الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على أن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة. ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة. لقد انتصر محمد صلى الله عليه وسلم في حياته.
لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض. فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا بأن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعا- من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة- فيشاء الله أن ينصر صاحب هذه العقيدة في حياته ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة، ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة. ومن ثم اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية. وفق تقدير الله وترتيبه.
وهنالك اعتبار آخر تحسن مراعاته كذلك. إن وعد الله قائم لرسله وللذين آمنوا.
ولا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق هذا الوعد عليها. وحقيقة الإيمان كثيرا ما يتجوز الناس فيها. وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله. وإن هنالك لأشكالا من الشرك خفية؛ لا يخلص منها القلب إلا حين يتجه لله وحده، ويتوكل عليه وحده، ويطمئن إلى قضاء الله فيه وقدره عليه، ويحس أن الله وحده هو الذي يصرفه فلا خيرة له إلا ما اختار الله. ويتلقى هذا بالطمأنينة والثقة والرضى والقبول. وحين يصل إلى هذه الدرجة فلن يقدم بين يدي الله، ولن يقترح عليه صورة معينة من صور النصر أو صور الخير. فسيكل هذا كله لله. ويلتزم. ويتلقى كل ما يصيبه على أنه الخير .. وذلك معنى من معاني النصر .. النصر على الذات والشهوات. وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه بحال من الأحوال.
كلمة في الفقرة الأولى من هذا المقطع وفي مقدمة السورة:
1 -
بدأ هذا المقطع بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ. ثم جاءت قصة موسى عليه السلام نموذجا على تعذيب الله لمن كذّب الرسل، حتى إذا استقر هذا المعنى يتوجّه الآن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم آمرا إياه بالصبر، فإذا تذكرنا مقدمة سورة (ص) التي تفصّل في نفس المحور الذي تفصّل فيه سورة غافر، فإننا نلاحظ أنّه قد جاء بعد مقدمة السورة قوله تعالى اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وهاهنا بعد إذ
قرر الله عز وجل ما رأينا يأتي قوله تعالى فَاصْبِرْ
…
ثم بعد آيات كثيرة يتكرر الأمر بالصبر فَاصْبِرْ فإذا تذكّرنا أنه قبيل بداية المقطع ورد قوله تعالى وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ .. نعلم كيف أنّ السورة وجّهت الرسول صلى الله عليه وسلم نحو الإنذار، ثم تبدأ الآن توجّهه نحو الصبر أمام المواقف المتعنّتة المستكبرة.
2 -
إذا اتضح ما مرّ ندرك كيف تسير السورة في تفصيل المحور إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فالسورة ترينا أنّ هناك كافرين لا يؤثّر فيهم الإنذار، وترينا مظاهر من العذاب العظيم للكافرين، وترينا علامة الكافرين الذين يستأهلون الطبع على القلوب، كما ترينا ضرورة الإنذار. وها هي ذي تصل إلى الحديث عما ينبغي أن يكون عليه النذير من الصفات.
3 -
رأينا في قصة مؤمن آل فرعون نموذجا على إنذار المؤمن، ونموذجا على مواقف المؤمنين، والدرس الكبير الذي نأخذه من القصة: أن كتمان الإيمان ينبغى أن يكون لخدمة الدعوة، حتى إذا أصبح الإظهار هو المصلحة الحقيقية فينبغي أن يظهر الإيمان، فالذين يكتمون ويموتون وهم كاتمون مع وجود المصلحة الحقيقية للإظهار- وخاصة عند ما يكونون في وضع يفترض عليهم أن يفعلوا- هؤلاء آثمون.
4 -
بدأت السورة بتبيان أن هذا القرآن من عند الله، ثم تحدّثت عن كون الكافرين يجادلون في آيات الله، وأمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يغرّ بتقلّبهم في البلاد، ثم ذكرت موقف الأمم السابقة من رسلها، وما عوقبوا به، ثم حدّثتنا عن دعاء الملأ الأعلى للمؤمنين، وتأنيب الملائكة للكافرين يوم القيامة، ثمّ عرّفتنا على الله عزّ
وجل، آمرة لنا بعبادته، والإخلاص فيها ولو كره الكافرون، ثمّ عرّفتنا على الله وإرساله الرسل، وأمرت الرسول صلى الله عليه وسلم بالإنذار. ثمّ خاطب الله الكافرين بأن يعتبروا بمشاهداتهم لفعل الله لرسله وللمؤمنين، وفي ذلك بشارة للمؤمنين وتثبيت لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا وضحت الأمور هذا الوضوح يأتي الآن توجيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم آمرا إياه بالصبر كما سنرى.
5 -
إن قصة موسى عليه السلام خدمت بشكل مباشر قوله تعالى أَوَلَمْ يَسِيرُوا .. ، كما خدمت مقدمة السورة كذلك؛ إذ بيّنت لنا الأسباب النفسية والقلبية