الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العزيزي
أيدغدي بن عبد الله العزيزي، الأمير جمال الدين.
أصله من مماليك الملك العزيز صاحب حلب، وتنقل في الخدم حتى صار من أكابر الأمراء وأعيان الدولة.
قال العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان الحلبي في تاريخه: وسمع، وحدث، وكان أميراً كبير القدر، مشهوراً بالشجاعة والكرم، والديانة، والحشمة، ووساعة الصدر، وعلو الهمة، كثير الصدقات والبر والمعروف: للفقراء، والمشايخ، وأرباب الزوايا، وأرباب البيوتات. عليه مرتب في كل سنة - ما يزيد على مائة ألف درهم، وألوف أرادب قمحاً. هذا غير ما يتصدق به، ويطلقه في وسط السنة مما هو على غير حكم الراتب.
وكان مقتصراً في ملبسه، لا يتعدى لبس ثياب القطن من القماش الهندي والبعلبكي، وغيره مما يباح ولا يكره لبسه.
قال الشهاب محمود: قال المولى الشيخ قطب الدين - نفع الله به - وحكى لي بعض الناصرية قال: لما دخلنا الديار المصرية اتفق أن بعض الأكابر من الأمراء عمل سماطاً، وحضر هو بنفسه إلى الأمير جمال الدين ودعاه؛ فوعده بالمضي إليه والحضور عنده. فلما كان عشاء الأخرة مضى ونحن معه وجماعة من مماليكه وخواصه إلى دار ذلك الأمير. فلما دخل وجد جماعة من الأمراء جلوساً في إيوان الدار، وجماعة من الفقراء جلوساً في وسط الدار، فوقف ولم يدخل، وقال لصاحب الدار والأمراء: أخطأتم فيما فعلتم كان ينبغي أن يقعد الفقراء فوق، وأنتم في أرض الدار، ولم يجلس حتى تحول الفقراء إلى مكان الأمراء، والأمراء إلى مكان الفقراء، وقعد هو ونحن بين يدي الأمراء.
فلما غنى المغاني، قال أحدهم والدف بيده لينقطوه، وهذه كانت عادة المغاني بالديار المصرية. فلما رآه الأمير جمال الدين انتهزه وقال: ويلك أنت في الخلق، وأشار إلى خزنداره، فوضع في الدف كيساً فيه ألف درهم. فلما رقص الجميع دار بينهم، ورمى على المغني بغلطاقه وهو أبيض قطن بعلبكي
لا يساوي عشرين درهماً، فرمى سائر مماليكه بغالطيقهم موافقة له، وقيمتها فوق الثلاثة آلاف درهم، ثم دار في النوبة الثانية، ورمى على المغني منديله، وهو أبيض يساوي ثلاثة دراهم، فرمى سائر أصحابه مناديلهم، وفيها ما هو بالذهب وغيره، ولعل قيمتها فوق الألف درهم وخمس مائة درهم.
فحسان المغاني حصل لهم منه ومن غلمانه نحو ستة آلاف درهم.
قال: ولما عزم العزيزية على قبض الملك المعز، أطلعوا الأمير جمال الدين، فلم يوافقهم ونهاهم عن ذلك، وعرفهم ما يترتب عليهم من المفاسد، وأن ضرر هذا العزم يلحقهم - دون الملك المعز - ولم ير الأمير جمال الدين أن يشي بهم إلى الملك المعز وبلغ المعز ما عزموا عليه، وعلم العزيزية أنه علم. وهو - وهم - في الميدان يلعب بالكرة في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وستمائة. فهربوا على حمية، وفيهم الأمير شمس الدين البرنلي.
وأما الأمير جمال الدين، فلم يهرب؛ لعلمه ببراءة ساحته؛ فساق الأمير المعز إلى قريب من خيمة الأمير جمال الدين؛ فخرج إليه، فأمر بقبضه وسيره إلى الاعتقال مكرماً مرفهاً. وكان ذنبه عنده كونه لم يطلعه على ما عزم عليه
أصحابه، وأذن لأهل الأمير جمال الدين أن يحملوا إليه الطعام والشراب والملابس وكل ما يحتاج إليه، ثم أظهر موته وأخفى خبره بالكلية.
فلما وقع الصلح بين الملك الناصر صلاح الدين يوسف وبين المعز وتوجه الشيخ نجم الدين البادرائي إلى الديار المصرية، طلب من الملك المعز الإفراج عن الأمير جمال الدين، فقال له الملك المعز: ما بقي المولى يراه إلا في عرصات القيمة إشارة إلى أنه قد مات. ولم يكن مات، بل كان في قاعة، وعليه الملبوس الفاخر، والملك المعز يدخل عليه في بعض الأوقات ويلعب معه الشطرنج. واستمر على ذلك إلى أن خرج الملك المظفر سيف الدين قطز لقتال التتار، فأفرج عنه، وأمر بتجهيزه إليه، فلقيه في الطريق وقد خرج من دمشق، فعاد معه، واجتمع معه الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وأطلعه على شيء مما عزم عليه؛ فأغلظ له في الجواب وصده عن ذلك بكل طريق، وقال له: لو كان للملك المظفر في عنقي يمين لأخبرته بذلك، فإياك إياك أن تقع في ذلك؛ فأظهر الإصغاء إلى قوله، وفعل ما كان عزم عليه.