الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثمانون والأخير باب الهجاء
[الأصل الأول: فصل الكلمة من الكلمة]
قال ابن مالك: (وله في غير العروض (1) أصلان، ولا يعدل عنهما إلّا انقيادا لسبب جلىّ أو اقتداء بالرّسم السّلفيّ. الأصل الأوّل: فصل الكلمة من الكلمة إن لم يكونا كشيء واحد إمّا بتركيب كبعلبكّ، وإمّا لكون إحداهما لا يبتدأ بها أو لا يوقف عليها، وإمّا لكونها مع الأخرى كشيء واحد في حال، فاستصحب لها الاتّصال غالبا، ووصلت من بمن مطلقا، وبما الموصولة غالبا، وعن بمن كذلك، وفي بمن الاستفهاميّة مطلقا، وبما الموصولة غالبا، والثّلاثة بما الاستفهاميّة محذوفة الألف.
وشذّ وصل «بئس» بما قبل اشْتَرَوْا بِهِ (2) وخَلَفْتُمُونِي (3)، ووصل إن بـ (لم يستجيبوا)(4) ووصل أن بلن في الكهف والقيامة، وبلا في بعض المواضع، وكذا وصل أم بمن، وكي بلا، وتحذف نون من، وعن، وإن، وأن، وميم
أم عند وصلهنّ).
الشّرح: يشير المصنف إلى باب الهجاء، والمراد به هنا: كتابة الألفاظ التي تركبت من حروف الهجاء، وهي حروف المعجم، فقال: وله في غير العروض أصلان، وأما العروضيون فيكتبون المسموع، فالمدغم بحرفين، والتنوين نونا، ويكتبون الحروف بحسب أجزاء التفعيل، والرسم السلفي (5): هو ما اصطلح عليه السلف من كتابة المصحف. أما الرسم في هذا الباب فيعتمد على أصلين - سيأتي ذكرهما - ولا يعدل عنهما إلا لسبب جليّ أو موافقة للرسم العثماني. وقال الرضي: حق كل لفظ أن يكتب بحروف الهجاء التي ركب ذلك اللفظ منها إن كان مركبا، وإلا فبحرف هجائه، ويعتمد هذا الخط على أصلين: الأول: فصل الكلمة من الكلمة، إن لم يكونا كشيء واحد؛ ذلك لأن كل كلمة تدل على معنى غير معنى الكلمة الأخرى، وكما تميز المعنيان تميز اللفظان، فليتميز الخط النائب عن اللفظ بالفصل، فإن كانا -
(1) انظر: التسهيل (ص 332).
(2)
سورة البقرة: 90.
(3)
سورة الأعراف: 150.
(4)
سورة هود: 14.
(5)
انظر: الشافية (2/ 312).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كشيء واحد فلا فصل، كأجزاء الكلمة الواحدة، وسيوضح المصنف ما يكون به الكلمتان كشيء واحد، وذلك إما بتركيب كبعلبك وهو التركيب المزجي (1)، وخرج المركب الإسنادي نحو: زيد قائم أو الإضافي كغلام زيد، وخرج المركب البنائي نحو: خمسة عشر، وصباح مساء، وبين بين؛ فهذه المركبات تكتب كلها مفصولة.
وكذلك وإما لكون إحداهما لا يبتدأ بها نحو الضمائر البارزة المتصلة كضربت، ونون التوكيد، وعلامة التأنيث، وكذا التثنية والجمع في لغة «أكلوني البراغيث» فكما لا تفصل لفظا، لا تفصل خطّا، وتكتب متصلة. وذكر المصنف مما يكون كالشيء الواحد أو لا يوقف عليها نحو باء الجر، وفاء العطف، ولام التأكيد، وفاء الجزاء فكما امتزجت في اللفظ، امتزجت في الخط (2)، ثم قال: وإما لكونها مع الأخرى، كشيء واحد في حال، فاستصحب لها الاتصال غالبا مثل: بعلبك إذا أعرب إعراب متضايفين، ومع ذلك كتبت متصلة لما ثبت لها عند تركيب المزج، وإن كان النظر إلى الإعراب يقتضي فصلهما. كما يجب اتصالها كتابة إذا وصلت من بمن مطلقا سواء أكانت موصولة أم موصوفة
نحو: أخذت ممن أخذت منه، أم استفهامية نحو: ممن أنت؟ أم شرطية نحو: ممن تأخذ درهما، فيجب وصلها خطّا، وكذلك بما الموصولة نحو:
عجبت مما عجبت منه، فالغالب وصلها، ومن غير الغالب أن تفصل. وقال ابن عصفور:
إنّ ما إذا كانت غير استفهامية فصلت، من عنها على قياس الكلمتين (3). ثم قال: وعن بمن كذلك فإذا أصبحت عن من الموصولة، فالغالب وصلها بها، نحو: رويت عمّن رويت عنه، ويجوز الفصل نحو: عن من رويت؟ فإن كانت من غير موصولة، فالقياس فصل عن، نحو: عن من تسأل؟ وعن من ترض أرض، وكذلك وفي بمن الاستفهامية مطلقا نحو: فيمن تفكر؟ وبما الموصولة غالبا نحو: فكرت فيما فكرت فيه.
وما الموصولة المتصلة بمن وعن وفي فيها أقوال ثلاثة: الاتصال، الانفصال، جواز الأمرين، والوصل غالب.
ثم قال: والثلاثة بما الاستفهامية يريد إذا دخلت من، وعن، وفي بما الاستفهامية وكذلك الزائدة؛ نحو: بم هذا الثوب؟ وعَمَّ يَتَساءَلُونَ (4)، وفِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (5)، -
(1) انظر: الهمع (2/ 231).
(2)
شفاء العليل (3/ 1137).
(3)
انظر: المساعد (3/ 336).
(4)
سورة النبأ: 1.
(5)
سورة النازعات: 43.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والزائدة مثل: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ (1)، وقالَ عَمَّا قَلِيلٍ (2) فتكتبان متصلة بهذه الحروف، وأما الشرطية والموصوفة، فالقياس يقتضي فصلهما.
وتحذف ألف الاستفهامية مع حروف الجر فرقا بين الاستفهامية والموصولة؛ ولأن آخرها منته لفظا وتقديرا وكذلك تحذف ألفها إن جرت بالإضافة نحو مجيء م جئت؟ وأجاز فيها سيبويه إثبات الألف مع الإضافة. وقد أثبتوا ألف الاستفهامية مع حرف الجر في الشعر قال:
4396 -
على ما قام يشتمني لئيم
…
كخنزير تمرّغ في رماد (3)
وشذ وصل بئس بما قبل: اشْتَرَوْا بِهِ (4) وخَلَفْتُمُونِي (5) وهذا مما خالف الأصل الانفصال، وتوصل إتباعا للرسم السلفي: بئسما بالاتصال، وحملت على نِعِمَّا (6) لأجل الإدغام اتصلت.
كما شذ وصل إن بـ (لم يستجيبوا) في هود فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ (7) وفي القصص فصلت فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ (8) كما شذ وصل أن بلن في الكهف والقيامة يريد قوله تعالى: بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (9)، وفي القيامة أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (10).
ثم قال المصنف: وبلا في بعض المواضع. قال ابن الأنباري وغيره: أن لا متصلة في القرآن في الخط إلّا عشرة مواضع في الأعراف: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ (11)، ومنها أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، (12) والتوبة وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ (13)، وهود وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)، وأَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (15)، -
(1) سورة نوح: 25.
(2)
سورة المؤمنون: 40.
(3)
البيت من الوافر لحسان بن ثابت وقيل: لحسان بن المنذر، والشاهد فيه:«على ما قام» حيث أثبت ألف ما الاستفهامية المجرورة للضرورة الشعرية، وانظر: المساعد (4/ 339)، والعيني (4/ 216).
(4)
سورة البقرة: 90.
(5)
سورة الأعراف: 150.
(6)
سورة النساء: 58.
(7)
سورة هود: 14.
(8)
سورة القصص: 50.
(9)
سورة الكهف: 48.
(10)
سورة القيامة: 3.
(11)
سورة الأعراف: 105.
(12)
سورة الأعراف: 169.
(13)
سورة التوبة: 118.
(14)
سورة هود: 14.
(15)
سورة هود: 26.