الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
50/ 22 - 37
التفسير:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ الوسوسة الصوت الخفي، ووسوسة النفس ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس. قال ابن كثير:(يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعلمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر). وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ الحبل: العرق، والوريد: عرق في باطن العنق
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ أي: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد. قال ابن كثير: أي مترصد، والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان. قال النسفي: (والمعني: إنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس ولا شئ أخفى منه،
وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به، إيذانا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات، وإنما ذلك لحكمة، وهو ما في كتبة الملكين وحفظهما، وعرض صحائف العمل يوم القيامة من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات)
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ أي: ما يتكلم به وما يرمي به من فمه إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ أي: حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهذا وصف لكل من الملكين، وليس كما فهم بعضهم أن اسم الواحد منهم رقيب، والثاني عتيد. قال النسفي:(ثم قيل يكتبان كل شئ حتى أنينه في مرضه، وقيل لا يكتبان إلا ما فيه أجر أو وزر) ورجّح ابن كثير الأول ثم قال النسفي: (وقيل إن الملكين لا يجتنبانه إلا عند الغائط والجماع) أقول: ولكنهما يعلمان حتى في حالة مفارقته ما يقول ويفعل ويكتبانه، ولنا عودة على هذا في الفوائد
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ أي: شدته الذاهبة بالعقل بِالْحَقِّ أي: بحقيقة الأمر أو بالحكمة أو باليقين ذلِكَ أي: الموت ما كُنْتَ مِنْهُ أيها الإنسان تَحِيدُ أي: تنفر وتهزب، والمعنى: وجاءت- أيها الإنسان- سكرة الموت بالحق، أي كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه، وهذا هو الذي كنت تفرّ منه، قال ابن كثير:(واختلف المفسرون في المخاطب .. فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو، وقيل الكافر، وقيل غير ذلك) قال النسفي في الآية: لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بقدرته وعلمه، أعلمهم أن ما أنكروه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة، ونبّه على اقتراب ذلك بأن عبّر عنه بلفظ الماضي وهو قوله وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ
…
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ قال النسفي: يعني نفخة البعث ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ أي: وقت ذلك النفخ يوم الوعيد الذي أوعده الله عز وجل خلقه وحذّرهم إياه
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ قال ابن كثير:
أي ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله، هذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا النازل بك اليوم، أي: يقال له ذلك فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ أي: فأزلنا غفلتك بما تشاهده فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي: قوي. قال ابن كثير: لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرا حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك، وقال النسفي: (جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله، أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئا، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها، فيبصر ما لم
يبصره من الحق، ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديدا لتيقظه) واختلف المفسرون بالمراد في الآية على ثلاثة أقوال، رجّح ابن كثير أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر؛ لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام، وهذا اختيار ابن جرير. قال ابن كثير: الخطاب مع الإنسان من حيث هو
وَقالَ قَرِينُهُ قال النسفي: الجمهور على أنه الملك الكاتب الشهيد عليه، وقال ابن كثير:(يقول تعالى مخبرا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل ويقول: هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ أي: معد محضر بلا زيادة أو نقصان) والمراد بذلك ديوان الأعمال.
قال ابن كثير: فعند ذلك يحكم الله في الخليقة بالعدل فيقول
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ بالنعم والمنعم عَنِيدٍ أي: معاند مجانب للحق معاد لأهله، معارض له بالباطل
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي: كثير المنع للمال عن حقوقه، أو منّاع لجنس الخير أن يصل إلى أهله، أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق ولا برّ فيه ولا صلة ولا صدقة مُعْتَدٍ أي: ظالم متخط للحق مُرِيبٍ أي: شاكّ في الله، وفي دينه
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي: أشرك بالله فعبد معه غيره فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ أي: في نار جهنم، والخطاب في قوله تعالى أَلْقِيا في أول الآيات الثلاث وفَأَلْقِياهُ في آخرها للملكين السائق والشهيد. قال ابن كثير:
والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد فالسائق أحضره إلى عرضة الحساب، فلمّا أدى الشهيد عليه أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم، وبئس المصير
قالَ قَرِينُهُ القرين هنا هو الشيطان الذي وكّل به قولا واحدا رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي: ما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى. قال ابن كثير: أي بل كان هو في نفسه ضالا قابلا للباطل معاندا للحق
قالَ الله عز وجل لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ قال ابن كثير: يقول الله عز وجل (هذا) للإنسي وقرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق تعالى فيقول الإنسي: يا رب هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، ويقول الشيطان: ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد عن منهج الحق، فيقول الرب عز وجل لهما: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ أي: عندي وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين. قال النسفي: أي لا تختصموا في دار الجزاء
وموقف الحساب فلا فائدة في اختصامكم، ولا طائل تحته، وقد أوعداكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي، فما تركت لكم حجة عليّ
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ
لَدَيَّ أي: لا تطمعوا أن أبدّل قولي ووعيدي بإدخال الكفار في النار وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فلا أعذب عبدا بغير ذنب قال ابن كثير: أي لست أعذب أحدا بذنب أحد، ولكن لا أعذّب أحدا إلا بذنبه بعد قيام الحجة عليه
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة هل امتلأت، وذلك لأنه تبارك وتعالى وعدها أن سيملؤها من الجنّة والناس أجمعين، فهو سبحانه وتعالى يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقى وهي تقول: هل من مزيد؟ أي هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا الظاهر من سياق الآية وعليه تدل الأحاديث). قال النسفي:
وهذا على تحقيق القول من جهنم، وهو غير مستنكر كإنطاق الجوارح، والسؤال لتوبيخ الكفرة، لعلمه تعالى بأنها امتلأت أم لا
وَأُزْلِفَتِ أي: أدنيت وقرّبت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ قال النسفي: أي مكانا غير بعيد
هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ أي: رجّاع تائب مفلح حَفِيظٍ أي: حافظ لحدود الله، أو حفيظ لعهده مع الله قال ابن كثير: أي يحفظ العهد فلا ينقصه ولا ينكثه
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ قال ابن كثير: أي من خاف الله في سرّه حيث لا يراه أحد إلا الله عز وجل، كقوله صلى الله عليه وسلم «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ. قال ابن كثير: أي ولقي الله عز وجل يوم القيامة بقلب منيب سليم إليه، خاضع لديه. وقال النسفي: أي راجع إلى الله، وقيل بسريرة مرضيّة، وعقيدة صحيحة.
ادْخُلُوها أي: الجنة بِسَلامٍ أي: سالمين من زوال النعم وحلول النقم. قال قتادة: سلموا من عذاب الله عز وجل، وسلّم عليهم ملائكة الله ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ أي: يخلدون في الجنة فلا يموتون أبدا، ولا يظمئون أبدا، ولا يبغون حولا
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها أي: مهما اختاروا وجدوا من أي أصناف الملاذ طلبوا أحضر لهم وَلَدَيْنا مَزِيدٌ على ما يشتهون. قال النسفي: والجمهور على أنه رؤية الله تعالى بلا كيف.
وبعد هذه الجولة في مشاهد اليوم الآخر يعود السياق لينذر بعذاب الله في الدنيا.
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ أي: قبل المكذبين من هذه الأمة مِنْ قَرْنٍ من القرون الذين كذّبوا الرسل هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً أي: كانوا أكثر منهم وأشدّ قوة فهم أشد من هؤلاء قوة وسطوة فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ أي: فبسبب من قوتهم نقّبوا في