الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البديع لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (2) نفى أن تقع منه عبادة لآلهتهم في الحال، ثم قال: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (4) فأتى بالجملة الاسمية لإفادة أن عدم عبادته لآلهتهم فيما يستقبل ثابت مستمر ففيه قطع لأطماعهم على أبلغ وجه وآكده، ومثل هذه السورة سورة الإخلاص، فقد أجمل الله فيها العقيدة الخالصة من غير استدلال، لأنها نزلت جوابا للمشركين، أو اليهود؛ لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أنسب لنا ربّك؛ أي بيّن لنا ذاته وصفته، فأنزل الله السورة، ولا يعزب عن أذهاننا أن السورتين بمنزلة النتيجة لمئات الأدلة والبراهين التي أقامها الله على إثبات الصانع جل وعلا ووحدانيته وصفاته واستحقاقه التفرّد بالعبادة، ولعلّ من اللطائف وقوعها في الترتيب الكتابي في آخر القرآن كما تقع النتيجة من مقدماتها فلا عجب أن جاءتا على هذا الوضع.
الشبهة الرابعة
قال: إن القسم المكي خال من التشريعات التفصيلية والقوانين، أما القسم المدني فينفرد بالتشريعات الإسلامية؛ كالمواريث والوصايا، والزواج، والطلاق، والبيوع، وسائر المعاملات، ولا شكّ أن هذا أثر من آثار التوراة والبيئة اليهودية التي ثقفت المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة يشهد بها هذا التغيير الفجائي الذي ظهر على أسلوب القرآن، وغرضه بهذا التشكيك في أن القرآن من عند الله.
وللرد على هذا نقول:
1 -
إن هذا الفرق بين المكي والمدني قد عرضنا له لما تحدثنا عن خصائص المكي والمدني وقد تنبه العلماء إلى هذه الظاهرة منذ مئات السنين، ولكن ليس السبب ما ذكره من تأثر القرآن بالبيئة؛ وإنما السبب في هذا أن أهل مكة كانوا ينكرون أصول الإيمان والشرائع، فكان الملائم لهم دعوتهم إلى هذه الأصول، حتى إذا ما استضاءت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبه كلفوا بالتشريعات التفصيلية، وهذا ما كان.
وأن من خطل الرأي أن نأتي لهم بالفروع والأحكام العملية قبل أن يؤمنوا
بالأصول، فكان نهج القرآن معهم، وهو الملائم للفطر وبدائه العقول.
2 -
كيف يصحّ في العقول أن يكون النبي والمسلمون قد أخذوا عن أهل الكتاب من اليهود وتثقّفوا بثقافتهم مع أن القرآن الكريم نعى عليهم في غير ما آية وسورة، كفرهم، وفسقهم، وجراءتهم على الله وسفاهتهم على رسله، وبين جحودهم للحق، وإنكارهم له مع معرفتهم وتحريفهم للتوراة، كما نعى عليهم حسدهم وظلمهم وبغيهم وسوء طويتهم، وخبث طباعهم، وخيانتهم وتضييعهم للأمانة، وعدم تناهيهم عن المنكر إلى غير ذلك مما لا يجهله من قرأ القرآن واطلع عليه، وقد لعن القرآن الكريم اليهود في غير موضع وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحداهم كما في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94)[البقرة: 94]، وقوله قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: 93].
فلو أن النبي أخذ عن أهل الكتاب، وتعلم منهم وتأثر بثقافتهم لأظهروا ذلك دفاعا عن أنفسهم، ولقالوا: كيف نعلمك وتسفهنا وترمينا بالكفر والفسق والكذب وكيف نثقّفك وتلعننا وتتطاول علينا
ولكنهم لم يفعلوا بل ألقموا حجرا وباءوا بالخزي والذلة والتشريد، وهكذا يتبين لنا أن موقف القرآن من اليهود كان موقف المعلم والناقد والناعي، والموبخ والمتحدي، لا موقف المتعلم والآخذ والمستفيد، وهو شيء يقتلع هذا الطعن من أساسه ويرمي به في مهامه الضلال والشكوك.
3 -
أن الفرق بين التشريع الإسلامي الذي عرضت له السور المدنية والتشريع الإسرائيلي عظيم جدّا، فالإسلامي أرقى وأعلى وأشمل من الإسرائيلي من كل وجه، وناهيك بكونه تشريعا عاما لجميع البشر، وفي جميع الأزمنة والأمكنة، ومن أسسه المساواة في الحق والعدل بين جميع الشعوب والقبائل والأفراد، لا تمييز فيه بين ملك وسوقة،
ولا بين شريف ووضيع، ولا بين قويّ وضعيف، ولا بين غنيّ وفقير ولا بين إسرائيليّ