الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الباء الموحدة والطاء المهملة
بطا الطولوتمري
بطا بن عبد الله الطولوتمري الظاهري الدوادار، ثم نائب دمشق، الأمير سيف الدين.
اشتراه الملك الظاهر برقوق في سلطنته، وجعله من خواصه، ثم أنعم عليه بإمرة عشرة عند زوال ملكه في وقعة الناصري ومنطاش - حسبما ذكرناه في ترجمة برقوق -.
ولما ملك الناصري الديار المصرية، وخلع الظاهر برقوق وحبس بالكرك أمسك بطا المذكور، وسجن بقلعة الجبل مع من سجن من المماليك الظاهرية إلى أن خرج الملك الظاهر برقوق من حبس الكرك طالباً لملكه، وقوى أمره.
وخرج الأمير تمربغا الأفضلي - المدعو منطاش - بالملك المنصور إلى البلاد الشامية؛ لقتال برقوق في العشر الأخير من شهر ذي الحجة سنة إحدى وتسعين
وسبعمائة وجعل منطاش نائب الغيبة بقلعة الجبل الأمير تكا ومعه الأمير دمرداش القشتمري، وجعل بالإصطبل السلطاني الأمير صراي تمر، وبالقاهرة الأمير قطلوبغا الحاجب، ومقبل أمير سلاح.
ثم سار منطاش بالمنصور لقتال برقوق. فلما كان يوم رابع عشر المحرم من سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، كانت الوقعة بين منطاش والملك الظاهر برقوق، بشقحب وانتصر برقوق، وانهزم منطاش؛ فأشيع هذا الخبر في القاهرة في ذلك اليوم، وهذا من الغرائب أخبرني بذلك جماعة أتقية، رجال ونسوة.
فلما أشيع هذا الخبر بالديار المصرية، ولهجت الناس بذلك، وقع بين الأمير تكا نائب القلعة وبين الأمير صراي تمر المقيم بالإصطبل السلطاني أمر أوجب التنافس والمباينة، واحترص كل واحد من الآخر، ودام هذا الأمر.
واتفق مع هذا أن المماليك الظاهرية والأمراء الذين سجنوا بقلعة الجبل بخزانة الخاص، ومنهم بطا المذكور زرعوا بالحبس بصلاً في قصريتين؛ فنجب بصل إحدى القصريتين، ولم ينجب الآخر؛ فرفعوا القصرية التي لم ينجب بصلها، فإذا هي مثقوبة من أسفلها، وتحتها حجر يخرج من شقوق ما بينه وبين
الحجر الآخر هواء؛ ففكوا الطاقة ورفعوها؛ فوجدوا تحتها خلو، فما زالوا به حتى اتسع، وأفضى بهم إلى سرداب، مشوا فيه حتى صعد بهم إلى طبقة الأشرفية من القلعة.
وكان منطاش قد سد بابها الذي ينزل منه إلى الإصطبل السلطاني، فعاد الذين مشوا فيه، وأعلموا أصحابهم؛ فقاموا بأجمعهم، وكانوا نحو خمسمائة مملوك، ومشوا فيه ليلة الخميس ثاني صفر.
هذا، وقد عملوا عليهم الأمير بطا رأساً، ثم تحيلوا في باب الأشرفية حتى فتحوه؛ فثار بهم الحراس الموكلون بحفظ الباب، وضربوا مملوكاً يقال له تمربغا؛ فقتلوه، ثم بادر الأمير بطا هذا ليخرج؛ فضربه بعض الحراس أيضاً ضربة سقط منها إلى الأرض، ثم أفاق وضرب بقيده الرجل صرعه، وفر بقية الحراس؛ فصرخ المماليك: تكا يا منصور، وجعلوا قيودهم سلاحهم يقاتلون بها؛ فانتبه صراي تمر فزعاً، وهو لا يش أن تكا نائب القلعة ركب عليه؛ وأراد قتله؛ فقام من وقته ونزل فاراً من الإصطبل السلطاني إلى بيت الأمير قطلوبغا الحاجب؛ فملك بطا ورفقته الإصطبل السلطاني، واحتوى على ما فيه من قماش صراي تمر وخيله وسلاحه، وقبض على المنطاشية، وأفرج عن الظاهرية. ثم أمر فدقت الكوسات قريباً من نحو ثلث الليل الأول إلى أن أصبح الناس يوم الخميس؛ فرماهم الأمير تكا من أعلى الإصطبل، وساعده
الأمير مقبل أمير سلاح، ودمرداش القشتمري فيمن معهم.
هذا، وقد تسامعت المماليك الظاهرية، وخرجوا من كل مكان، وساعدتهم المماليك اليلبغاوية إخوة الظاهر برقوق، وكسروا حبس الديلم، وبعثوا إلى خزانة شمائل، فكسروها، وأخرجوا من فيها من المماليك الظاهرية واليلبغاوية وغيرهم، فعند ذلك ركب صراي تمر وقطلوبغا الحاجب لقتال بطا وأصحابه؛ فنزل إليهم بطا وقاتلهم، وقد اجتمع عليه من العوام خلق كثير، وحصل بينهما بعض حروب؛ وانكسرت المنطاشية، وصعدوا إلى مدرسة السلطان حسن.
فلما رأى تكا جمع بطا يتزايد وكسر صراي تمر، نزل من القلعة إلى الطبلخاناه، ورمى على بطا، فلم يلتفت بطا لذلك، وملك بيت قطلوبغا، وكثر جمعه، وقوى الحصار على من بالمدرسة، حتى طلبوا الأمان، وسلم تكا القلعة لسودون النائب، وأخذ بطا في الأمر والنهي، وملك الديار المصرية، وركب سودون النائب، ونادى بالأمان والإطمآن، وأن السلطان: الملك الظاهر برقوق.
ثم كتب بطا إلى الملك الظاهر برقوق يخبره بما اتفق، وكتب إلى ولاة الأعمال بإحضار المنطاشية، والإفراج عن الظاهرية.
وشرع بطا في قبض من استوحش منه، وتخلية سبيل من كان من جهة أستاذه الظاهر برقوق.
ثم قدم كتاب الملك الظاهر برقوق بنصرته على منطاش؛ فصار بطا يأخذ في هذا الخبر ويعطي، ويخشى أن يكون هذا مكيدة من منطاش؛ لما في قلوب الناس من الشك في نصرة الظاهر برقوق على منطاش إلى أن ترادفت الأخبار بذلك، ونزل الملك الظاهر في يوم الثلاثاء رابع عشر شهر صفر سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة بالريدانية - خارج القاهرة -؛ فخرج الأمير بطامع من خرج من الأمراء والمماليك؛ لتلقي السلطان حتى وصل إليه، وقبل الأرض بين يديه، فشكر له السلطان ما فعله، وطلع إلى القلعة، وخلع على أرباب الوظائف، فاستقر الأمير بطا الطولوتمري هذا أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، ودواداراً كبيراً؛ فباشر الدوادارية إلى شهر ذي القعدة من سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، نقل إلى نيابة دمشق عوضاً عن الأمير يلبغا الناصري، بعد القبض عليه وقتله - على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى -؛ فتوجه بطا إلى دمشق، وحكمها نحو الشهرين.
ومات في المحرم من سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وتولى نيابة دمشق من بعده سودون طرنطاي.
ولم تطل أيام بطا في السعادة، ليعرف حاله، ولكن حدثني جماعة من المماليك والدي قالوا: لما انتصر الظاهر برقوق على منطاش، أرسل والدي إلى الديار المصرية مبشراً بنصرته على منطاش.
قال والدي رحمه الله: فتلمحت من بطا الوثوب على أستاذنا الملك الظاهر برقوق من كلامه؛ فردعته بالكلام الخشن حتى تحقق أنه لم يكن من هذا القبيل، فمن جملة كلامه لوالدي: يا أخي تغردي بردى، هل اجتمع على أستاذنا من الرجال المسمية أحد؟ فقال له والدي: معه جماعة إذا قهقروا خيولهم هدموا باب السلسلة بأكفالها، لا تكن صبي، لا أنت هذا القبيل، ولا أنا. انتهى.
وبطا - بضم الباء الموحدة ثانية الحروف، وبعدها طاء مهملة وألف - ومعناه: الجمل الصغير، تصغيره: بطجق.