُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّه شَرَع في مَقْصُودِ البَدَلِ، فجازَ له الُّرجُوعُ إلى المُبْدَلِ، كمَن شَرَع في صَوْمِ الكَفّارَةِ، يَجُوزُ له الانْتِقالُ إلى العِتْقِ. والثاني، لا يجُوزُ له الخُرُوجُ. وهو أوْلَى؛ لأنَّ ما لا يُوجِبُ الخُرُوجَ مِن الصلاةِ لا يُبِيحُه، كسائِرِ الأشياءِ، ولأنَّ فيه إبْطالًا للعَمَلِ (1)، فلم يَجُزْ؛ لقَوْلِه تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ} . ولأصحابِ الشافعيَّ وَجْهان كهذَين.
فصل: إذا رَأى ماءً في الصلاةِ، ثم انْدَفَقَ (2) قبلَ اسْتِعْمالِه، بَطَل تَيَمُّمُه وصَلاتُه إن قُلْنا: يَلْزَمُه الخُرُوجُ منها. ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُ التَّيَمُّمِ والصلاةِ. وإن قُلْنا: لا يَبْطُلُ. وانْدَفقَ وهو في الصلاةِ، فقال ابْنُ عَقِيلٍ: ليس له أن يُصَلِّيَ بذلك التَّيَمُّمِ صلاةً أُخْرَى. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ
(1) في م: «للغسل» .
(2)
في م: «انقلب» .