الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خَلْقَهُمْ قال النسفي: يعني أنّهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم، فإنّ الله لم يضطرهم إلى علم ذلك، ولا تطرقوا إليه باستدلال، ولا أحاطوا به من خبر يوجب العلم، ولم يشاهدوا خلقهم حتى يخبروا عن المشاهدة سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ التي شهدوا بها على أنوثة الملائكة وبنوّتهم وَيُسْئَلُونَ عنها يوم القيامة قال ابن كثير: وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ أي لو شاء الله منا أن نترك عبادة الملائكة لحال بيننا وبين ذلك، قال ابن كثير: أي لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله.
ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ .. أي: بصحة ما قالوه واحتجوا به إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أي يكذبون ويتقوّلون. وفي الفوائد كلام حول عبادة الملائكة في عصرنا.
ملاحظات حول السياق: [حول صلة المجموعتين الأولى والثانية ببعضهما البعض]
1 -
رأينا أن المجموعة الأولى من المقطع بدأت بقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وأن المجموعة الثانية بدأت بقوله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً .. وقد ذكر النسفي الصلة بين المجموعتين فقال: (أي ولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض ليعترفنّ، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءا).
2 -
نلاحظ أنّه قد مرّ معنا ردّ على دعوى الكافرين أن الملائكة بنات الله في قوله تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ، ثمّ تأتي بقية الردّ فهذه آية تقول: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ فهل الحرف (أم) هنا آت كمعادل للهمزة هناك؟
هذا أحد اتجاهين يذكرهما النسفي في الآية، وأيّا ما كان الأمر فالآية تأتي استكمالا للردّ عليهم، وخلاصة الردّ: أنّ ادّعاءهم هذا لا يقوم عليه دليل، لا من المشاهدة الحسية، ولا من الوحي السابق ثم يسير السياق في تبيان سبب ضلالتهم.
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ أي: من قبل القرآن أو من قبل قولهم هذا، أي:
من قبل شركهم فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ أي: آخذون عاملون، وإذ لم يكن الأمر كذلك فليس لهم في عبادتهم غير الله عز وجل برهان ولا دليل ولا حجة
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ أي: على دين، فالأمة هنا من الأم وهو القصد. قال
النسفي: فالأمّة الطريقة التي تؤم أي تقصد وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ أي: آثار الآباء، أي وراءهم مُهْتَدُونَ وكذبوا فلا هداية لهم. وإنما هي دعوى منهم بلا دليل، والآية تفيد أنّه ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد. قال النسفي في الآية:(أي بل لا حجة لهم يتمسكون بها لا من حيث العيان ولا من حيث العقل، ولا من حيث السمع إلا قولهم: إنا وجدنا آباءنا على أمة .. فقلّدناهم) قال تعالى
وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ أي: نبيّ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها قال النسفي: أي متنعموها وهم الذين أترفتهم النعمة أي أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويعافون مشاقّ الدين وتكاليفه إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ قال النسفي: وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وبيان أن تقليد الآباء داء قديم
قالَ أي: وأنت قل أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ أي:
أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ وإن جئتنا بما هو أهدى. قال ابن كثير: أي ولو علموا وتيقنوا صحة ما جئتهم به لما انقادوا لذلك؛ لسوء قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله.
قال تعالى:
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي: فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم بأنواع من العذاب، كما فصّله تبارك وتعالى في قصصهم فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ قال ابن كثير:
أي كيف بادوا وهلكوا، وكيف نجّى الله المؤمنين.
وبعد أن ذكر الله عز وجل أنّ علّة هؤلاء هو تقليد الآباء بغير حجة ولا دليل ولا برهان يذكر لنا- فيما يأتي- نموذجا لموقف الإنسان الكامل المتحرر من التقليد الباطل للآباء، وذلك في شخصية إبراهيم عليه السلام
وَإِذْ واذكر إذ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ أي: برئ مِمَّا تَعْبُدُونَ
إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فإنني أعبده وحده فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ أي: يثبتني على الهداية
وَجَعَلَها أي: وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ أي: في ذريته فلا يزال فيهم من يوحّد الله ويدعو إلى توحيده لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قال النسفي: أي لعلّ من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحّد منهم، والترجّي لإبراهيم.