الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الباء الموحدة والواو
الفرنسيس
بواش هو الملك ريد إفرنس، المعروف بالفرنسيس.
كل أجل ملوك الفرنج، وأعظمهم قدراً، وأكثرهم عساكراً، وأوسعهم بلاداً، وأكثرهم أموالاً. وقصد الديار المصرية، واستولى على طرف منها، وملك دمياط في سنة سبع وأربعين وستمائة. واتفق موت الملك الصالح نجم الدين أيوب سلطان الديار المصرية، وتملك بعده ابنه الملك المعظم توران شاه.
واستمر الحصار بين المسلمين والفرنج إلى أن قدر الله بأسر ريد إفرنس المذكور، وانهزام عسكره. وبقي أسيراً في أيدي المسلمين مدة إلى أن أطلق
بعد تسليم دمياط إلى المسلمين. وتوجه إلى بلاده وفي قلبه ما جرى عليه من ذهاب أمواله، وأسر رجاله؛ فبقيت نفسه تحدثه بالعود إلى البلاد الإسلامية؛ لأخذ ثأره. فاهتم لذلك اهتماماً كبيراً في مدة سنين إلى سنة ستين وستمائة، وقصد سواحل الديار المصرية فقيل له: إن قصد مصر ربما يجري لك مثل المرة الأولى، والأحسن أن تقصد تونس.
وكان ملكها يومئذ السلطان محمد بن يحيى بن عبد الواحد، الملقب بالمستنصر بالله، فإنك إن ظهرت عليه، تمكنت من قصد مصر في البر والبحر؛ فقصد تونس، وكاد يستولي عليها، ومعه جماعة من ملوك الفرنج؛ فأوقع الله في عسكره وباءً عظيماً؛ فهلك الملك ريد إفرنس وخلق كثير من عسكره، ورجع من بقي من عسكره إلى بلادهم بالخيبة والصغار.
وكانت وفاته سنة إحدى وستين وستمائة، ووصلت البشرى بموته إلى الملك الظاهر بيبرس؛ فسر الناس بذلك.
وكان ريد إفرنس المذكور عنده شجاعة، وإقدام، ومكر، ودهاء. ولما أسر في نوبة دمياط، تسلمه الطواشي جمال الدين محسن هو وجماعته، وضرب في رجله قيداً ثقيلاً، واعتقله في الدار التي كان بها فخر الدين بن لقمان؛ كاتب الإنشاء، وذلك بالمنصورة، ووكل به جمال الدين محسن الطواشي صبيح المعظمي؛ فلذلك
قال الصاحب جمال الدين بن مطروح عندما بلغهم مجيئه ثانياً إلى الديار المصرية:
قل للفرنسيس إذا جئته
…
مقال حق من مقول نصيح
آجرك الله على ما جرى
…
من قتل عباد يسوع المسيح
أتيت مصراً تبتغي ملكها
…
تحسب أن الزمر يا طبل ريح
فساقك الحين إلى أدهم
…
ضاقت به عن ناظريك الفسيح
وكل أصحابك أوردتهم
…
بسوء أفعالك بطن الضريح
خمسون ألفاً لا ترى منهم
…
إلا قتيلاً أو أسيراً جريح
وفقك الله لأمثالها
…
لعل عيسى منكم يستريح
إن كان باباكم بذا راضياً
…
فرب غش قد أتى من نصيح
وقل لهم إن أضمروا عودة
…
لأخذ ثأر أو لقصد صحيح
دار ابن لقمان على حالها
…
والقيد باقٍ والطواشي صبيح
واشتهرت هذه الأبيات؛ لحسنها ورشاقة ألفاظها.
ولما قصد الفرنسيس بلاد تونس، قال فيه بعض شعرائها: