الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم قبول القضاء
مدخل
…
حكم قبول القضاء:
بين علماؤنا رضي الله عنهم أن قبول القضاء قد يكون في بعض الأحوال جائزًا، وقد يكون فرض عين وقد يكون حراما.
الحال الأولى: جواز قبول القضاء، وهي ما إذا كان الشخص تتوفر فيه الشروط التي يجب أن تتوافر في القاضي من عدالة، واجتهاد، وغيرهما، ويوجد غيره مثله تتوافر فيه هذه الشروط، فهذا لا يفترض عليه قبول القضاء، بل هو في سعة من القبول والترك.
الدليل على جواز القبول:
وقد استدل لجواز القبول بأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قضوا بين الأمم بأنفسهم، وقلدوا غيرهم القضاء، وأمروا بذلك، فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه إلى اليمن قاضيا، وبعث عتاب بن أسيد رضي الله عنه إلى مكة قاضيًا كما قلنا سابقا، وكذلك ثبت عن الخلفاء الراشدين أنهم قضوا بأنفسهم، وقلدوا غيرهم القضاء، فقلد عمر بن الخطاب شريحا القضاء، وقرره عثمان وعلي رضي الله عنهم جميعًا.
الدليل على جواز الترك:
وأما جواز الترك فقد استدل عليه بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حذر أبا ذر من الإمارة.
ما هو الأفضل؟
هذا، وإذا كان يجوز الترك والقبول، فما هو الأفضل، هل الأفضل له
قبوله أم الأفضل له تركه؟ قال بعض العلماء بهذا، وقال البعض الآخر بذاك.
دليل من قال بأن الترك أفضل:
أما القائلون بأن الترك أفضل فقد احتجوا بما روي عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: $"من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين" وهذا الحديث يجري مجرى الزجر عن تولي هذا المنصب.
دليل من قال بأن القبول أفضل:
وأما القائلون بأن القبول أفضل فقد احتجوا بأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قضوا بين أممهم بأنفسهم، وكذلك قضى الخلفاء الراشدون ولنا فيهم قدوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولأن القضاء بالحق إذا قصد به القاضي وجه الله تبارك وتعالى كان عبادة خالصة بل هو من أفضل العبادات.
الرد على الاستدلال بحديث من ولي القضاء:
ثم رد هذا الفريق على الاستدلال بحديث: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين" بأن هذا الحديث محمول على القاضي الجاهل، أو على العالم الفاسق، أو الطالب للقضاء الذي لا يأمن على نفسه الرشوة، فيخاف أن يميل إليها، وبهذا يمكن التوفيق بين الأدلة1.
الحال الثانية: وجوب تولي القضاء، وهي ما إذا كان الشخص يصلح للقضاء، ولا يوجد شخص آخر تتحقق فيه هذه الصلاحية، فهذا يتعين على رئيس
1 فتح القدير للكمال بن الهمام، ج7، ص252.
الدولة أو من يمثله أن يوليه القضاء، ويتعين عليه أن يقبل هذا المنصب إذا ولاه؛ لأن القضاء فرض كفاية، ولا يستطيع أحد غيره أن يقوم به، فيتعين عليه كأي فرض آخر من فروض الكفايات إذا لم يوجد من يستطيع القيام به إلا واحد.
إذا لم يكن معروفًا عند رئيس الدولة:
وإذا لم يكن معروفا عند رئيس الدولة، أو من يقوم مقامه في تولية القضاة، لزمه أن يعرفه بنفسه، ويعرض نفسه عليه لتولي القضاء؛ وذلك لأن هذا المنصب يجري مجرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو لم يكن يصلح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا واحد وجب عليه ذلك.
لرئيس الدولة إجباره على تولي هذا المنصب:
وقد صرح بعض العلماء بأن لرئيس الدولة أن يكره من يعلم قدرته على القضاء لتولي هذا المنصب الخطير؛ وذلك لأنه لا بد أن تصل الحقوق إلى أربابها بإلزام المانعين منها، ولا يكون ذلك إلا بواسطة القضاء.
هذا وقد صرح فقهاء المالكية بأنه يجب قبول القضاء على الذي تتوافر فيه شروط القضاء، ويخاف فتنة على نفسه أو ماله أو ولده، أو على الناس إن لم يتول هو القضاء، أو يخاف ضياع الحق له أو لغيره إن لم يتوله، بل قالوا إنه يلزمه أن يطلب توليته القضاء من الحاكم، إن لم يطلب منه الحاكم توليه1.
الحال الثالثة: حرمة تولي القضاء، وهي حال ما إذا كان الشخص لا يحسن القضاء، ولم تجتمع فيه الشروط المطلوبة، فهذا يحرم عليه أن يقبل هذا المنصب.
دليل هذا:
يدل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن من يقضي بين الناس على جهل معذب في النار، يقول صلى الله عليه وسلم:"القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار"، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الحاكم2.
1 حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج4، ص130، 131.
2 سبل السلام، للصنعاني، ج4، ص115، والمغني لابن قدامة، ج9، ص35. وتكملة المجموع لمحمد نجيب المطيعي، ج19، ص110، 111.