الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ووافقه أكابر الدولة على السلطنة، وخلع الملك الصالح حاجي بن الملك الأشرف شعبان بن حسين، وتسلطن.
ذكر جلوس الظاهر برقوق على تخت الملك
لما كان بعد صلاة الظهر من يوم الأربعاء، تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة - الموافق له آخر هاتور، وسادس تشرين الثاني، والطالع برج الحوت - خطب الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد وبايعه على السلطنة، وقلده أمر البلاد والعباد، وفوض عليه التشريف الخليفتي، ثم خلع على الخليفة أيضاً، وبايعه القضاة الأربعة، وأعيان الدولة على مراتبهم، فأشار شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني أن يكون لقب السلطان بالملك الظاهر وقال: هذا وقت الظهر، والظهر مأخوذ من الظهيرة والظهور، وقد ظهر هذا الأمر بعد أن كان خافياً؛ فتلقب بالملك الظاهر.
وركب من الحراقة بالإصطبل السلطاني، وطلع من باب السر إلى القصر، فحال ركوبه أمطرت السماء؛ فتفاءل بيمنه، وجلس على تخت الملك، ونودي بالقاهرة، وكتب بذلك إلى الأقطار، وأخذ وأعطى، وقرب من أراد، وأنشأ جماعته.
ثم أخذ في الاستكثار من شراء المماليك حتى بلغوا نيفاً على ثلاثة آلاف مملوك في سنين يسيرة.
ثم أمر بإنشاء مدرسته ببين القصرين، وكان المتحدث عمارتها الأمير جاركس الخليلي أمير آخور إلى أن استتم عملها في أوائل شهر جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. فعندما تكاملت رسم السلطان بأن تنقل رمم أولاده ووالده آنص من موضع دفنهم إلى الفسقية بها؛ ففي رابع عشره يوم الخميس نقلت الرمم وقت العشاء والأمراء مشاة أمامهم حتى دفنوا بالقبة من المدرسة المذكورة، ثم نزل الأمير جاركس الخليلي من الغد، وهيأ الأطعمة والحلوى والفاكهة، ونزل الملك الظاهر برقوق من القلعة بأمرائه وعسكره إلى المدرسة المذكورة، ومدت
الأسمطة بين يديه، وحضرت القضاة والأعيان، ثم مدت الحلاوات والفواكه وملئت البحرة من مشروب السكر المكرر، ثم خلع على العلامة علاء الدين السيرامي، وجعله شيخ الصوفية بها ومدرس السادة الحنفية، وفرش الأمير جاركس الخليلي السجادة بيده، ثم خلع السلطان على الأمير جاركس الخليلي، وعلى المعلم شهاب الدين أحمد بن الطولوني المهندس، وأركبا فرسين بأقمشة ذهب، وخلع على خمسة عشر من مماليك جاركس الخليلي، وأنعم على كل منهم بخمس مائة درهم، وتكلم العلاء السيرامي لما جلس على السجادة على قوله تعالى:" قل اللهم مالك الملك " الآية، ثم قرأ القارئ عشراً من القرآن، ودعا؛ وقام السلطان وركب إلى القلعة، فكان يوماً مشهوداً.
وفي هذا المعنى يقول شهاب الدين أحمد المصري الأديب.
قد أنشأ الظاهر السلطان مدرسةً
…
فاقت على إرم مع سرعة العمل
يكفي الخليلي أن جاءت لخدمته
…
شم الجبال لها تسعى على عجل
وفي هذا المعنى أيضاً يقول شرف الدين عيسى بن حجاج، وقد عمل فيها خيمة جديدة.
بنى الظاهر السلطان خانقةً زهت
…
على غيرها في الشام جمعاً وفي مصر
كأن نحاة صيروا خيمةً بها
…
معلقة بالرفع والنصب والجر
قلت: ومما وقع من الغرائب في هذه السنين ما حكاه قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي في تاريخه، قال: وفي شعبان رأت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم في منامها، وهو ينهاها عن لبس الشاش، وكانت غالب نساء مصر يلبسنه، فانتهت، وتابت عن لبسه، ثم عادت ولبسته؛ فرأت النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية، وقال لها: ننهاك عن لبس
الشاش، فلم تسمع؟ ما تموتين إلا نصرانية؛ فأخبرت أمها بذلك، فأخذتها، وأتت بها إلى الشيخ سراج الدين البلقيني، فحكت له ما جرى، فقال: قول النبي صلى الله عليه وسلم حكم، ولكن اذهبي إلى الكنيسة وصلي بها ركعتين، ثم أحضري حتى يتوسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل ذلك ينفعها؛ فتوجهت إلى الكنيسة وصلت، ثم خرت ميتة؛ فتركتها والدتها ومضت؛ فأخذتها النصارى ودفنوها عندهم. انتهى كلام العيني.
قلت: نسأل الله حسن الخاتمة بمنه وكرمه. وقد رأيت أنا هذا الشاش المذكور، كان على صفة الحلى التي تحلى به العروس، بل كان أكثر تعباً في تعديله، انتهى.
ودام الملك الظاهر في ملكه إلى أن قدم عليه البريد في تاسع عشر شوال سنة تسع وثمانين وسبعمائة بأن الأمير تمربغا الأفضلي المدعو منطاش نائب ملطية خامر ووافقه القاضي برهان الدين أحمد صاحب سيواس، وقرأ محمد التركماني؛ فصار السلطان يأخذ في هذا الكلام ويعطي، ثم رسم لنواب البلاد الشامية بالتوجه لقتال منطاش.
واستمر إلى أن ورد عليه في أول سنة تسعين قاصد الأمير منطاش يخبر بأنه تحت طاعة السلطان، وأن ما قيل عنه كذب؛ فقدم في إثر القاصد البريد من حلب يخبر بأنه خارج عن الطاعة، وأن ما أرسله دهاء ومكر، وقصد بذلك المدافعة عنه حتى يدخل فصل الربيع وتذوب الثلوج؛ فعند ذلك سير السلطان الأمير ملكتمر الدوادار بعشرة آلاف دينار للأمراء المجردين؛ تقوية لهم، وليعرف حقيقة أمر منطاش.
ثم ورد الخبر بمخامرة ألطنبغا الجوباني نائب دمشق، وأنه ضرب طرنطاي حاجب حجاب دمشق، وأنه استكثر من استخدام المماليك.
وبلغ الجوباني هذا الخبر، فاستأذن في الحضور إلى القاهرة، فأذن له؛ فركب البريد حتى وصل سرياقوس ليلة الخميس سابع عشرين شهر رمضان من السنة؛ فبعث السلطان الأمير فارس الصرغتمشي أمير جندار، فقيده، وسيره إلى الإسكندرية.
ثم قبض السلطان في يوم السبت تاسع عشرين رمضان على الأمير ألطنبغا المعلم أمير سلاح، وقردم الحسني رأس نوبة، وقيدا، وحملا إلى الإسكندرية مع الجبغا الجمالي الدوادار، فحبسا بها.
واستقر الأمير طرنطاي حاجب حجاب دمشق في نيابتها، عوضاً عن الجوباني، وحمل إليه التقليد والتشريف مع سودون الطرنطاي.
ثم كتب السلطان بالقبض على الأمير كمشبغا الحموي نائب طرابلس؛ فقبض عليه، وقدم سيفه في عاشر ذي القعدة وولى نيابتها حاجبها الأمير أسندمر المحمودي، ثم نفى السلطان الأمير كمشبغا الخاصكي الأشرفي رأس نوبة إلى طرابلس، ثم رسم بالقبض على عشرة من أمراء البلاد الشامية، فلذلك نفرت القلوب عن الملك الظاهر برقوق، وخاف كل أحد على نفسه، وسمع الأمير يلبغا الناصري نائب حلب بما وقع للجوباني نائب دمشق؛ فخاف، وطلق زوجته، وتأهب للعصيان، ووقع بينه وبين الأمير سودون المظفري حاجب حجاب حلب، وكاتب كل منهما في الآخر، فلم يلتفت السلطان إلى كتب سودون المظفري في الظاهر، وأنصف الناصري، وفي القلب ما فيه.
ثم أرسل السلطان عقيب ذلك للناصري بهدية فيها عدة خيول بقماش ذهب، واستدعاه ليحضر إلى الديار المصرية للمشورة في أمر منطاش؛ فأجاب يعتذر عن الحضور بحركة التركمان، وبعصيان منطاش، والخوف على مدينة حلب منهم؛ فلم يقبل السلطان عذره، وعلم أمره، ولم يظهر ذلك.
ثم بعث الأمير ملكتمر المحمدي الدواداري إلى حلب وعلى يده مثالين ليلبغا الناصري وسودون المظفري أن يصطلحا بحضرة الأمراء والقضاة، وسير معه خلعتين يلبسانهما بعد صلحتهما. وحمل في الباطن عدة مطالعات إلى سودون المظفري وغيره من الأمراء بالقبض على الناصري وقتله - إن امتنع من الصلح -.
وكان مملوك الناصري قد تأخر عن سفره؛ ليفرق كتباً من عند أستاذه على أمراء الديار المصرية، ويستميلهم فيها، ويدعونهم إلى موافقته، وأخر السلطان جواب الناصري الوارد على يده؛ ليسبقه ملكتمر الدوادار إلى حلب؛ فبلغ مملوك الناصري ما على يد ملكتمر من القبض على أستاذه الناصري وغيره، ثم كتب له الجواب بعد سفر ملكتمر بأيام وخرج، وفي ظن السلطان أن ملكتمر هو السابق، فجد هذا المملوك في السير، وساق إلى أن دخل حلب؛ قبل ملكتمر، وعرف الناصري الحال كله؛ فأخذ الناصري حذره.
وقيل إن ملكتمر كان بينه وبين الشيخ حسن رأس نوبة الناصري مصاهرة، فلم قرب من حلب بعث يخبره بما أتى فيه.
قلت: وهذا بعيد، اللهم إلا أن كان تباطأ حتى سبقه مملوك الناصري، مراعاة للشيخ حسن، فهذا ممكن. وخرج الناصري حتى لقي ملكتمر على العادة، وأخذ منه مثاله، وحضر به إلى دار السعادة، وقد اجتمع الأمراء
والقضاة وغيرهم؛ لسماع المرسوم السلطاني. وتأخر سودون المظفري عن الحضور، والرسل تستعجله حتى حضر، وهو لابس آلة الحرب من تحت ثيابه.
فعند ما دخل الدهليز جس قازان اليرقشي أمير آخور الناصري كتفه؛ فوجد السلاح، فقال: يا أمير، الذي يجيء للصلح يدخل لابس آلة الحرب؟ فسبه المظفري، فسل قازان عليه السيف وضربه، فأخذته السيوف من الذين رتبهم الناصري من مماليكه حتى فارق الدنيا، وجرد أيضاً مماليك المظفري سيوفهم، وقاتلوا مماليك الناصري، فقتل بينهم أربعة، وثارت الفتنة.
ثم انهزمت مماليك المظفري، وقبض الناصري على الحاجب وأولاد المهمندار، وعدة ممن يخافهم، وركب من وقته إلى قلعة حلب؛ فتسلمها من غير قتال.
واستدعى التركمان والعرب، وقدم عليه منطاش معاوناً له، وداخلاً في طاعته. وعاد الخبر إلى الملك الظاهر برقوق بما وقع في خمس عشر صفر؛ فكتب السلطان في سابع عشره إلى الأمير إينال اليوسفي أتابك دمشق المعزول قبل تاريخه عن نيابة حلب بنيابة حلب ثانياً، عوضاً عن الناصري، بحكم عصيانه. فلم يلتفت إينال لذلك، ووافق الناصري على العصيان.
وفي ثامن عشر الشهر المذكور طلب السلطان القضاة وأعيان الدولة
من الأمراء وغيرهم، وعرفهم بما وقع من الناصري، واستشارهم في أمره؛ فوقع الاتفاق على إرسال عسكر لقتاله.
ثم إن السلطان حلف الأمراء بأجمعهم على طاعته وعدم مخالفته، ثم خرج إلى القصر الأول، وحلف أكابر المماليك، ثم أخذ في تجهيز العسكر، وعرض المماليك السلطانية، فعين منهم أربعمائة وثلاثين للسفر، وعين من أمراء الألوف خمسة وهم: الأتابك أيتمش البجاسي، والأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس، والأمير أيدكار حاجب الحجاب، الأمير جاركس الخليلي، والأمير يونس النوروزي الدوادار. وعين من أمراء الطبلخانات سبعة وهم: الأمير فارس الصرغتمشي، والأمير بكلمش رأس نوبة، والأمير جاركس المحمدي، الأمير شاهين الصرغتمشي، والأمير آقبغا الصغير السلطاني، والأمير إينال الجركسي أمير آخور ثاني، والأمير قديد القلمطاوي، ومن العشرات جماعة.
وحمل للأمير أيتمش مائتا ألف درهم فضة، وعشرة آلاف دينار ذهباً مصرية، برسم النفقة، وإلى كل أمير من أمراء الألوف مائة ألف درهم، وخمسة آلاف دينار، ما خلا أيدكار الحاجب، فإنه أحمل إليه
مبلغ ستين ألف درهم، وألف دينار وأربعمائة دينار.
فبينما هو كذلك، إذ قدم عليه الخبر في رابع عشرينه من دمشق بأن الأمير قرابغا فرج الله، والأمير بزلار العمري الناصري حسن، والأمير دمرداش اليوسفي، والأمير كمشبغا الخاصكي، والأمير آقبغا جنجق اجتمع معهم جماعة كبيرة من المماليك المنفيين، وقبضوا على الأمير أسندمر نائب طرابلس، وقتلوا من الأمراء الأمير صلاح الدين خليل بن سنجر وابنه، وقبضوا على جماعة أخر، ودخلوا في طاعة الناصري. وكان هؤلاء الأمراء بلا أرزاق بطرابلس، ممن نفاهم الظاهر برقوق، وكانوا من أعيان أمراء الدولة.
وفي سادس عشرينه قدم الخبر بأن مماليك الأمير سودون العثماني نائب حماه، هموا بقتله، ففر منهم إلى دمشق، وأن الأمير بيرم العزي حاجب حماة دخل في طاعة الناصري، وملك مدينة حماة؛ فعرض السلطان المماليك، وكتب منهم
جماعة للسفر؛ لتتمة خمسمائة مملوك؛ ولهذا تعرف بوقعة الخمسمائة.
وفي يوم الجمعة سابع عشرينه رسم السلطان للأمير بجاس والي باب القلعة أن يتوجه إلى الخليفة المتوكل على الله، وينقله إلى البرج من القلعة، ففعل ذلك، وضيق عليه، ومنع الناس من الدخول إليه، وخوفاً من الناصري أن يدس من يأخذه؛ فإنه شنع عن السلطان بتلك البلاد أموراً أعظمها: خلع الخليفة هذا في البرج ليلة واحدة، ثم أعيد إلى مكانه، ثم رسم الملك الظاهر للأمير الطواشي مقبل الزمام بالتضييق على الأسياد - أولاد السلاطين - ومنع من يتردد إليهم، والفحص عن أحوالهم؛ ففعل ذلك، ثم أرسل السلطان تقليداً على البريد إلى الأمير طغاي تمر القبلائي - أحد أمراء دمشق - بنيابة طرابلس.
وفي خامس ربيع الأول قدم البريد من خليل بن دلغادر يخبر بأن سنقر نائب سيس توجه إلى الناصري، ودخل في طاعته. ثم أنفق السلطان في المماليك برسم السفر نفقة ثانية؛ فإنه كان فرق في الأولى لكل واحد خمسة آلاف درهم فضة، وفي الثانية ألفاً. وهذا سوى الخيل والجمال والسلاح، فإنه فرق في أرباب الجوامك لكل واحد جملين، ولكل اثنين من أرباب الأخباز خمس علائق. ورسم أن يعطى كل مملوك بدمشق مبلغ خمسمائة درهم.
وفي ثالث عشرة قدم البريد بأن ثلاثة عشر من أمراء دمشق خرجوا بمماليكهم إلى حلب، ودخلوا تحت طاعة الناصري. ثم إن السلطان استدعى الخليفة من سجنه، وقام إليه، وتلقاه، وتلطف به، واعتذر إليه مما وقع في حقه، وتحالفا. ومضى الخليفة إلى داره.
ثم رسم السلطان بسفر العسكر؛ فخرجوا في يوم السبت رابع عشر ربيع الأول من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة واستقلوا بالمسير حتى وصلوا إلى دمشق في يوم الاثنين سابع شهر ربيع الآخر.
ولما وصلوا إلى دمشق صارت المماليك السلطانية تكثر من الفساد واللهو إلى أن نزل عليهم الأمير يلبغا الناصري يوم السبت تاسع عشر في خان لاجين، خارج دمشق؛ فخرج في يوم الأحد أو الاثنين حادي عشرينه عساكر مصر ودمشق إلى برزة، والتقوا بالناصري على خان لاجين، وقاتلوه قتالاً شديداً، انكسر الناصري فيه مرتين من المماليك السلطانية؛ فعندما تنازلوا في المرة الثالثة؛ قلب الأمير أحمد بن يلبغا رمحه ولحق بعسكر الناصري بمن معه وتبعه الأمير أيدكار العمري الحاجب أيضاً بمن معه؛ ثم الأمير فارس الصرغتمشي؛ والأمير شاهين أمير آخور بمن معهم، ورجعوا قاتلوا العسكر المصري معاونة للناصري، فثبتوا لهم أيضاً ساعة جيدة.
ثم انهزموا؛ فهجم مملوك من عسكر الناصري يقال له يلبغا الزيني الأعور، وضرب الأمير جركس الخليلي بالسيف؛ فقتله، وأخذ سلبه، وترك رمته بالعراء مدة إلى أن كفنته امرأة ودفنته. ثم مدت التراكمين أيديهم ينهبون ويأسرون.
ولحق الأتابك أيتمش بقلعة دمشق وتحصن بها، وتمزق العسكر السلطاني شذر مذر، ودخل الناصري إلى دمشق من يومه، ونزل بالقصر من الميدان، وتسلم القلعة بغير قتال، وأوقع الحوطة على سائر مال العسكر المصري والشامي، وقيد أيتمش والأمير طرنطاي نائب دمشق وحبسهما بقلعة دمشق. ثم قبض من يومه على الأمير بكلمش العلائي في عدة من المماليك السلطانية، واعتقلهم بالقلعة، وانهزم الأمير يونس النوروزي الدوادار يريد القاهرة، فاعترضه عنقاء بن شطي أمير آل مرا قريباً من خربة اللصوص؛ فقتله في يوم الثلاثاء ثالث عشرين ربيع الآخر. وبعث برأسه إلى الأمير يلبغا الناصري. وبلغ السلطان الخبر من غزة في يوم سابع عشرين ربيع الآخر؛ فاضطرب اضطراباً عظيماً، وغلقت الأسواق، وانتهبت الأخباز، وتشغبت الزعر.
هذا، مع عظم الوباء بالقاهرة، وترادفت الأهوال على المصريين. ثم خرج السلطان إلى الإيوان من القلعة، وعرض المماليك، وكتب منهم خمسمائة، وأنفق فيهم ذهباً حساباً عن ألف درهم فضة؛ ليتوجهوا إلى دمشق صحبة الأمير سودون الطرنطاي، ثم أنفق في خمسمائة مملوك، ثم في أربعمائة؛ لتتمة ألف وأربعمائة مملوك، ثم أنفق في المماليك الكتابية، لكل واحد مائتي درهم فضة.
وفي يوم الأربعاء أول جمادى الأولى من السنة أنعم على كل من قرابغا الأبو بكري، وبجاس النوروزي نائب القلعة، وشيخ الصفوي، وقرقماش الطشتمري بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، وأنعم على كل من ألجبغا الجمالي الخازندار، وألطنبغا العثماني رأس نوبة، ويونس الأسعردي الرماح، وقنق باي الألجاوي اللالا، وأسنبغا الأرغون شاوي، وبغداد الأحمدي، وأرسلان اللفاف، وأحمد الأرغوني، وجرباش الشيخي، وأرسبغا المنجكي، وإبراهيم بن طشتمر، وقراكسك السيفي بإمرة طبلخاناه. وأنعم على كل من السيد الشريف
بكتمر الحسني والي القاهرة، وقنق باي الأحمدي بإمرة عشرين، وأنعم على كل من بطا الطولوتمري، ويلبغا السودوني، وسودون اليحياوي، وتنبك اليحياوي وأرغون شاه البيدمري، وآقبغا الجمالي الهذباني، وتغري بردى من يشبغا - أعني والدي - وقوزي الشعباني، وبكبلاط السونجي، وأردبغا العثماني، وشكزباي العثماني، وأسنبغا السيفي بإمرة عشرة.
ثم رسم فنودي بالقاهرة بإبطال المكوس، وأخذ في تحصين القاهرة، واستجلاب خواطر الرعية إلى أن ورد الخبر بقدوم الناصري نحو الديار المصرية. ثم انقطعت الأخبار عن السلطان؛ لأن ابن باكيش نائب غزة وغيره دخلوا في
طاعة الناصري، فهم السلطان أن يخرج إلى السفر؛ لقتال الناصري في أثناء الطريق - وكان هو الرأي - فخذله الأمير دمرداش وغيره، وحسنوا له القتال من القلعة. ووقع الشروع في حفر خندق القلعة، فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر بنزول الناصري إلى الصالحية؛ فأرسل السلطان الأمير قجماق بجماعة لكشف خبر الناصري فتوجه إلى المرج والزيات، وعاد ولم يقف على خبره، ثم أرسل في يوم الخميس أول جمادى الآخرة الأمير قرابغا الأبو بكري إلى قبة النصر، فعاد ولم يقف على خبر.
هذا والسلطان قد اجتمع عنده من الرماة، والمقاتلة، وآلات القتال أنواع، ثم ورد عليه الخبر بنزول الناصري إلى البئر البيضاء في يوم الجمعة ثانيه؛ فتوجه إليه
أمراء الظاهر أولاً بأول.
وركب السلطان والخليفة بعد العصر، ودقت، الكوسات الحربية، ووقف عند دار الضيافة، وجميع من بقي عنده من العسكر ملبسة. واجتمع حوله من العامة خلائق، وقد ظهر زوال ملكه من عظم خوفه وكثرة بكائه حتى أبكى الناس، ثم عاد إلى الإصطبل السلطاني؛ فجلس فيه، وصعد الخليفة إلى منزله بقلعة الجبل. ثم لا زال الناصري بمن معه يتقدم، وأمر الظاهر برقوق وسعده يتأخر، إلى أن فر من عنده من الأمراء إلى الناصري الأمير آقبغا المارديني حاجب الحجاب، والأمير جقمق بن الأتابك أيتمش، والأمير صارم الدين إبراهيم بن طشتمر الدوادار.
وفي يوم الأحد رابع جمادى الآخرة فر الأمير قرقماس الطشتمري الدوادار، والأتابك قرا دمرداش الأحمدي، والأمير سودون باق، ولحقوا
أيضاً بالناصري - في عدة وافرة من المماليك السلطانية وغيرهم - ولم يتأخر عند السلطان إلا طائفة من خاصكيته، ومن الأمراء ابن عمه الأمير قجماس، وسودون الشيخوني النائب، وسودون الطرنطاي، وتمربغا المنجكي، وأبو بكر ابن سنقر، وبيبرس التمان تمري، وشيخ الصفوي، وشنكل الطواشي مقدم المماليك، ثم أغلق باب زويلة وجميع الدروب، وتعطلت الأسواق، وتلاشت الدولة الظاهرية وانحل أمرها.
وقدم جماعة من عسكر الناصري؛ فقاتلهم قجماس ورمى عليهم، ثم قدم بعد العصر من عسكر الناصري الأمير بزلار العمري، والطواشي طقطاي الطشتمري، والأمير ألطنبغا الأشرفي في نحو ألف وخمسمائة فارس؛
فبرز إليهم الأمير بطا، وشكزباي، وتغرب بردى والدي، وتنبك اليحياوي، وسودون شغراق في عشرين فارساً؛ فكسروهم إلى قبة لنصر، فلم يغتر الظاهر بذلك، وعلم أن أمره في إدبار.
ثم بعث أبا بكر بن سنقر الحاجب، وبيدمر المنجكي شاد القصر جمنباه الملك إلى الناصري؛ ليأخذ له منه الأمان؛ فسارا من عنده، واجتمعا بالناصر خلوة، فقال: كيف نأمنه ومنطاش وغيره قصدهم غير ذلك، ولكن يختفي وله الأمان حتى تخمد هذه الفتنة فعادا إليه بذلك. فلما صلى عشاء الآخرة، قام الخليفة إلى منزله بالقلعة، وبقي الظاهر في قليل من أصحابه، وأذن لسودون النائب في التوجه والنظر لنفسه، وفرق البقية، فمضى كل واحد إلى حال سبيله، واستتر حتى نزل من الإصطبل، فلم يعرف له خبر، وسكن دق الكوسات، ووقع النهب في حواصل الإصطبل. وأعلموا الناصر ومن معه بفرار السلطان؛ فبات في موضعه.