الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[قلب الواو والياء ألفا إذا وقعتا عينين
(1)]
قال ابن مالك: (فصل: إن كانت الياء أو الواو عين فعل، لا لتعجّب ولا موافق لفعل الّذي بمعنى افعلّ ولا مصرّف منهما، أو عين اسم يوافق المضارع في وزنه الشّائع دون زيادته غير جار على فعل مصحّح أو يوافقه في زيادته، وعدد حروفه وحركاته دون وزنه أو عين مصدر على إفعال أو استفعال، ممّا اعتلّت عينه نقلت حركتها إلى السّاكن قبلها إن لم يكن حرف لين ولا همزة، ولم تعتلّ اللّام أو تضاعف، وأبدل من العين مجانس الحركة إن لم تجانسها وتحذف واو مفعول مما اعتلّت عينه، ويفعل بعينه ما ذكر، وإن كانت ياء وقيت الإبدال بجعل الضّمّة المنقولة كسرة، وتصحيحها لغة تميمية. وربّما صحّحت الواو كمصوون، ولا يقاس على ما حفظ منه خلافا للمبرّد).
قال ناظر الجيش: اعلم أن مقصود هذا الفصل أن يذكر فيه نقل حركة الحرف المعتل الواقع عينا إلى ما قبله من ساكن وقد جعل المصنف ذلك حكما مستقلّا بنفسه؛ لذلك استأنف ذكره في فصل، وأما ابن الحاجب - رحمه الله تعالى - فإنّه وصل الكلام في ذلك بالكلام على أحكام الفصل الذي فرغ منه، وهو أنه قال: إن الواو والياء إذا كانتا عينين يقلبان ألفا إذا تحركتا ومفتوحا ما قبلهما، أو في حكمه في اسم ثلاثي أو فعل ثلاثي أو محمول عليه [6/ 186]، أو اسم محمول عليهما، فالاسم الثلاثي باب وناب والفعل الثلاثي: قام وبان (2). وقد فتح ما قبلهما، وما في حكم المفتوح ما قبله، أقام وأبان، والمحمول على الثلاثي: مقام، والمحمول على المحمول على الثلاثي: إقامة واستقامة، ولمّا سلك هذه الطريقة احتاج أن يعتذر عن نحو: تقوم وتبيع (3)، وكونهما لم يعلّا بقلب حرف العلة فيهما ألفا، وتكلف لذلك ولا شك أن فيما سلكه قلقا، والذي فعله المصنف أولى، وإنما جعل المصنف هذا الفصل من جملة فصول الإبدال؛ لأن الإبدال لا بد منه في شيء من صور مسائله، كما في: يقيم ويخاف ويهاب، كما سيبين - إن شاء الله تعالى - -
(1) انظر المفصل (201، 202) وابن يعيش (10/ 16) والنزهة (ص 224) والممتع (2/ 438) والجاربردي (1/ 275).
(2)
الرضي (3/ 95).
(3)
انظر الممتع (2/ 485، 486).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحاصل ما سيق هذا الفصل لأجله: أن عين الكلمة التي هي واو متحركة وياء متحركة تنقل حركتها إلى ما قبلها من ساكن إلا في الكلمات التي تستثنى، وإلا أن يمنع من النقل مانع، بأن يكون الساكن قبلها حرف لين أو همزة، أو تكون لام الكلمة قد أعلت أو تكون اللام مضاعفة، واعلم أنه إذا حصل النقل فتارة يبقى الحرف الذي نقلت حركته عنه بحاله، وتارة يبدل الحرف بحرف من جنس الحركة المنقولة. قال المصنف في إيجاز التعريف: من الإعلال الواجب تحريك الفاء الساكنة بحركة العين التي هي ياء أو واو، نحو: يبيع ويقول، أصلهما: يبيع ويقول، فإن جانست الحركة العين كما اتفق في يبيع ويقول، فلا يزاد على ما فعل بهما من تحريك ما كان ساكنا وإسكان ما كان متحركا، وهو المسمى نقلا، فإن لم تكن الحركة مجانسة نقلت ووليها مجانسها بدل العين نحو: يهاب ويخاف ويقيم، أصله: يهيب ويخوف ويقوم، ففعل بهن ما ذكر، فإن كانت الحركة ضمة والعين ياء في غير مفعول أبدلت الضمة كسرة وسلمت الياء في قول الأخفش. انتهى.
والإشارة بقوله: فإن كانت الحركة ضمة والعين ياء في غير مفعول إلى نحو: مفعلة إذا بنيت مما عينه ياء كمبيعة، فإن القياس عند سيبويه: مبيعة، وعند الأخفش:
مبوعة، ومن ثم كان مضوفة شاذّا عند سيبويه (1) قياسا عند الأخفش (2)، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في هذا الباب، فلا حاجة إلى إعادته. وقال في شرح الكافية الشافية: إذا كان عين فعل واوا أو ياء وقبلهما ساكن صحيح فانقل حركتها إليه، واجعلها تابعة للحركة، أي إن كانت الحركة فتحة فاقلب العين ألفا، وإن كانت كسرة والعين واو فاقلبها ياء، وإن كانت ضمة والعين واو أو كسرة والعين ياء فلا تغيرهما بأكثر من التسكين نحو: أقام وأبان و: يقيم ويبين (3). انتهى. وبقي من الأقسام أن تكون الحركة ضمة والعين ياء، وهو الذي ذكر في إيجاز التعريف أن فيه خلاف الأخفش مع سيبويه، وقد تقدم تمثيله؛ فإن قيل: الذي ذكره في شرح الكافية مقيّد بكونه غير فعل ولا يتصور في الفعل صيغة فعل بضم العين مما عينه ياء -
(1) انظر: الكتاب (2/ 364) وابن يعيش (10/ 82).
(2)
انظر: ابن يعيش (10/ 81) والجاربردي (1/ 291).
(3)
شرح الكافية (4/ 2138 - 2139).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيجيء له مضارع ساكن الفاء مضموم العين مع كونها ياء، والذي ذكره في إيجاز التعريف لم يقيده بفعل؛ فلهذا استوفى الأقسام كلها. فالجواب: أن ذلك يجيء في الأفعال أيضا، لكنه إنما جاء في كلمة واحدة، وذلك أنه قد أتى في الأفعال فعل فيما عينه ياء، وهو: هيؤ، قالوا: ولم يأت على هذه الصيغة فعل متصرف غير هذا الفعل (1)، وعلى هذا فإذا أتي بمضارع الفعل المذكور فالأصل فيه أن يقال: يهيؤ، فإما أن تبدل الضمة كسرة مع نقلها إلى الساكن قبلها، فتسلم الياء، فيقال: يهيي كيبيع، وإما أن تبقى الضمة وتبدل الياء واوا فيقال: يهيو كيقوم فقد تصور في الفعل والعين فيه ياء وحركتها ضمة، وإذ قد تقرر هذا فاعلم أن هذا العمل الذي هو نقل حركة المعتل إلى ما قبله من ساكن يكون في أربعة أشياء: فعل وثلاثة أسماء؛ وهي اسم يوافق المضارع في ما سيذكر، واسم هو مصدر، واسم على صيغة مفعول، وقد أورد المصنف ذلك في هذا الكتاب بهذا الترتيب، فأشار إلى الفعل بقوله: إن كانت الياء والواو عين فعل، وعطف عليه الاسم الموافق للمضارع، والاسم الذي هو مصدر، فقال: أو عين اسم يوافق المضارع ثم قال: أو عين مصدر الاسم على إفعال أو استفعال مما اعتلت عينه، ثم أتى بجواب الشرط، فقال: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، أي: إن كانت الياء والواو عينا نقلت حركتها إلى الساكن قبلها في الثلاثة المذكورة إذا انتفت الموانع التي ستذكر، ثم إنه شرع في ذكر الموانع، فذكر هنا مانعين: الأول: أن يكون الفعل فعل تعجب نحو:
ما أطوله، وأطول به، وما أبينه، وأبين به. والعلّة في تصحيحه حمله على نظيره من الأسماء في الوزن والدلالة على المزية، وهو أفعل التفضيل، ولأنه لا يتصرف ولا مصدر له فأشبه بجموده الاسم. الثاني: أن يكون الفعل ما أشار إليه بقوله:
ولا موافق لفعل الذي بمعنى افعلّ، ومثّل الشيخ لذلك بعور وصيد قال: لأنهما بمعنى -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما يصحح نحو: اعور واصيدّ (1)، والتمثيل مطابق لما تعطيه عبارة المصنف، لكنني لم يتضح لي كلامه، فإن العين من: عور وصيد لم يكن قبلهما ساكن فينقل حركتها إليه، ولم تكن هذه العبارة مطابقة لما سبق الكلام له من نقل حركة العين إذا كانت ياء أو واوا إلى ساكن قبلهما، والظاهر أن مراده أن يستثنى من نحو: أعوره ويعوره فإن نحو ذلك لا تقلّ فيه، ولكن هذا لا يعرف من العبارة التي ذكرها، وعلى ما قلناه كان ينبغي أن يقول: ولا المنقول بهمزة من فعل الذي بمعنى افعلّ، ويمثّل لذلك حينئذ بأعوره، فيطابق العبارة والتمثيل ما هو المقصود من هذا الفصل، وكلام المصنف في الكافية يرشد إلى ما قررته، فإنه لمّا ذكر الموانع التي تمنع هذا الإعلال الذي هو النقل قال: أو يك ممّا صححوه من فعل، وقال في شرح ذلك:
فلو كان ما فيه سبب الإعلال المذكور من تصاريف فعل المستحق للتصحيح وجب تصحيحه أيضا كيعور وأعوره الله (2). هذا كلامه وهو مطابق للمقصود بخلاف عبارة التسهيل ولا يمكن أن يقال: إن أعور يوافق عور حتى يقول: إنه هو المراد من قوله: ولا موافق لفعل لأن أعور لا يوافق عور بحال، على أن لقائل أن يقول:
لا حاجة بالمصنف إلى استثناء ذلك؛ لأن القاعدة التصريفية أن ما يصرف مما صح صحيح، ولا شك أن اعورّ متفرع من عور، وعور يجب تصحيحه لما مرّ، فاعور واجب التصحيح - أيضا - لتصحيح أصله، وحينئذ لا يستثنى من الأفعال من هذا الإعلال إلا فعل التعجب؛ لأنه كان يستحق [6/ 187] الإعلال لإعلال ما هو متفرع عنه، وقد صحح ذلك. أما اعورّ فغير مستحق لذلك لتصحيح أصله الذي هو: عور، وأما بقية الموانع - هذا الثقل - فقد ذكرها المصنف بعد أن أتى بجواب الشرط وهو قوله: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، وأوردها على سبيل الشروط وهي المشار إليها بقوله: إن لم يكن حرف لين ولا همزة ولم تعتل اللام أو تضاعف، وأنا أقدم الكلام عليها لتكون الموانع بجملتها قد نظمت في الذكر فأقول: الموانع التي ذكرها أربعة: الأول: أن يكون الساكن حرف لين، وذلك نحو: بايع وطاوع وقوّم وبيّن (3)، فعلم من هذا أن الساكن الذي ينقل إليه لا بد أن يكون صحيحا، -
(1) التذييل (6/ 177 أ).
(2)
شرح الكافية (4/ 2139، 2140).
(3)
انظر: الرضي (3/ 95).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإلى ذلك أشار بقوله: إن لم يكن حرف لين أي: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، إن لم يكن الساكن حرف لين، وإنما امتنع النقل في ذلك أما في نحو: بايع وطاوع فلتعذر قبول الألف الحركة، وأما في نحو: قوّم وبيّن، فلأنه لو نقلت الحركة فيه لقلبت الواو أو الياء ألفا فيلتقي ساكنان، فيلزم حذف أحدهما، وإذا حذف أدى ذلك إلى الإلباس. الثاني: أن يكون الساكن همزة. ومثل لذلك بقولهم: يأيس مضارع أيس (1)، وإلى ذلك أشار بقوله: ولا همزة. قال الشيخ: فهذا لا يجوز فيه النقل والحذف بل يصح حرف العلة فيه؛ لأن قبله همزة وهي معرضة للإعلال بأن تبدل ألفا فكأنها ألف، فكما لا يجوز إعلال مثل: بايع لا يجوز إعلال ذلك (2).
انتهى. ولا يخفى ضعف هذا التعليل، ثم إن في المسألة من أصلها نظرا، وذلك أن: يأيس لا يستحق إعلالا؛ لأن المضارع تابع للماضي في الصحة والإعلال، وإذا كان الماضي الذي هو: صحيحا وجب كون المضارع صحيحا - أيضا - وعلى هذا فقد يقال: إن امتناع النقل في أيس ليس لأن الساكن الذي قبل حرف العلة همزة؛ لأن الفعل يستحق التصحيح من حيث إن الماضي قد صحح، وإذا كان كذلك لا يثبت كون الساكن همزة من جملة الموانع، ويدل على أن كون الساكن همزة لا يكون مانعا أن النقل قد حصل في يؤوب ويؤول مضارعي آب وآل. الثالث: أن تعتل لام الكلمة وذلك نحو: أعيا وأهوى واستحى واستغوى، فلا يجوز النقل في شيء من ذلك؛ لئلا يلزم توالي إعلالين، فعلم بهذا أن شرط إعلال عين الفعل هذا الإعلال الخاص أن تكون اللام صحيحة، وإلى ذلك أشار بقوله: ولم تعتل اللام، هكذا ذكر المصنف هذه المسألة في جميع كتبه والأمر كما قال غير أن لقائل أن يقول: إنما صحت هذه الأمثلة المذكورة لصحة الثلاثي منها، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى أن يجعل إعلال اللام مانعا من إعلال العين؛ لأن الموجب لصحة العين إنما هو صحتها في الثلاثي. الرابع: أن يضاعف لام الكلمة، وذلك نحو: اسودّ وابيضّ، واسوادّ وابياضّ (3)، وسنذكر علّة ذلك، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: -
(1) انظر: الأشموني (4/ 320).
(2)
التذييل (6/ 178 ب) وانظر المساعد (4/ 173).
(3)
انظر: التذييل (6/ 178 ب) والمساعد (4/ 173).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو تضاعف عطفا على تعتل في قوله: ولم تعتل اللام. قال المصنف في إيجاز التعريف: ومن موانع هذا الإعلال اعتلال اللام وتضعيفها نحو: يقوى ويزورّ فلا بد من تصحيح هذين النوعين؛ لأن إعلال الأول يلزم منه توالي
اعتلالين على الوجه الذي لا يغتفر ولا سبيل إليه وإعلال الثاني يلزم منه التباس مثال بمثال، فإنه لو نقلت حركة العين من: ازورّ إلى فائه لانقلبت هي ألفا، فاستغني عن همزة الوصل لتحرك الزاي فقيل: زارّ، فيتوهم أنه فاعل من الزّرّ فاجتنب لذلك. انتهى. والعلة التي ذكرها لامتناع إعلال: اسودّ وازورّ هي بعينها العلة في امتناع إعلال: اسوادّ وابياضّ؛ لأن النقل لو حصل لانقلب حرف العلة ألفا لانفتاح ما قبله، ويجتمع حينئذ ألفان فيجتمع حذف أحدهما فيؤول وزن الكلمة إلى: ساد وباض - أيضا - فيتوهم أنه فاعل (1) وقد أفاد كلام المصنف أولا وآخرا أن الموانع التي تمنع هذا الإعلال الذي هو النقل ستة، وفي بعضها البحث الذي تقدم ولا أعلم الموجب لتفرقة المصنف بينها في الذكر، وقد أوردها في الكافية الشافية منتظمة فقال:
لساكن صحّ انقل التّحريك من
…
زي لين آت عين فعل كأبن
إن لم تضاعف لامه أو تعتلل
…
أو تك ممّا صحّحوه من فعل
أو ما تعجّبا أفاد نحو ما
…
أجود كفّيه، وأجود بهما (2)
وقال في الألفية:
لساكن صحّ انقل التحريك من
…
ذي لين آت عين فعل كأبن
ما لم يكن فعل تعجّب ولا
…
كابيضّ أو أهوى بلام علّلا (3)
وأما قول المصنف: ولا مصرف منهما؛ فقال الشيخ: مثال ما صرف من فعل التعجب: أطول بزيد وأعجب به ومثال ما صرف من عور وصيد: يعور ويصيد وأعوره الله (4). انتهى ولا نرتضي من الشيخ هذا بل ولا من المصنف، فإن فعل التعجب لا يتصرف منه شيء ولا شك أن قوله: لا لتعجب شامل لصيغتي -
(1) انظر: التذييل (6/ 178 ب) والمساعد (4/ 173) وشرح ابن الناظم (ص 859).
(2)
شرح الكافية الشافية (4/ 2138).
(3)
الألفية (ص 78).
(4)
التذييل (6/ 177 أ) وانظر المساعد (4/ 171).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التعجب وهما: ما أفعله وأفعل به فكيف يقال: إن أفعل به مصرف مما أفعله؟ وأما قوله: إن أعوره مصرّف من
عور فهو كلام مبني على كلامه الأول، وتمثيله بنحو:
عور وصيد لقول المصنف: ولا موافق لفعل الذي بمعنى افعل، وقد عرفت ما فيه، والحق أن لا حاجة إلى قول المصنف: ولا موافق لفعل الذي بمعنى افعلّ ولا مصرف منهما هذا آخر الكلام على الفعل، وأما الأسماء التي تعل هذا الإعلال فثلاثة كما عرفت: الأول: الاسم الذي يوافق المضارع وقد أشار إلى ذلك بقوله: أو عين اسم يوافق المضارع في وزنه الشائع دون زيادته غير جار على فعل مصحح أو يوافقه في زيادته وعدد حروفه وحركاته دون وزنه، واعلم أن الأصل المقرر في هذا الموضع أن الاسم الذي يعلّ هذا الإعلال - أعني نقل حركة عينه المعتلة إلى فائه شرط إعلاله أن يوافق ذلك الاسم الفعل المضارع في شيء ويخالفه في شيء والشيئان اللذان يعتبر فيهما الموافقة والمخالفة، هما الوزن والزيادة، أعني وزن الفعل وزيادته، فإن كانت الموافقة في الوزن وجبت المخالفة في الزيادة، وإن كانت الموافقة في الزيادة وجبت المخالفة في الوزن الأول نحو: مقام أصله مقوم وهو كيعلم في الوزن، لكن الحرف المزيد جيم، وهو لا يزاد في المضارع، واليائي نحو: تبيع وهو مثال: تحلئ من البيع (1)، وافق الفعل المضارع في الزيادة التي هي التاء، وخالفه في الوزن الذي هو:
تفعل بكسر الأول، أما إذا وافقه في الزيادة والوزن معا نحو: ابيضّ واسودّ، وخالف فيهما معا نحو: سواك ومخياط يجب التصحيح (2) وقبل الخوض في شرح ألفاظ الكتاب أورد [6/ 188] كلام المصنف في شرح إيجاز التعريف ليستعان على حل كلامه بكلامه. قال رحمه الله تعالى مشيرا إلى الإعلال الذي الكلام فيه الآن:
ويستحق هذا الإعلال أيضا كل اسم غير جار على فعل مصحح إن وافق الفعل في وزنه وخالفه بزيادته أو بالعكس. فالأول نحو: مقام ومقيم ومقام أصلهن: مقوم، ومقوم، ومقوم، فهن على وزن يعلم ويعلم ويعلم، وإنما حصلت المخالفة بالمزيد قبل الفاء، وأما عكس ذلك وهو أن يوافقه في الزيادة ويخالفه في الوزن نحو أن تبني من -
(1) انظر: الكتاب (2/ 366) والمنصف (1/ 321) وشرح الكافية (4/ 2140) والأشموني (4/ 321) وشرح ابن الناظم (ص 860).
(2)
انظر: شرح الكافية (4/ 2141) والأشموني (4/ 322) وشرح ابن الناظم (ص 860).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بيع وقول مثال تحلئ، فيقال: تبيع وتقيل، وأصلهما: تبيع وتقول، ثم فعل بهما ما ذكر؛ لأنهما وافقا الفعل في الزيادة؛ لأن التاء زيادة مشتركة، وخالفاه في الوزن لأن تفعلا مفقود في الأفعال ولو بني من بيع مثال: تفعل لقيل
على مذهب سيبويه:
تبيع، وعلى مذهب الأخفش: تبوع (1) فلو كان الاسم موافقا للفعل في زيادته ووزنه معا وجب أن يصحح ليمتاز من الفعل، فإن اسودّ - مثال - لو أعل فقيل فيه:
أساد، ظنّ أنه فعل، وذلك مأمون في نحو: مقام وتبيع فإنهما قد امتازا من الفعل بالزيادة التي لا تكون فيه وهي الميم، وبالوزن الذي لا يكون فيه وهو تفعل، فلا حاجة إلى الإخلال بالإعلال، فإن في استعماله إجراء النظائر على طريقة واحدة، فلا يعدل عنه إلا لمانع من خوف لبس أو غيره، فلو كان الاسم منقولا من فعل نحو: يزيد لم يغير عما كان عليه من الإعلال إذا كان فعلا. انتهى. وقد تضمن هذا الكلام شرح كلامه في التسهيل غير كلمة واحدة وهي الشائع في قوله: في وزنه الشائع يعني أن الوزن المشترط موافقة الاسم المضارع فيه شرطه أن يكون وزنا شائعا للمضارع، فإن كان ذلك الوزن غير شائع، فلا أثر لموافقة الاسم له فيه، وقد شرح الشيخ ذلك بأن قال: وقوله: في وزنه الشائع احتراز من أن يوافقه لكن لا في الوزن الشائع وذلك نحو: مغيل من أغيل، فقياس مضارع أفعل مما عينه ياء أو واو أن يعلّ، فلا يعل مغيل؛ لأنه لم يوافق وزن المضارع الشائع (2). هذا كلامه، وهو غير واضح؛ لأن معناه أن مغيلا إنما لم يعل؛ لأنه لم يوافق المضارع في وزنه الشائع وعنى بالوزن الشائع: ما يستحقه ذلك المضارع بالقياس وإن لم يعط ما يستحقه، فالذي يستحقه المضارع من الإعلال مثلا هو الوزن الشائع، والذي أعطيه من غير استحقاق من التصحيح هو غير الشائع، وهذا الذي ذكره عجيب بعيد عن أن يكون مراد المصنف، على أن فعيلا إنما صح لصحة الفعل الجاري هو عليه والمصنف قد شرط في إعلال الاسم أن يكون غير جار على فعل مصحح، فمغيل إنما صحّ لصحة: أغيل، وكذا يغيل إنما صح لصحة ماضيه، وإذا كان المضارع تابعا الماضي في الصحة فلا يقال: إن إعلاله هو الشائع؛ بل الشائع صحته، والذي يظهر لي أن -
(1) التذييل (6/ 177 أ، ب) والجاربردي (1/ 291) والكتاب (2/ 364) وابن يعيش (10/ 81).
(2)
التذييل (6/ 177 أ).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المصنف احترز بقوله: الشائع من أن يدعي مدع في تبيع وتقيل وهما مثال: تحلئ من البيع والقول أنهما يصححان ولا يعلان؛ لأنهما يوافقان المضارع في الزيادة ولا يخالفانه في الوزن. وذلك أنهما يوافقان في الوزن: تحسب على لغة من يكسر حرف المضارعة فيقال: قد وافق الاسم المضارع في الزيادة والوزن والقاعدة أنه إذا
وافق فيهما لا يعلّ، بل لا بد من المخالفة في أحدهما، فأخرج المصنف الموافقة لنحو:
تحسب بكسر التاء بقوله: الشائع؛ لأن تفعل، وإن جاء المضارع عليه ليس وزنا شائعا له؛ لأن حرف المضارعة إنما يكسره بعض العرب بالشرط المقرر المعروف في موضعه (1)، ولكن يعكر على هذا الذي قررته شيء، وهو أن المصنف يعتذر من تصحيح نحو: مخيط، بأنه لما أشبه مخياطا لفظا ومعنى حمل عليه، ومقتضى هذا أن مخيطا عنده يستحق الإعلال، ولا شك أنه مخالف للفعل في الزيادة، وأما في الوزن فقال الإمام بدر الدين ولد المصنف: إنه يوافق تعلم في الوزن (2). فكان يستحق الإعلال لوجود المخالفة والموافقة، وهو إنما يوافق في الوزن غير الشائع، ومع هذا اعتبر، ولو غير المصنف اعتذر عن تصحيح مخيط بهذا الاعتذار لسهل الأمر؛ فإن غير المصنف وابنه لا يقول: إن مخيطا يستحق الإعلال بل يقول مخيط لا يستحق الإعلال كما لا يستحقه مخياط، وبعد فعلى الناظر أن يحقق ما قصد المصنف الاحتراز عنه بقوله: الشائع، وأما قوله: غير جار على فعل مصحح فهو احتراز من نحو: مقاول ومبايع، فإن حرف العلة لا يعل في هذا الاسم؛ لجريانه على: قاول وبايع (3)، وأما قوله: أو يوافقه في زيادته وعدد حروفه وحركاته دون وزنه فظاهر وهو قسيم لقوله: يوافق المضارع في وزنه الشائع دون زيادته، والمراد به الحركات نوع الحركات لا جنسها كما عرفت من بناء مثل: تحلئ من البيع والقول؛ فإنك لا بد أن تقابل كسرة التاء واللام من تحلئ بكسرتين من المثال الذي يبنيه، لكن قال الشيخ: إنهم يعنون بالموافقة في الحركات جنس الحركات لا خصوصية الحركة من ضمة أو فتحة أو كسرة، وفيه نظر. -
(1) انظر: الكتاب (2/ 256) وأوضح المسالك (4/ 403) والتصريح (2/ 394) والصبان (4/ 322).
(2)
شرح ابن الناظم (ص 860).
(3)
انظر: التذييل (6/ 177 ب) والمساعد (4/ 171).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبعد تقرير كلام المصنف في هذه المسألة فلنورد كلام غيره فيها، قال الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب رحمه الله تعالى (1): وشرط إعلال العين في الاسم غير الثلاثي والجاري على الفعل مما لم تذكر حركة الفعل موافقا وسكونا مع مخالفة بزيادة أبنية مخصوصين به فلذلك لو بنيت من البيع مثل مضرب وتحلئ قلت: مبيع وتبيع معتلّا، ومثل تضرب قلت تبيع مصححا. انتهى.
واحترز بغير الثلاثي من نحو ناب وباب، فإنه يعل قطعا، وإن لم يكن مشتملا على الشرط المذكور، وكذا احترز
بغير الجاري على الفعل من الجاري على الفعل فإنه يعل لجريانه على الفعل المعتل، وإن لم يكن مشتملا على الشرط المذكور أيضا.
وبقية كلامه واضح موافق لما قاله غيره.
وإنما احتاج ابن الحاجب إلى استثناء ناب وباب؛ لأنه لم يعتمد ما اعتمده المصنف من إفراد الكلام على هذه المسألة المتضمنة لنقل حركة العين المعتلة إلى ما قبلها من ساكن صحيح بل جعل القياس واحدا وهو أنه جعل الحكم الذي هو إبدال العين ألفا نحو: باع وقام - منسحبا على إبدالها في نحو: أباع وأقام، وجعل القاعدة في البابين واحدة وهي أن يكون ما قبل حرف العلة مفتوحا أو في حكمه أو محمولا على ما هو كذلك كما تقدم.
وأما المصنف فقد عرفت كيف فعل، وما قصده من التمييز بين البابين، وقال ابن عصفور (2): وإن كان الاسم على أزيد من ثلاثة أحرف؛ فلا يخلو: إما أن يكون موافقا للفعل في وزنه، أو لا يكون؛ فإن كان موافقا للفعل في وزنه وأعني بذلك أن يكون عدد حروفه موافقا لعدد حروف الفعل، وحركاته كحركاته، وسكناته كسكناته؛ فلا يخلو من أن يكون موافقا للفعل في وزنه جنس الزيادة، أو تكون زيادته مخالفة لزيادة الفعل فإن كان موافقا للفعل في جنس الزيادة لم يعل؛ لئلا يلتبس الاسم بالفعل، وذلك نحو قولك: هذا أطول منك، ألا ترى أنك لو أعللت فقلت: أطال بلفظ الفعل، وكذا لو بنيت مثل تفعل أو تفعل من القول والبيع -
(1) انظر الإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب (2/ 441) تحقيق/ موسى بناي العليلي.
(2)
الممتع في التصريف لابن عصفور (2/ 484) تحقيق/ فخر الدين قباوة (منشورات دار الآفاق بيروت).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لقلت: تقول وتبيع، وتقول وتبيع، وكذلك أيضا لو ألحقت التاء لم يعتد بها وصححت الاسم، فكنت تقول: يقولة ويبيعة، وتقولة وتبيعة وكذلك حكم ما هو على وزن الفعل وزيادته كزيادته. قال الشاعر:
4323 -
جاؤوا بتدورة يضيء وجوهنا
…
دسم السّليط على فتيل ذبال (1)
فأما يزيد اسم رجل فإنما اعتل من قبل أنه كان فعلا فأعلّ لزوما، ثم نقل من الفعل فسمي به وإن كان مخالفا في جنس الزيادة، [6/ 189] فإنه يعل إعلال الفعل الذي يكون على وفقه في الحركات وعدد الحروف؛ لأنه قد أمن التباسه بالفعل، فتقول في مفعل من القول والقيام: مقال ومقام والأصل: مقول ومقوم، فأعللتهما كما أعللت: يخاف وكذلك: مفعلة من البيع تقول فيها: مبيعة، فتنقل الكسرة من حرف العلة إلى الساكن قبله، كما فعلت ذلك في
نظيره من الفعل وهو يبيع، وكذلك تقول في مفعلة من البيع على مذهب سيبويه (2)؛ لأنك إذا نقلت الضمة من الياء إلى الساكن قبلها صارت الياء الساكنة بعد ضمة قريبة من الطرف، فعلى مذهب سيبويه تقلب الضمة كسرة، لتصح الياء وعلى مذهب الأخفش تقلب الياء واوا؛ لأنه مفرد ولا تقلب الضمة عنده كسرة لتصح الياء إلا في الجمع، فتقول على مذهبه: مبوعة (3)، وتقول في مفعلة من القول: مقولة فتعلها كما تعل: يقول، وكذا تفعل بما خالفت زيادته زيادة الفعل إلا مفعلا فإنك لا تعلّه وذلك نحو: مقول ومتيح؛ وذلك لأنه مقصور من مفعال، فلم يعل كما لم يعل مفعال نحو: مقوال، كما لم يعل عور؛ لأنه في معنى اعورّ، ومما يبين أن مفعلا يمكن أن يكون مقصورا من مفعال كونهما في معنى واحد من المبالغة، تقول: رجل مطعن ومطعان إذا وصفته بكثرة الطعن، وكونهما قد يتعاقبان على معنى واحد، نحو: مفتح ومفتاح، وقد شذت ألفاظ فجاءت صحيحة وبابها أن تعتل وهي: مزيد ومريم ومكوزة -
(1) من الكامل قائله تميم بن مقبل والتدورة: مكان مستدير تحيط به جبال. يصف الشاعر أنه بان مع صاحبه في هذا المكان يستضيئان بالسليط المصبوب على الذبال، والسليط: الزيت، والذبال: جمع ذبالة، وهي الفتيلة التي تسرج، والشاهد: في قوله: تدورة؛ حيث صحت واوها لما كانت اسما فرق بينها وبين الفعل. راجع الكتاب (2/ 365) والمنصف (1/ 324)، (3/ 54) والممتع (2/ 486) وديوانه (ص 257).
(2)
الكتاب (2/ 364) بولاق.
(3)
انظر: ابن يعيش (10/ 81) والجاربردي (1/ 291) والمنصف (1/ 299).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومقورة، حكى أبو زيد: وقع الصيد في مصيدتنا، وشراب مبولة: يبال به، وهي مطيبة للنفس، وقرأ بعض القراء (1):(لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون)(2) وذهب أبو العباس (3) إلى أن نحو: مقام ومباع إنما اعتل؛ لأنه مصدر لفعل أو اسم مكان، لا لأنه على وزن الفعل، وجعل مزيد ومريم ومكوزة على القياس؛ لأنها ليس لها أفعال فتحمل في الإعلال عليها إنما هي أسماء أعلام. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنه إن زعم أن الذي يعل ما هو جار على الفعل، أعني مشتقّا منه، بقياس مطرد فباطل؛ لأنهم قد أعلوا مثل معيشة وليس مفعلة مما عينه ياء مما يقال فيه باطراد، وإن زعم أن الذي يعلّ ما هو بالجملة مأخوذ من الفعل، فهذه الأسماء وإن كانت أعلاما فإنها منقولة في الأصل مما أخذ من الفعل؛ فمزيد في الأصل مصدر قد شذّ في تصحيحه وحينئذ سمي به، وكذلك مريم ومكوزة وهذا هو المذهب الصحيح في الأعلام، أعني أنها كلها منقولة سواء أعلم لها أصل نقلت منه أم لم يعلم؛ لأن الأعلام
كلها يحفظ لها في النكرات أصول نقلت منها، وما لا يحفظ له أصل منها يحمل على الأكثر فيقضى بأن له أصلا، وإن لم يحفظ. قال أبو علي:
ومما يبين أن الإعلال قد يكون في الاسم بمجرد كونه على وزن الفعل إعلالهم نحو:
باب ودار ولا مناسبة بينه وبين الفعل أكثر من الوزن، فإذا تبين أن الوزن يوجب الإعلال وجب أن يحمل مزيد وأخواته على الشذوذ لكونها لم تعل وهي على وزن الفعل (4). انتهى كلام ابن عصفور. وكلامه مطابق في المعنى لكلام المصنف وكذا كلام ابن الحاجب - أيضا - ثم في كلامهم أمر ينبغي التنبيه عليه، وهو أن ابن عصفور استثنى مفعلا كما عرفت حيث قال: وكذلك يفعل بما خالفت زيادته زيادة الفعل إلا مفعلا، فإنك لا تعله، وذلك نحو: مقول؛ وذلك لأنه مقصور من مفعال؛ فلم يعل كما لم يعل مفعال كمقوال.
وقال ابن الحاجب: وصحّ مقوال ومخياط للّبس، ومقول ومخيط محذوفان منهما أو بمعناهما (5). وقال المصنف في شرح الكافية: مفعال مستحق للتصحيح -
(1) هذه قراءة قتادة وابن بريدة وأبي السمال. انظر المحتسب (1/ 103) وشواذ ابن خالويه (ص 8) والتبيان (1/ 101).
(2)
سورة البقرة: 103.
(3)
انظر: المقتضب (1/ 107).
(4)
الممتع (2/ 484 - 488) بتصرف.
(5)
الرضي (3/ 123).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كمسواك؛ لأنّه غير موازن للفعل لأجل الألف التي قبل لامه، ومفعل شبيه به لفظا ومعنى فصحّح حملا عليه (1). قلت: ولا شك أن مفعلا، وإن كان مخالفا للفعل في الزيادة؛ لم يوافقه في الوزن فإن أوّله مكسور، فهو مخالف للفعل في الأمرين، أعني الزيادة والوزن، وإذا كان مخالفا له فيهما استحق التصحيح، وإذا كان مستحقّا للتصحيح لم يحتج إلى أن يعتذر عن تصحيحه بأنه إنما صحّ؛ لأنه مقصور من مفعال؛ لأن مفعالا كما يستحق التصحيح لمخالفته الفعل في الزيادة والوزن يستحقه مفعل أيضا لذلك، لكن قال الإمام بدر الدين في شرح قول والده - رحمهما الله تعالى - في الألفية:
ومفعل صحّح كالمفعال
المفعال كمسواك ومخياط، ولا حظّ له في الإعلال لمخالفته الفعل في الوزن والزيادة، وحق مفعل أن يعل؛ لأنه على وزن: تعلم - يعني في لغة من يكسر حرف المضارعة - وزيادته خاصة بالأسماء، لكنه حمل على: مفعال لشبهه به لفظا ومعنى في التصحيح (2). انتهى. فبقول الإمام بدر الدين: لأنه على وزن تعلم، سهل الأمر، وافهم أن مخيطا لا يوافق الفعل في الوزن على الإطلاق، إنما يوافق وزنه في مكان خاص بقيد خاص، وأنه لو لم يتفق وجود هذه اللغة أعني لغة كسر أوله نحو: تعلم لم يكن نحو: مفعل مستحقّا للإعلال. وقد نوقش بدر الدين بأنه لو صحّ ما قاله للزم ألا يعل مثال: تحلئ؛ لأنه لا يكون مشبها لتحسب في وزنه وزيادته (3)، فإن صحت هذه المناقشة وثبت هذا الإلزام (اندفع)(4) التعليل الذي علل به، وهو قوله: وحق مفعل أن يعلّ؛ لأنه على وزن تعلم، وإذا اندفع التعليل الذي علل به تم البحث الذي تقدّم، وهو أن نحو: مخيط يستحق التصحيح لمخالفته -
(1) شرح الكافية (4/ 2141) بتصرف.
(2)
شرحه على الألفية (ص 860).
(3)
قال الأشموني (4/ 322): «وقال الناظم وابنه حق نحو: مخيط أن يعل لأن زيادته خاصة بالأسماء وهو مشبه لتعلم أي بكسر حرف المضارعة في لغة قوم، لكنه حمل على مخياط لشبهه به لفظا ومعنى. وقد يقال: لو صح ما قالا للزم أن لا يعل مثال: تحلئ؛ لأنه يكون مشبها لتحسب في وزنه وزيادته، ثم لو سلم أن الإعلال كان لازما لما ذكرا لم يلزم الجمع، بل من يكسر حرف المضارعة فقط» وانظر التصريح (2/ 394) والصبان (4/ 322).
(4)
كذا في (ب)، وفي (جـ)«فاندفع» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفعل في الزيادة والوزن، ولا يحتاج إلى الاعتذار [6/ 190] عن تصحيحه؛ لأنه لم يكن مستحقّا للإعلال، وعلى هذا يتم ما قررناه قبل: أن الشائع في قول المصنف:
أو عين اسم يوافق المضارع في وزنه الشائع، إنما يحترز به من الموافقة في الوزن غير الشائع كموافقة تحلئ لتحسب في لغة من يكسر حرف المضارعة، فإنه يعلّ مع أنه وافق الفعل في الزيادة والوزن، لكنه إنما وافق في الوزن غير الشائع، والموافقة إنما تعتبر إذا كانت في الوزن الشائع، فإذا لم يوافق في الشائع عدّ مخالفا، مع أنه موافق في الزيادة، فيكون تحلئ قد وافق في الزيادة وخالف في الوزن فاجتمع فيه الأمران، وحينئذ يستحق الإعلال كما هو مقرر في علم التصريف، هذا آخر الكلام على القسم الأول من الأسماء التي تعلّ هذا الإعلال. وأما
الثاني، وهو الاسم الذي هو مصدر فإليه أشار بقوله - عطفا على ما تقدم -: أو عين مصدر على إفعال أو استفعال مما أعلّت عينه. قال المصنف في إيجاز التعريف بعد أن ذكر إعلال مفعول مما أعلت عينه: يجب الإعلال المذكور أيضا لما اعتلت عينه من مصدر على إفعال أو استفعال؛ حملا على فعله فتسكن العين حين تنقل حركتها، وتنقلب ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها فتلتقي مع الألف الزائدة قبل اللام فتعاملان معاملة الواوين من مفعول الذي عينه واو ولامه صحيحة، ويعوض من المحذوف هاء التأنيث كإقامة واستقامة، وهما في الأصل: إقوام واستقوام، ثم فعل بهما من النقل والقلب والحذف والتعويض ما ذكر. وإنما ترك التعويض في مفعول؛ لأنه صفة معرضة لأن يقصد بها مذكر ومؤنث، فلو لحقته الهاء تعويضا أوهمت قصد التأنيث عند إرادة التذكير، وذلك منتف من المصدرين المذكورين لانتفاء الوصف بهما، انتهى. واعلم أن المصدر يتبع في الصحة والإعلال فعله، ولا شك أن: إقامة واستقامة يتبعان في الإعلال أقام واستقام، فقد يقال: الاستغناء بذكر إعلال فعليهما عن ذكر إعلالهما حاصل فلأي معنى نص عليهما؟ والجواب: أن الفعل إنما يعل بالنقل والقلب خاصة، وأما المصدر فيعل بذلك، وتحذف الألف أيضا، فلما كان في إعلاله زيادة على إعلال فعله تعين ذكره ليعلم ذلك، وقد أخر المصنف الكلام على حذف الألف من هذين المصدرين والتعويض عنها، فذكره بعد ذكر اسم المفعول، واحترز بقوله: مما اعتلت عينه مما صحت عينه نحو: أغيال واستحواذ، -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو ظاهر، وأما قول المصنف: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها إلى قوله: إن لم تجانسها فهو جواب الشرط المذكور أول الفصل، وهو قوله: إن كانت الياء أو الواو عين فعل وقد تقدم الكلام على ذلك كله، فلا حاجة إلى إعادته. وأما الثالث وهو الاسم الذي على صيغة مفعول فإليه الإشارة بقوله: وتحذف واو مفعول ما اعتلت عينه
…
إلى آخر كلامه، وحاصله: أن اسم المفعول من الفعل الذي اعتلت عينه يعلّ، وإعلاله بالنقل أي بنقل حركة عينه إلى فائه الساكنة، وتحذف الواو منه، كما أن إعلال: إفعال واستفعال بالنقل والحذف أيضا. فأشار إلى الحذف بقوله:
وتحذف واو مفعول ما اعتلت عينه وأشار إلى النقل بقوله: ويفعل بعينه ما ذكر يعني من النقل الذي تضمنه قوله: نقلت حركتها إلى الساكن قبلها، ثم العين إما أن تكون واوا، فلا يكون ثمّ عمل آخر، كقولك: مقول ومصون ومعود. وعلم هذا من قوله: وإن كانت ياء؛ لأنه قسيم لما قبله، فإن كانت ياء كسرت الضمة المنقولة من العين إلى الفاء لتسلم الياء من إبدالها واوا، وهذا معنى قوله: وقيت الإبدال بجعل الضمة المنقولة كسرة أي: وقيت إبدالها واوا بجعل الضمة التي قبلها كسرة كمبيع، قال المصنف في إيجاز التعريف: يجب الإعلال المذكور أيضا لما اعتلت عينه
من مفعول حملا على فعله فتسكن عينه، وبعده الواو ساكنة فتحذف هي في قول سيبويه؛ لزيادتها، وقربها من الطرف، وتحقق الاستثقال معها، ومذهب الأخفش (1) عكس ذلك؛ فإن كان مفعول من ذوات الواو فلا مزيد على ما ذكرته من النقل والحذف، وإن كان من ذوات الياء ضم إلى ذلك إبدال الضمة كسرة لتسلم الياء كمبيع. انتهى. ولما ذكر ابن الحاجب النقل والحذف في صيغة مفعول ومثل بمقول ومبيع، قال: والمحذوف عند سيبويه واو مفعول، وعند الأخفش العين وانقلبت واو مفعول عنده ياء للكسرة مخالفا أصليهما (2). وقال في شرح ذلك: إنه لما حصل نقل حركة العين إلى ما قبلها اجتمع ساكنان: العين وواو مفعول فسيبويه -
(1) انظر المسألة في: الكتاب (2/ 363) والمنصف (1/ 287، 288) والأشموني (4/ 324) والتصريح (2/ 395) والممتع (2/ 454) والمقتضب (1/ 238) والتكملة (ص 255) والخصائص (2/ 66) وابن يعيش (10/ 78) والهمع (2/ 224).
(2)
الرضي (3/ 143، 144).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يحذف واو مفعول فيبقى: مقول على لفظه، وتقلب الضمة في مبيع كسرة لتصح العين التي هي ياء على أصله وعند الأخفش المحذوف منها العين، ويبقى: مقول على حاله وتكسر الفاء من ذوات الياء فتنقلب واو مفعول ياء للكسرة قبلها قصدا إلى الفرق بين ذوات الياء وذوات الواو وعلى هذا فإن خالفا - يعني سيبويه والأخفش - أصليهما، أما مخالفة سيبويه؛ فلأنه إذا اجتمع ساكنان، والأول منهما حرف لين حذف الأول، وخالف أصله هنا فحذف الثاني (1)، وأما مخالفة الأخفش أصله، فلأن الفاء إذا وقعت مضمومة وبعدها ياء أصلية باقية قبلها واو لانضمام ما قبلها، محافظة على الضمة. وقد تقلب الضمة - ها هنا - كسرة مراعاة للعين التي هي ياء مع حذفها، ومراعاتها موجودة أجدر وكأن كل واحد منهما حافظ على أصله من وجه آخر فراعى سيبويه أصله في أن الياء التي هي عين إذا انضم ما قبلها قلبت الضمة كسرة، فلما رأى الفاء في مبيع كسرت غلب على ظنه أن الكسرة لأجل الياء، فرأى أن المحذوف واو مفعول وراعى الأخفش أصله في أن الياء الأصلية لو بقيت لانقلبت واوا لانضمام ما قبلها على أصله، فرأى أن الكسر للفرق بين ذوات الواو وذوات الياء، ورأى أن حذف الياء الأصلية أولى؛ لأنه قياس لالتقاء الساكنين (2). انتهى. قال الإمام بدر الدين - فيما كتبه على تصريف ابن الحاجب -: اختلف في المحذوف من نحو: مقول ومبيع ما هو؟ فذهب سيبويه إلى أن المحذوف واو مفعول والباقي عين الكلمة. وذهب الأخفش إلى أن المحذوف هو العين، والباقي واو مفعول، ولكن قلبت في نحو: مبيع ياء؛ لأنهم لما نقلوا حركة العين [6/ 191]
جاءت ساكنة بعد ضمة، فقلبت الضمة كسرة، ثم حذفت؛ لالتقاء الساكنين، فجاءت واو مفعول بعد كسرة فقلبت ياء، والصحيح من ذلك ما ذهب إليه سيبويه، والدليل عليه من وجوه: أحدها: أن دعوى حذف الزائد أسهل من دعوى حذف الأصل؛ لأنه أكثر، فالمصير إليه أقرب. الثاني: أن واو مفعول أقرب إلى الطرف فهي أولى بالحذف من العين؛ لأن الطرف محل التغيير غالبا، -
(1) انظر: الجاربردي (1/ 296) والرضي (3/ 147).
(2)
انظر: الجاربردي (1/ 296) والرضي (3/ 147، 148).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالأقرب إليه أشبه به. الثالث: أن الساكن (اللذين)(1) من نوع ما يصح تحريكه إذا اجتمعا في كلمة تحرك الثاني منهما دون الأول، فكذلك الساكنان إذا اجتمعا في كلمة ينبغي أن يحذف الثاني منهما دون الأول قياسا على التحريك. الرابع: أنهم قالوا من الشوب، وهو الخلط: مشوب ومشيب، ومن النول وهو الإعطاء منول ومنيل (2): فالمحذوف من مشيب ومنيل إن كان العين لزم عدم النظير في قلب الضمة كسرة، وقلب واو مفعول ياء؛ إذ لم يثبت مثل ذلك في واو مفعول إلا في باب نحو: مرمي ومعدي، وإن كان المحذوف واو مفعول لم يلزم عدم النظير في قلب الضمة كسرة وقلب العين ياء لثبوت مثله للإتباع في قوله:
4324 -
عيناء حوراء من العين الحير (3)
وما لا يلزم منه عدم النظير راجح على ما يلزم منه ذلك فإن قيل: حذف الزائد أسهل من حذف الأصل - وحذف الأقرب من الطرف أولى من حذف الأبعد منه، إن أردتم به أن حذف الزائد والأقرب إلى الطرف أولى من حذف الأصل، والأبعد من الطرف مطلقا فممنوع، وإن أردتم أنه أولى بشرط كون الزائد، والأقرب إلى الطرف غير مزيد لمعنى فمسلم، ولكن لماذا يلزم منه أن يكون المحذوف من مقول ومبيع واو مفعول فإنها زائدة لمعنى، فالمحافظة عليها وإن كانت أقرب إلى الطرف أولى من المحافظة على الأصل والأبعد من الطرف بدليل قولهم: تقي يتقي في اتّقى يتّقي، قال عبد الله بن همّام:
4325 -
زيادتنا نعمان لا تنسينّها
…
تق الله فينا والكتاب الّذي تتلو (4)
-
(1) في النسختين (الذين).
(2)
انظر: الرضي (3/ 148) والكتاب (2/ 363)(بولاق).
(3)
رجز لمنظور بن مرثد والشاهد فيه: قوله: الحير والأصل الحور؛ لأنه جمع حوراء - كحمر وحمراء وشقر وشقراء - كسرت حاؤه وقلبت واوه ياء، والأجود أن يكون حير لغة في حور. انظر: نوادر أبي زيد (236) والمخصص (1/ 199، 4/ 124) وأمالي ابن الشجري (1/ 209) وابن يعيش (4/ 114، 10/ 79) والمنصف (1/ 288).
(4)
من الطويل، وزيادتنا: منصوب بفعل محذوف يفسّره الفعل المؤكد بالنون والشاهد في البيت:
قوله: تق وهو فعل أمر من يتقي بفتح التاء المخففة وماضيه تقي وأصلهما: اتقى يتقي بالتشديد على افتعل يفتعل من الوقاية، والأصل: اوتقى يوتقي فقلبت الواو في الأولى ياء لانكسار ما قبلها ثم أبدلت تاء -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فحذفوا فاء العمل وأبقوا الزائد بعدها لدلالته على معنى وقولكم: إنه ينبغي أن تحذف ثاني الساكنين في كلمة إذا كانا من نوع ما يصح حذفه، قياسا على تحريك ثاني (الساكنين في كلمة) إذا كانا من نوع ما يصح تحريكه (فإذا ليس القياس على تحريك ثاني الساكنين في كلمة إذا كانا من نوع ما يصح تحريكه) بأولى من القياس على حذف أوّل الساكنين في كلمتين إذا كانا من نوع ما يصحّ حذفه. كقولهم ياهذوجل دون يا هذا جل (1)، بل هو أولى؛ لأن قياس الحذف على الحذف أولى من قياس الحذف على التحريك. وقولكم: إن كان المحذوف في نحو: مشيب ومنيل واو مفعول لم يلزم عدم النظير في قلب الضمة كسرة، وقلب العين ياء ممنوع؛ لأنه لم يجئ مثل ذلك إلا للإتباع كما ذكرتم، ولا إتباع في مشيب ومنيل ثم ما ذكرتم من الأدلة إن دلت على ما زعمتم فمعه ما يأباه من وجوه: أحدها: أن كون المعل بالحذف في نحو: مقول ومبيع العين أولى من كونه الزائد قياسا على إعلال العين في الماضي بقلبها ألفا، وفي المضارع بنقل حركتها، وفي الأمر بحذفها، وفي اسم الفاعل بقلبها همزة وبحذفها أيضا في نحو: هذا شاكي السلاح.
والثاني: أن المحذوف لالتقاء الساكنين في كلمة من نحو: خف وبع، وقل، هو الأول، فكذلك ينبغي أن يكون في نحو: مقول ومبيع. الثالث: أن المحذوف من نحو: مبيع ولو كان واو مفعول لالتبس اسم الفاعل بالمصدر الذي على مفعل نحو:
مقيل ومحيص. فالجواب: أما قوله: إن المحافظة على الزائد لمعنى وإن كان أقرب إلى الطرف أولى من المحافظة
على الأصل، فلا يخلو: إما أن يريد المحافظة على ذلك أولى مطلقا، أو بشرط كون الزائد مستقلّا بالدلالة على معنى؛ لأن حذفه مفوّت للدلالة، والأول ممنوع والثاني مسلّم، ولكن لماذا يلزم عليه أن يكون المحذوف من نحو: مقول هو العين؟ فإن واو مفعول غير مستقلة بالدلالة على معنى؛ لأنها والميم -
- وأدغمت وأبدلت في الثانية تاء وأدغمت ولم تحذف لعدم انكسار ما بعدها فلما كثر الاستعمال كذا حذفوا التاء الساكنة منها وهي فاء الفعل فصارا: تقي يتقي بتخفيف التاء المفتوحة وحذفت الهمزة من الماضي لعدم الحاجة إليها فصار: تقي بزنة تعل محذوف الفاء، فأخذ الأمر وهو تق من يتق بدون همزة وصل؛ لأن ما بعدها حرف مضارعة محرك. راجع نوادر أبي زيد (ص 4، 27) والخصائص (2/ 286، 3/ 89) والمحتسب (2/ 372) وشرح شواهد الشافية للبغدادي (ص 496).
(1)
انظر: ابن جماعة (1/ 295).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مشتركان فيه، بل الميم أقعد بالدلالة عليه من الواو لاستبداد الميم به في الرباعي والمزيد فيه، وإذا كان كذلك لم يكن حذف الواو مفوّتا للدلالة؛ لأن في الميم إشعارا به، وليس كذلك تاء افتعل؛ لأنها مستقلة بالمعنى فحذفها مفوت للدلالة عليه، فلذلك حوفظ عليها في: تقي يتقي، وإن لم يحافظ على واو مفعول في:
مقول ونحوه. وأما قوله: إن قياس الحذف على الحذف فيما ذكر أولى من قياس الحذف على التحريك فممنوع، بل ينبغي أن يكون الأمر بالعكس لاستلزام قياس الحذف على الحذف خلاف مقتضى الأصل من ثلاثة أوجه: أحدها: قياس الأبعد من الطرف على المتطرف. والثاني: حمل الالتقاء اللازم على الالتقاء العارض.
والثالث: إجراء المتصل مجرى المنفصل. وقياس الحذف على التحريك فيما ذكرنا سالم من ذلك كله فوجب المصير إليه. وأما قوله: إن ما ذكرنا في نحو: مشيب ومنيل لازم لعدم النظير؛ لأنه لم يجئ مثله إلا للإتباع في نحو: العين الحير (1)، فإن أراد بذلك لازم لعدم النظير من كل الوجوه، فمسلم ولكن أي شيء يلزم، وإن أراد لازم لعدم النظير مطلقا فممنوع؛ لأن ما ذكرنا من نحو: مشيب ومنيل شبيه بما فعلوه في: الحير من جهة أن نحو: مشيب قلبت فيه الضمة كسرة والعين ياء، بمعنى مناسب وهو الإتباع للعين. وأما قوله: إن ما ذكرنا من الأدلة وإن دلت على أن المحذوف من نحو: مقول ومبيع فمعه ما يأباه من وجوه: فالجواب عن الأول منها:
أن مقتضى قياس اسم المفعول على الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل في الإعلال أن لا تسلم عينه من الإعلال، وقد عمل به فأعلت عينه بالنقل كما أعلّ المضارع ولم تعل عينه بأمر آخر كما أعلت في الأمر واسم
الفاعل؛ لانتفاء المقتضي له. وعن الثاني: أن قضية الدليل أنه متى احتيج إلى الحذف لالتقاء الساكنين أن يحذف الثاني منهما، لكن منع منه في باب: خف وبع أن الثاني حرف صحيح، والأول حرف معتل ولا يمكن حذف الصحيح وإبقاء المعتل؛ لأنه كالحركة، فالإقدام على حذفه أسهل، فتعين العكس وليس كذلك باب: مقول ومبيع. والجواب عن الثالث من وجهين: الأول: أن الالتباس قدر مشترك بين المذهبين فلا حجة فيه؛ [6/ 192] وهذا لأنه لا فرق في كون مبيع الذي هو اسم مفعول مفعلا، أو مقيلا؛ لأنه شبيه -
(1) انظر: ابن جماعة (1/ 296) وابن يعيش (10/ 79).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في اللفظ بمبيع الذي هو مصدر. الثاني: أن التباس اسم المفعول بالمصدر مغتفر فيما زاد على الثلاثة؛ تقول: أخوك المكرم، ومالك المستخرج، وعدلك المدحرج، وأكرمت زيدا مكرما، واستخرجت المال مستخرجا، ودحرجت العدل مدحرجا، فكما اغتفر الالتباس في مثل هذا؛ للاعتماد على القرائن، فليغتفر مثله في المعتل من الثلاثي. انتهى كلام الإمام بدر الدين، ولا يخفى ما تضمنه من المباحث الحسنة اللطيفة. وفي الممتع لابن عصفور (1) ما يتضمن الإشارة إلى بعضها؛ وإنما تركت إيراده خوف الإطالة. ثم قال الإمام بدر الدين: واعلم أن قول ابن الحاجب: مخالفا أصليهما في معرض استشكال كل من المذهبين ليس عندي بمرضي؛ لأنه يعني أن الأصل عند سيبويه في الساكنين إذا اجتمعا وأوّلهما حرف لين أن يحذف الأول منهما، وهو هنا قد حذف الثاني فخالف أصله، ولقائل أن يقول: يمنع الأصل سيبويه في الساكنين إذا اجتمعا وأوّلهما حرف لين، أن يحذف الأوّل منهما مطلقا، بل بشرط أن يكون الثاني صحيحا كما في خف وبع، أو من كلمة منفصلة كما في [يا هذوجل](2)، أو حذفه مفوت للدلالة على معناه كما في: المصطفون، فإن لم يكن الثاني شيئا من ذلك؛ فأصل سيبويه أن يحذفه بدليل قوله به في باب:
مقول ومبيع مع أنه لم يقل بخلافه في نظير هذا الباب كالإقامة والاستقامة (3)، وأما أن أصل الأخفش: أن الفاء إذا كانت مضمومة وبعدها ياء ساكنة، أن تقلبها واوا محافظة على بقاء الضمة فلا إشكال فيه، ولكن لا يستقيم معه أن يقال: إن الأخفش خالف أصله في نحو: مبيع لوجهين: أحدهما: أنه ليس له أن يسمع أن العرب قالوا: مبيع ومهيب ومعيب، فيخالفهم ويقول: مبوع ومهوب ومعوب؛ رعاية لأصله حتى يكون هو قد عدل عن الاستعمال على وفق أصله إلى الاستعمال على خلافه فلا ينبغي أن يقال: خالف الأخفش أصله في نحو: مبيع، بل جاء على خلاف
أصل الأخفش (4). الثاني: قول ابن الحاجب: إن الأخفش خالف أصله ليس إلا في معرض الانتقاد عليه في أنه خالف سيبويه، وقال: المحذوف في نحو: -
(1) انظر: الممتع (2/ 458) وما بعدها.
(2)
ما بين المعقوفين هكذا في المخطوط.
(3)
انظر: الكتاب (2/ 366) والمقتضب (1/ 243) والمنصف (1/ 291 - 292) وابن يعيش (6/ 58، 10/ 70) والممتع (2/ 490) والهمع (2/ 224) والجاربردي (1/ 292).
(4)
انظر: ابن جماعة (1/ 296).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مقول ومبيع هو العين، لا واو مفعول، وقد لزم عليه في ذلك مخالفته لأصله. وهذا كما ترى فاسد؛ لأن مبيع جاء على خلاف أصل الأخفش في ما فاؤه مضمومة وبعدها ياء ساكنة على تقدير مخالفته لسيبويه وعلى تقدير موافقته، فليس تحت ما قاله في ذلك طائل. انتهى. قال أبو الحسن بن عصفور: ومما يدل على صحة مذهب سيبويه والخليل، وفساد مذهب الأخفش أنك نقلت الضمة من العين الضمة من العين إلى الفاء من مفعول من ذوات الياء اجتمع لك ساكنان، واو مفعول والياء فتحذف واو مفعول فتجيء الياء ساكنة بعد ضمة قريبة من الطرف؛ فتقلب الضمة كسرة على مذهب سيبويه في الياء الساكنة بعد الضمة إذا كانت تلي الطرف، فإنه تقلب الضمة كسرة مفردا كان الاسم أو جمعا نحو: بيض جمع أبيض، وكذا لو بنيت من البياض اسما على فعل لقلت: بيض (1)، فالأصل في: مبيع على أصله مبيوع، ثم مبيوع ثم مبيع وأما أبو الحسن الأخفش فلزم على مذهبه أن يقول:
مبوع، وذلك أن الأصل مبيوع، فإذا نقلت الضمة اجتمع له ساكنان فتحذف الياء، فيلزمه أن يقول: مبوع، فإن قال: لا أحذف إلا بعد قلب الضمة كسرة، فالجواب: أن يقال له: لم تقلب الضمة كسرة وأنت تزعم أن الياء إذا جاءت ساكنة بعد ضمة في مفرد فإن الياء هي التي تقلب واوا بشرط القرب من الطرف، فأما مع البعد فلا يجوز قلب الضمة كسرة في مذهب أحد من النحويين، فإن قلت: إنما قلبت الضمة كسرة لتصح الياء لأني لو لم أفعل ذلك وقلت: مبوع لالتبست ذوات الياء بذوات الواو. فالجواب: أن هذا القدر لو كان لازما لوجب أن يقول في موقن: ميقن؛ لئلا يلتبس بذوات الواو، فكما أن العرب لم تفعل وذلك في موقن، فكذلك لا تفعله في: مبيع وأمثاله (2). انتهى. واعلم أن ثمرة الخلاف بين سيبويه وأبي الحسن تظهر في تخفيف مسوء وأمثاله. قال ابن جني: سألني أبو علي عن تخفيف
مسوء، فقلت: أما على قول أبي الحسن فأقول: رأيت مسوّا، كما أقول في مقروء: مقروّ؛ لأنها عنده واو مفعول. وأما على مذهب سيبويه فأقول: رأيت مسوا (3) كما أقول في خب: خب، فتحرك الواو؛ لأنها في مذهبه العين: فقال لي -
(1) انظر: الكتاب (2/ 363، 371) وابن يعيش (10/ 67، 81).
(2)
انظر: الممتع (2/ 459، 460).
(3)
انظر: الممتع (2/ 460) والأشموني (4/ 324).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو علي: كذلك هو: ثم إنّ بني تميم يصححون مفعولا من ذوات الياء، فيقولون:
مبيوع، قال بعضهم:
4326 -
وكأنّها تفّاحة مطيوبة (1)
قال آخر:
4327 -
يوم رذاذ عليه الدّجن مغيوم (2)
قال آخر:
4328 -
قد كان قومك يحسبونك سيّدا
…
وأخال أنّك سيّد معيون (3)
وإلى ذلك أشار المصنف بقوله - بعد ذكر ما عينه ياء -: وتصحيحها لغة تميمية (4)، وأما تصحيح مفعول من ذوات الواو فقليل، ولا يجوز الإتمام فيه إلا ما سمع (5)، نحو -
(1) جزء بيت أنشده أبو عمرو بن العلاء ولم يعزه لأحد وقيل: لرجل من بني تميم والشاهد فيه قوله:
مطيوبة؛ حيث يستشهدون بمثله على إتمام من ذوات الياء، والقياس الإعلال في مطيبة. انظر المقتضب (1/ 101)، (1/ 286)، (3/ 47) وأمالي ابن الشجري (1/ 210) وابن يعيش (10/ 80)، والتصريح (2/ 395) والأشموني (4/ 324)، والممتع (2/ 460) واللسان «طيب» .
(2)
عجز بيت من البسيط لعلقمة الفحل وصدره:
حتّى تذكّر بيضات وهيّجه
والشاهد: في قوله: مغيوم حيث جاء على أصله دون إعلال وقياسه مغيم من الغيم السحاب وجعل المبرد هذا التصحيح جائزا لضرورة الشعر
أما سيبويه فقد قال: إنه لغة لبعض العرب قال في الكتاب (2/ 363):
وبعض العرب يخرجه على الأصل فيقول: مخيوط ومبيوع، وبه قال المازني في المنصف (1/ 286) وأبو الفتح في الخصائص (1/ 260، 261) وانظر الأشموني (4/ 325) والمقتضب (1/ 101) وديوانه (ص 130).
(3)
من الكامل قائله العباس بن مرداس، والشاهد: في قوله: مغيون بالغين المعجمة من قولهم: غين على قلبه إذا غطي وروي بالعين المهملة أي: مصاب بالعين ورواية: مغيون هي الوجد والقياس فيه: مغين وخرج عن الأصل والكلام فيه كالكلام في الشاهد قبله. وانظر: المقتضب (1/ 102) والأغاني لأبي الفرج (4/ 89) والخصائص (1/ 261) ودرة الغواص (ص 36) وأمالي ابن الشجري (1/ 113، 210) وشرح شواهد الشافية للبغدادي (ص 281) والتصريح (2/ 395) والأشموني (4/ 325) ومعاهد التنصيص (1/ 13) والممتع (2/ 460).
(4)
انظر: الكتاب (2/ 363)(بولاق) والممتع (2/ 460) والتصريح (2/ 495) والرضي (3/ 149).
(5)
انظر: الكتاب (2/ 363) والمقتضب (1/ 99، 100) والخصائص (1/ 98، 260، 261) -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولهم: مسك مدووف، وقال الراجز:
4329 -
والمسك في عنبره المدووف (1)
والأشهر: مدوف. وقالوا: رجل مقوود، وفرس مقوود، وثوب مصووف، وقول مقوول، وإنما لم يجز الإتمام في مفعول من ذوات الواو إلا فيما شذ؛ لأن الواو أثقل من الياء، وإلى قلّة ذلك أشار المصنف بقوله: وربما صححت الواو كمصوون ثم قال: ولا يقاس على ما حفظ منه خلافا للمبرد (2). قال ابن عصفور: خالف المبرد كافة النحويين فأجاز الإتمام في ذوات الواو قياسا على ما ورد منه وقال: ليس بأثقل من سرت سوورا وغارت عينه غوورا؛ لأن في: سوور وغوور واوين وضمتين وليس في مصوون مع الواوين إلا ضمة واحدة، قال: وهذا الذي ذهب إليه باطل؛ لأن ما ورد من الإتمام في ذوات الواو من القلّة بحيث لا يقاس عليه، وأما احتجاجه بسوور وغوور فباطل؛ لأن مثل: سوور شاذ، ولو لم يسمع لما قيل، وأيضا، فإن الضرورة دعت إلى ذلك في مثل: صوور؛ لأنهم لو أعلوا فأسكنوا الواو الأولى وبعدها واو ساكنة لوجب حذف إحداها فيصير لفظ فعول واحدا فيقع اللبس، وكذلك أيضا لو أعلوا الواو في مثل: قوول فقلبوها ألفا لالتقى ساكنان، الألف والواو فيجب حذف أحد الساكنين، فيصير فعول وفعل في اللفظ واحدا فيقع اللبس، ولا يلزم شيء من ذلك في إعلال مفعول (3). انتهى. وقال سيبويه:
ولا نعلمهم أتمّوا في الواو؛ لأنها أثقل (4)، وقال الفراء: لم يأت من الواو [6/ 193]-
- والمنصف (1/ 283 - 287) والرضي (3/ 149).
(1)
رجز لم أعرف قائله، والشاهد فيه: قوله: مدووف (أي: مخلوط) وقد جاء اسم المفعول من الواوي بالتصحيح، والأشهر الإعلال. انظر الخصائص (1/ 266) والمنصف (1/ 285) والممتع (2/ 461) واللسان «دوف» .
(2)
لم يجز المبرد تصحيح اسم المفعول من الأجوف الواوي العين الثلاثي إلا في ضرورة الشعر قال في المقتضب (1/ 100) فأما الواو فإن ذلك لا يجوز فيها كراهية للضمة بين الواوين وذلك أنه كان يلزمه أن يقول مقوول فلهذا لم يجز في الواو ما جاز في الياء، هذا قول البصريين أجمعين، ولست أراه ممتنعا عند الضرورة والذي أجاز ذلك هو الكسائي. انظر الرضي (3/ 149 - 150) والتذييل (6/ 180 ب) والمساعد (4/ 176).
(3)
الممتع (1/ 461، 462) بتصرف.
(4)
انظر: الكتاب (2/ 363).