الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان الواحد منهم ك «الشريط المسجل» الذي لا يضل، ولا ينسى، وكان منهم من يحفظ أنساب قبيلته، وأشعارها، ومفاخرها: ومنهم من كان يحفظ أنساب القبائل كلها، وأشعار العرب وخطبهم، ومفاخرهم، ومثالبهم، وقد اشتملت كتب التواريخ والأدب على أمثال عجيبة في هذا.
وقد أعانهم على هذا ذكاء العقول، وصفاء النفوس، وسلامة الفطرة وقلة شواغل الحياة وتكاليفها، ولا يزال أهل البوادي والقرى إلى وقتنا هذا جل اعتمادهم على حوافظهم، وذاكراتهم تجلس للواحد منهم وهو أمي فيقص عليك من قصص الماضين من لقيهم، ومن لم يلقهم، الكثير من الأخبار، بل قد وجدنا من أهل القرى عندنا في مصر من يعرف تاريخ كل أسرة وعدد أفرادها، ومن مات منها، ومن بقي، وقد يذكر لك حكاية عن كل من تذكره له، وعمن غبر، وعمن لا يزال حيا، ومع هذا فهو أمي؛ لا يقرأ ولا يكتب، وما من أحد منا إلا وقد جلس إلى جده وجداته وسمع منهن الكثير مما حفظوا ووعوا فما أثر عن العرب ليس بالأمر المستغرب في تاريخ البشر.
وقد كان وجود هذه الخصائص العقلية والذهنية والنفسية عند العرب قبل الإسلام من المقدمات بين يدي النبوة المحمدية؛ لأن الله تبارك وتعالى يعلم أنه سيكلف هذه
الأمة المحمدية بحفظ كتاب ربها، وسنة نبيها وأنهم هم أول من يقومون بحمل هذا الدين، ونشر رسالته، وتلقي الوحي قرآنا، أو سنة من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم من الذين سيضطلعون بهذا العبء حين يبلغونه إلى الناس كافة، والعرب هم حملة هذا الكتاب الكريم وهم الذين بلغوه إلى كل أبيض وأسود حتى صار الإسلام مقترنا بهم، وصدق المبلغ عن رب العالمين حين قال:«إذا ذلّ العرب، ذل الإسلام» رواه أبو يعلى. والله أعلم حيث يجعل رسالته.
العامل السابع [العلم بان القرآن هو اصل الدين ومنبع الصراط المستقيم]
القرآن هو أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم وهو الأصل الأول من أصول التشريع في الإسلام، الذي يرجع إليه في الأحكام، ومعرفة الحلال
من الحرام، وهو دستور المسلمين الأكبر، إليه يرجعون في الحكم والسياسة، والولاية، والإدارة، والاقتصاديات، والأخلاقيات، والأحلاف، والمعاهدات والمصالحات، والمهادنات ومعرفة حقوق الإنسان، وعلاقات الأفراد، والجماعات، فالقرآن هو الذي يضع الخطوط العريضة والقواعد الدقيقة، والأصول الأصيلة لكل ذلك، وإنه ليحسن في هذا المقام أن نذكر بالحديث الجامع في وصف القرآن الذي سقته في صدر الكتاب، روى الترمذي في سننه عن الحارث الأعور قال:
مررت في المسجد، فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث! قال: أو قد فعلوها قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إنها ستكون فتنة» فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله قال: «كتاب الله.
فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد- وفي رواية عن- ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا:
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط المستقيم» خذها إليك يا أعور. قال الترمذي: حديث غريب وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث: مقال: إن كتابا هذا بعض شأنه لا بد أن يحفظه المسلمون، وأن يتنافسوا فيه: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ.
إننا نجد في القديم والحديث أصحاب الدساتير، وأصحاب القوانين يعنون غاية العناية بدساتيرهم، وأصول قوانينهم، ويضعون لها التفاسير، والشروح فما بالك بالقرآن، وهو دستور الدساتير، والقانون الذي لا يدانيه قانون، والتشريع الذي لا يساميه تشريع وصدق الحكيم العليم: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ