الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما حمل من مكة إلى الحبشة: ومثاله كسورة مريم فقد صح أن جعفر بن أبي طالب قرأها على النجاشي لما ذهب رسولا قريش إلى النجاشي كي يرد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة إلى مكة؛ فأبى حتى يسمع كلامهم، فتكلم جعفر بن أبي طالب فأحسن وأجاد، فقال له النجاشي، هل معك من شيء مما جاء به عن الله تقرؤه عليّ فقال جعفر: نعم، وقرأ عليه سورة مريم، فلما سمع النجاشيّ السورة قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، وقال البطارقة: هذه كلمات تصدر من النبع الذي صدرت منه كلمات سيدنا يسوع المسيح.
ما حمل من المدينة إلى الروم: ومثاله قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبها في الكتاب الذي بعث به إلى هرقل عظيم الروم (1) والمقوقس عظيم مصر.
الصلة السادسة
ما نزل مفرقا وما نزل جمعا: أما الأول فأمثلته كثيرة لا يحصيها العدّ؛ لأن غالب القرآن نزل كذلك، فمن ذلك في السور القصار سورة اقرأ؛ فقد نزل صدرها إلى ما لَمْ يَعْلَمْ والمدثر نزل صدرها إلى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) والضحى نزل صدرها إلى فَتَرْضى ثم نزلت أواخرها بعد هذا، وفي السور الطوال صدر سورة براءة، وصدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، بسبب وفد نجران لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم.
ومثال الثاني في السور القصار الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، وتبت، ولم يكن، والنصر، والمعوذتان، وفي السور الطوال من المفصل، والمرسلات، وسورة الصف، ومما ذكروه من السور الطوال سورة الأنعام، فقد أخرج أبو عبيد والطبراني عن ابن عباس قال: نزلت
(1) المرجع السابق ص 160.
سورة الأنعام بمكة ليلا جملة حولها سبعون ألف ملك، وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزلت سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك» وهذا الذي ذكروه غير مسلم، فإن سورة الأنعام، وإن كانت مكية إلا أن منها آيات مدنية قطعا مثل قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى ثلاث آيات فقد نزلت بسبب مالك بن الصيف أحد أحبار اليهود، كما يدل على ذلك سبب النزول، واستثنى بعض العلماء غير هذه الآيات الثلاث، وأما الآثار التي ذكروها فلم تثبت، قال ابن الصلاح في فتاويه: الحديث الوارد في أنها نزلت جملة واحدة رويناه من طريق أبي بن كعب، وفي إسناده ضعف، ولم نر له إسنادا صحيحا وقد روي ما يخالفه، فروى أنها لم تنزل جملة واحدة؛ بل نزلت آيات منها بالمدينة، اختلفوا في عددها فقيل ثلاث وقيل ست وقيل غير ذلك (1).
أما نزولها مشيعة فأمر محتمل إذا تثبت به الرواية، ويكون التشييع لجلها وما نزل منها لا لجميعها كما ذكروا، أو نقول: إن المراد بنزولها يشيعها سبعون ألف ملك نزولها من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في بيت العزة، ويكون نزولها مفرقة على النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد ذلك.
…
(1) الإتقان ج 1 ص 37.