الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع بالمقدمة وبمحور السورة]
رأينا في مقدمة السورة قوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ثم جاء مباشرة بعد ذلك قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. مما يشير إلى أن علة كفر هؤلاء هو الشرك، وصلة ذلك في أوائل محور السورة واضحة فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وبعد أن فنّد الله عز وجل ما هم عليه، وبيّن فظاعته، تأتي الآن آيات تعرض موقفهم من الإنذار، أي من الكتاب الذي أنذروا به، وتردّ على هذا الموقف. والسؤال الآن: ما صلة ذلك بمحور السورة؟.
والجواب: إنه بعد الأمر بالعبادة، والنهي عن الشرك في محور السورة، جاء قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وهاهنا يذكر الله عز وجل موقفهم من الكتاب ويقيم الحجة عليهم فيه.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ أي: واضحات مبيّنات قال ابن كثير: أي:
تتلى عليهم حال بيانها ووضوحها وجلائها قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا كبرا وعنادا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ أي للقرآن حين جاءهم. قال النسفي: بادهوه الجحود ساعة أتاهم، وأول ما سمعوه، من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي ظاهر أمره في البطلان لا شبهة فيه
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي: بل يقولون إن محمدا صلى الله عليه وسلم اختلقه وأضافه إلى الله كذبا، والضمير للحق، والمراد به الآيات أي: القرآن، وصفوه بالسحر، ثم وصفوه بأنه مكذوب على الله اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، والصيغة تفيد أنهم استقروا على الرأي الأخير، وأيّا ما كان فإن مرجع الوصف الأول إلى الثاني، ومن ثمّ ينصبّ الجواب عليه، وإذا كانت هذه القضية هي الأصل الذي يرتكز عليه كل كفر، فقد جاء الجواب عليها مفصلا، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول ثلاثة أقوال في الردّ عليها، ومن ثم تتكرر كلمة (قل) ثلاث مرات في معرض الجواب:
الجواب الأول: قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً قال ابن كثير: أي لو كذبت عليه
وزعمت أنه أرسلني وليس كذلك، لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض- لا أنتم ولا غيركم- أن يجيرني منه. فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه وأنا أعلم ذلك.
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ أي: بما تسهبون فيه من القدح في وحي الله، والطعن في آياته، وتسميته سحرا تارة، وفرية تارة أخرى كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي: يشهد لي بالصدق والبلاغ، ويشهد عليكم بالجحود والإنكار. قال النسفي: ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتهم. وقال ابن كثير: هذا تهديد لهم ووعيد أكيد وترهيب شديد. أقول: أمره بأن يرد عليهم بأن الله عز وجل يغار أن يفترى عليه، ويعاقب على ذلك، كما يغار أن يكذّب وحيه ورسوله، ومن ثم ففعل الله عز وجل بالفريقين يدل على من هو صاحب الحق. وقد حكم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فنصره وأيّده، ونشر دينه، وتوفاه وهو على أكمل حال، وفي ذلك دليل صدقه في رسالته، إذ لو ادعى الرسالة عن الله كذبا لغضب الله وعاقبه في الدنيا. ولا يقولن قائل: إن كثيرين تنتشر دعواتهم وهم غير مستقيمين، فالكلام عمن يدّعي أنّه رسول الله، فإن مثل هذا إن كان كاذبا يعاقبه الله في الدنيا. ثم ختم الله الآية بقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي: هو على مغفرته ورحمته يعاقب من كذب عليه. وفي ختم الآية بذلك دعوة لهم إلى التوبة والإنابة، وترغيب لهم بذلك. قال ابن كثير: أي ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم تاب الله عليكم، وعفا عنكم، وغفر ورحم. هذا هو الجواب الأول على اتهام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه افترى القرآن على الله من عند نفسه. فلنر الجواب الثاني.
الجواب الثاني:
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ أي: ما كنت بديعا من الرسل. قال النسفي:
(والمعنى لست بأول رسول فتنكروا نبوتي) وقال ابن كثير: أي لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني، وتستبعدون بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل الله جل وعلا قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم). فإذا كان هذا هو الشأن، وكانت تظهر معي علامات النبوة وخصائصها فعلام تستنكرون الوحي الذي أنزله علي وأنا لا أدعي إلا العبودية له سبحانه، ولا أدعي مقاما فوق مقام البشر. ومن ثم أتمّ الله الحجة، آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ أي: وما أعلم ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان، أي في الدنيا قال ابن كثير: (قال الحسن البصري: أما في الآخرة فمعاذ الله،
أي ألا يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الله فاعل به. وقد علم أنه في الجنة، ولكن قال لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا. أخرج كما أخرجت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبلي؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة؟
وهذا القول هو الذي عول عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به صلى الله عليه وسلم فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا؟ أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم).
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ أي: إنما أتّبع ما ينزله الله عليّ من الوحي، فما أنا إلا عبد الله، منفذ لأمره، وذلك دليل على أنني صادق في دعوى الرسالة على الله، ومن ثمّ فأنا أكثركم التزاما بما أدعو إليه وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: مبين النذارة، أمري ظاهر لكل ذي لب وعقل. أقام الله عليهم الحجة بأن رسوله صادق في هذه الآية بظهور خصائص الرسالة عليه، ومن جملة ذلك التواضع والالتزام الكامل بما يدعو إليه، والنذارة في أمر الآخرة.
والآن يأتي الجواب الثالث على زعمهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم افترى هذا القرآن.
الجواب الثالث:
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ هذا القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ قال ابن كثير:
أي ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله عليّ لأبلغكموه وقد كفرتم به وكذبتموه. وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ قال النسفي: أي مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن، من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك. فَآمَنَ قال ابن كثير: أي هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيّته وَاسْتَكْبَرْتُمْ أنتم عن اتباعه. قال ابن كثير:
(وهذا الشاهد اسم جنس يعمّ عبد الله بن سلام رضي الله عنه وغيره. فإن هذه الآية مكية.) وسنرى في الفوائد تحقيق ذلك، ثم ختم الله الآية بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ دلّت هذه الجملة على جواب الشرط (إن) والتقدير إن كان القرآن من عند الله، وكفرتم به، ألستم ظالمين، وإذا كنتم ظالمين فإن الله عز وجل لا يهديكم لقيام الحجة عليكم، واستكباركم عن الخضوع لها، فأصبح معنى الآية كما قال النسفي:
(والمعنى .. قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع